تفتح هاتفك أو حاسوبك الشخصي صباحاً، فتغرق في سيلٍ من الأخبار، وقبل أن تنهي فنجان القهوة، تكون قد استهلكت ما يفوق قدرتك العقلية على تلقي وتحليل كل ما في الخرج: "قصة من هون، وخبر من هنيك، وكل ماله هالخرج عم ينتفخ ويكبر، وما عاد فيك تميّز الصادق من الكذّاب.. ناس بتنكر الواضح، وناس بتشرح الغامض، والعقل بيصير ملعبج لعبجة، وكتلة من خبصة الزفر والدبق.. وبلحظة وعي، بس تقرر تعزّل الخرج أو تخفف ثقله، بتقول لحالك: يا لطيف، ناتع كل هالنتعة، وكله على الفاضي! ما بيجيب غير تشنج الرقبة ووجع الراس".
هذه الصورة، التي صاغتها الكاتبة سلوى زكزك، بتعبيرها الشعبي العميق، تختزل واقعاً معرفياً ونفسياً يثقلنا من دون أن يمنحنا وضوحاً أو قدرة على التلقي والتحليل.
في هذا العالم المزدحم بالقصص والأحداث، لم يعد الجهل عدونا الأول، بل التخمة، فعبارة "حط بالخرج" أصبحت استعارة لعقلنا المثقل بالمعلومات والحكايات والأحداث، بخلاف "الزوادة" التي نحملها معنا في السفر، إلى العمل، المدرسة، أو الحقل: خفيفة، نظيفة، تحتوي ما نحتاجه من طعام وشراب، لا تثقل الكاهل ولا تربك العقل، أما الخرج، فهو يلتقط كل شيء: الخبر الجيد والسيئ، التحليل المفيد والسخيف، حتى الحديث الفارغ الذي لا يُغني، ليصبح ثقيلاً على الجسد والعقل معاً.
والخرج، كما صوّرته سلوى زكزك، استناداً إلى المخيال الشعبي لم يعد مجرد وعاء لحمل الحكايات، بل تحوّل إلى استعارة ثقيلة لحالة الإدراك المعاصر، إلى حقيبة تشويش، يحمل في داخله قصصاً متضاربة، أخباراً بلا سياق، تحليلات مبتورة، وانفعالات متراكمة.
كل ما يُلقى فيه لا يُفرز، بل يُكدّس، وكل ما يُكدّس لا يُهضم، بل يُربك، صار الخرج يشبه الذاكرة الجمعية حين تفقد قدرتها على التمييز بين ما يجب حفظه وما يجب نسيانه، هو ذاكرة بلا غربال، ووعي بلا ترتيب، وكلما انتفخ، كلما زادت الحيرة: هل نُفرغه؟ هل نُعيد ترتيبه؟ أم نتركه ينتفخ حتى ينفجر؟ في حين الزوادة، بوزنها الخفيف ومحتواها المحدود، تمنح الإنسان ما يحتاجه من دون إرهاق أو تشويش، هذه المقارنة توضح الفرق بين تراكم المعلومات بلا فائدة وبين ما يُغني الوعي ويُعين على الفهم.
المعرفة، كما اعتدنا وصفها بالنور، هذا النور عندما ينمو ويتكاثر بلا نظام قد يتحول إلى وهجٍ يعمي البصيرة قبل البصر، فما معنى أن يعرف الفرد تفاصيل كل نزاع، وأرقام كل كارثة، ومسار كل جدل سياسي، وهو عاجز عن تحويل هذه المعارف إلى فعل، أو حتى إلى قناعة يمكن البناء عليها؟
هنا تتجلى المفارقة، فنحن اليوم نعيش في عصر يُفترض أنه عصر التنوير الشامل، لكنه في الحقيقة عصر الاستهلاك المعرفي والمعلوماتي، حيث يغدو الإدراك عبئاً لا أداة، نستهلك الأخبار كما نلتهم التين في موسمه: بشغف، وبلا توقف، حتى يفقد الطعم لذّته وتبدأ المعدة بالارتباك.
في البداية، يبدو كل خبر مغرياً، وكل تحليل مثيراً، لكن شيئاً فشيئاً، يتحوّل الإدراك إلى ثقل، والوعي إلى عبء. فائض المعلومات لا يترك للعقل فسحةً للتأمل أو غربلة ما يرد إليه، وما كان يُفترض أن يحررنا من الجهل، يصير سبباً في تشويشنا، ويحوّل العقل إلى حقل ألغام معرفي، تتفجّر فيه التناقضات عند كل محاولة للفهم.
لطالما كانت الحكاية وسيلة البشر لفهم العالم، من خلال القصص يربّي الأهل أبناءهم، وبالأساطير فسّر الإنسان الأول ما استعصى عليه من ظواهر الطبيعة، وبالسرديات الكبرى نظّمت الأمم ذاكرتها الجماعية.
