لا يقتصر تأثير الأرق على الشعور بالتعب في الصباح أو صعوبة التركيز خلال اليوم، بل قد يرتبط أيضًا بمشكلات صحية أكثر خطورة. فقد كشَفت مراجعة علمية حديثة وجود علاقة بين الأرق والسكتة الدماغية ، حيث وجَدت أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية ودخول المستشفى، فضلًا عن ارتباط هذه المشكلة باضطرابات نفسية وعصبية أخرى. ولكن لا تثبت النتائج أن الأرق هو السبب المباشر لهذه الحالات، بل تشير إلى وجود علاقة تستدعي مزيدًا من البحث.
أجرى فريق بحثي أوروبي مراجعة منهَجية شاملة للدراسات السابقة بهدف فهم ارتباط الأرق بمجموعة واسعة من المشاكل الصحية، بما في ذلك الخرف، والسكتة الدماغية، والاكتئاب، والسلوكيات المرتبطة بالانتحار. اعتمد الباحثون على مراجعة الدراسات المنشورة في قاعدتَي بيانات طبيتين، هما (MEDLINE) و (EMBASE)، كما أجروا مراجعات منهَجية إضافية لدراسة العلاقة بين الأرق والسكتة الدماغية، وإصابات العمل، وحالات دخول المستشفى.
تأتي أهمية هذا البحث في ظل الانتشار الواسع لاضطرابات النوم؛ إذ تشير تقديرات مراجعة علمية نُشرت عام 2022 إلى أن نحو 10% من البالغين يعانون من اضطراب الأرق، بينما تظهَر أعراض الأرق من حين إلى آخر لدى 20% آخرين. ويُعرَّف الأرق المزمن بأنه اضطراب يؤثّر في القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية، ويَحدث ثلاث ليالٍ أسبوعيًا على الأقل لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر.
كانت إحدى أبرز النتائج وجود ارتباط بين الأرق وزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية؛ فقد حدد الباحثون تسع دراسات شملت أكثر من 1.3 مليون مشارِك، وجمعوا نتائج 6 منها في تحليل إحصائي موحّد، وأظهَر التحليل أن الأشخاص المصابين بالأرق لديهم ارتفاع بنسبة 26% في الاحتمال النسبي للإصابة بالسكتة الدماغية مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون منه.
لكن هذه النسبة لا تعني أن 26% من المصابين بالأرق سيصابون بالسكتة الدماغية، بل تعبّر عن الفرق النسبي في حدوث هذا الاحتمال بين المجموعتَين، أما احتمال الإصابة الفعلي، فيختلف باختلاف الظروف الصحية لكل شخص. ولا تثبت هذه النتيجة أن الأرق يؤدي مباشرة إلى السكتة الدماغية، إذ تقتصر الدراسة على رصد الارتباط بين الحالتَين، دون إثبات علاقة سببية مؤكدة بينهما.
لم تقتصر النتائج على السكتة الدماغية، فقد أظهَر تحليل ثلاث دراسات أن المصابين بالأرق لديهم ارتفاع بنسبة 28% في احتمالات دخول المستشفى لأي سبب، مقارنة بغير المصابين به.
كما وجَد الباحثون ارتباطات بين الأرق وكل من الخرف، والاكتئاب، والنتائج المرتبطة بالسلوكيات الانتحارية. وفي المقابل، لم يجدوا ارتباطًا بين الأرق والوفيات، ولم يتمكنوا من الوصول إلى استنتاج واضح بشأن علاقته بإصابات العمل، بسبب محدودية الدراسات المتاحة وعدم إمكانية جمع نتائجها في تحليل إحصائي موحَّد.
نُشرت المراجعة في مجلة (Sleep Medicine Reviews)، وأكد الباحثون أن اختلاف تعريف الأرق بين الدراسات، إلى جانب عوامل مثل استخدام الأدوية المساعدة على النوم، قد يؤثر في النتائج ويحد من دقتها.
تشير النتائج إلى أهمية التعامل مع الأرق المستمر باعتباره مشكلة تستحق الاهتمام، بدلًا من اعتباره مجرد صعوبة عابرة في النوم، فقد يكون الأرق علامة تستدعي تقييم الصحة العامة، خصوصًا عند وجود مخاطر صحية أخرى. كما توضح المراجعة أهمية أن يسأل الأطباء عن مشكلات النوم عند تقييم الصحة العصبية والنفسية، وأن يأخذوا في الحسبان صحة القلب، والأوعية الدموية، والعوامل الأيضية عند الحاجة.
ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج وفهم طبيعة العلاقة بين الأرق والمشكلات الصحية المختلفة، وتحديد ما إذا كان علاج الأرق يمكن أن يساهم في تقليل هذه المخاطر.
Loading ads...
إذا كنت تعاني من صعوبة النوم أو الاستمرار فيه بصورة متكررة، خاصة إذا استمرت المشكلة ثلاثة أشهر أو أثّرت في أنشطتك اليومية، فلا تتجاهلها واستشر مختصًا لتقييم حالتك. وقد يساعدك العلاج السلوكي المعرفي للأرق، أو العلاج الدوائي عند وصفه طبيًا، في التعامل مع المشكلة. واحرص أيضًا على الاهتمام بصحتك العامة ومتابعة عوامل خطر أمراض القلب والأوعية الدموية، دون افتراض أن الأرق وحده يعني أنك ستصاب بالسكتة الدماغية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