لكن ما يحدث اليوم مختلف، نحن أمام وفرة قصصية تُنتَج على مدار الساعة: روايات رسمية متناقضة، تحليلات إعلامية متنافسة، شهادات فردية متناثرة. ومع غياب الثقة، تتحول هذه الوفرة إلى عبث، حين لا نملك معياراً لتمييز الصدق من الكذب، تغدو كل الحكايات سواء.
وفي هذه اللحظة، يفقد السرد دوره التفسيري، ويتحول إلى ضوضاء، الزوادة تظل مجرد نموذج لما يُفيد ويغني، أما عبارة "حط بالخرج" فتصبح مقبرة لكل ما لا ينفع.
علم النفس يشير إلى أن الدماغ البشري لا يحتمل أكثر من قدر معين من المعلومات في اليوم الواحد، ما يزيد عن هذا القدر يُخزّن بشكل سطحي أو يتلاشى.
لهذا نشعر بالإرهاق العقلي مع تصفح الأخبار لساعات، حتى لو لم ننجز شيئاً فعلياً، إننا نصاب بما يمكن تسميته "تخمة معلوماتية"، وهي حالة تجعل الفرد عاجزاً عن التمييز بين المهم والهامشي، بين ما يستحق التوقف عنده وما يمكن تجاهله.
والنتيجة أن وعينا الجمعي يُصاب بنوع من البلادة، نسمع عن مجازر أو كوارث إنسانية بالقدر نفسه من اللامبالاة الذي نسمع به عن شائعات الفن والرياضة، الفائض يسوّي بين المأساوي والتافه، فيذيب الحدود الأخلاقية التي لطالما شكلت بوصلة للإنسان.
لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في تكريس هذه الفوضى، فمن جهة، تسعى وسائل الإعلام إلى السبق والانتشار، فتكثّف من ضخ الأخبار حتى لو كانت غير محققة، ومن جهة أخرى، تنشغل شبكات التواصل الاجتماعي بإعادة تدوير هذه الأخبار، مضيفةً إليها قدراً هائلاً من المبالغات والانفعالات.
في المحصلة، يصبح المتلقي أمام متاهة يصعب الخروج منها: خبر يُكذّب خبراً، رواية تهدم رواية أخرى، وتحليل يستعرض ما يناقضه في اليوم التالي، فلا يبقى أمام الفرد سوى الاستسلام لفوضى "حط بالخرج"، حيث لا شيء يُحفظ ولا شيء يُبنى عليه.
أمام هذا الواقع، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار إلى فعل الغَربلة، لا يمكننا أن نوقف تدفق المعلومات، لكن يمكننا أن نعيد تدريب عقولنا على التمييز.
الغربلة هنا لا تعني فقط التحقق من صدقية الخبر، بل تعني أيضاً ترتيب الأولويات: ماذا يهمني أن أعرف؟ ماذا يفيد مجتمعي أن يتابع؟ وأيّ أخبار ليست سوى استهلاك مجاني لطاقة العقل؟ من دون هذه القدرة على التمييز، سنظل أسرى "حط بالخرج"، نحمل كل يوم ما لا نحتاجه، ونفقد في المقابل ما هو ضروري.
المعرفة الحقيقية ليست في حجم ما نكدّسه، بل في قدرتنا على تحويله إلى معنى. فالخبر الذي لا يغيّر وعياً أو لا يضيء درباً، يبقى مجرد ضجيج. والوعي الذي لا يملك القدرة على الفرز، يتحول إلى آلة تسجيل معطلة. من هنا، يصبح الصمت خياراً وجودياً، لا هروباً من العالم بل سبيلاً لاستعادته. فحين نمنح أنفسنا فسحة من الصمت والتأمل، نستطيع أن نعيد ترتيب محتويات "الخرج"، أن نفرغه مما لا ينفع، وأن نحتفظ بما يعيننا على الفهم والمقاومة.
Loading ads...
قد يكون عصر وفرة المعلومات قدَرنا الذي لا مهرب منه، لكن بين الاستسلام للفوضى ومحاولة تنظيمها، يتسع هامش للفعل الواعي. يمكننا أن نعيد تشكيل علاقتنا بالمعلومة: أن نقرأ ببطء، نصغي بتمعّن، ونغلق الأبواب حين يطغى الضجيج. في النهاية تبقى "الزوادة" رمزاً لما يُفيد، و"الخَرْج" وعاءً لما يرافقنا من كلام. بوعينا الفردي والجمعي، يمكن أن يتحول من وعاء مثقل بالضياع إلى أداة لحمل ما ينفع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

