38 دقائق
بتريليونات الذكاء الاصطناعي.. أمريكا والصين في سباق "تسلح" اقتصادي
الخميس، 24 سبتمبر 2026
لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين مجرد منافسة على تطوير النموذج الأكثر ذكاء أو امتلاك الرقائق الأكثر تقدما، بعدما تحول إلى واحدة من أكبر موجات الاستثمار المرتبطة بتكنولوجيا واحدة، مع ضخ تريليونات الدولارات في مراكز البيانات والطاقة والرقائق والروبوتات والبنية الحاسوبية.
وفي الولايات المتحدة وحدها، تقدر الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنحو 10.3 تريليونات دولار بين 2025 و2032، وفقا لتقديرات الاقتصادي ستين فان نيويربرغ التي نشرها معهد بروكينغز وأوردتها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، بما يعادل في المتوسط نحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا.
ويتجاوز هذا الحجم ما استحوذت عليه مشروعات كبرى غيرت الاقتصاد الأمريكي سابقا. فقد بلغت استثمارات طفرة السكك الحديدية بين عامي 1870 و1890 ما يعادل 2.24% من الناتج، مقابل 1.13% للكهرباء و1.1% للطرق السريعة، و0.66% للألياف الضوئية في أواخر التسعينيات.
لكن رقم 10.3 تريليونات دولار يظل تقديرا لمسار الاستثمار في ثماني سنوات، وليس إنفاقا تحقق بالفعل، فيما تشير "وول ستريت جورنال" إلى أن القيمة النهائية قد تكون أقل بصورة ملموسة. ومع ذلك، تكشف الاستثمارات الجارية أن السباق تجاوز قطاع التكنولوجيا وأصبح يعيد توزيع رأس المال والكهرباء والعمالة بين قطاعات الاقتصاد، في وقت تخوض فيه واشنطن وبكين المنافسة بنموذجين مختلفين للتمويل والاستثمار.
تقود شركات التكنولوجيا العملاقة وأسواق رأس المال طفرة الاستثمار الأمريكية. وتشير تقديرات شركة "فاكت سيت" للبيانات المالية إلى أن الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات فقط، هي "ألفابت" و"أمازون" و"ميتا" و"مايكروسوفت" و"أوراكل" (وكلها شركات أمريكية) قد يبلغ 4.2 تريليونات دولار خلال السنوات الأربع المنتهية في 2029، فيما يتوقع بنك "غولدمان ساكس" أن تصل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى ما يعادل 1.9% من حجم الاقتصاد الأمريكي في العام 2026.
والإنفاق الرأسمالي هو الأموال التي تصرفها الشركة لشراء أصول دائمة ومهمة تحوزها لسنوات طويلة، أو لتطوير وتحديث أصولها الحالية، بهدف توسيع أعمالها، وتنمية أرباحها مستقبلاً.
ولا يقتصر الأمر على ارتفاع تقييمات شركات التكنولوجيا في أسواق الأسهم، بل يمتد إلى إنفاق فعلي على بنية تحتية ضخمة. فحتى يوليو/تموز الماضي، بلغ الإنفاق السنوي المعدل موسميا على إنشاء مراكز البيانات الخاصة نحو 37 مليار دولار، بزيادة تقارب 9 مليارات دولار على الفترة نفسها من العام الماضي، وفقا لبيانات وزارة التجارة الأمريكية.
وفي المقابل، كان الإنفاق على جميع فئات البناء الخاص الأخرى، بما فيها المنازل والشقق والمراكز التجارية، أقل بنحو 46 مليار دولار مقارنة بالعام السابق. وتكشف هذه الفجوة عن تحول جزء من رأس المال والعمالة والموارد نحو مراكز البيانات، بالتزامن مع انكماش الإنفاق في أنشطة بناء أخرى.
وتمتد المنافسة إلى الكهرباء والأراضي والعمالة المتخصصة التي تحتاج إليها مراكز البيانات بكميات كبيرة، ما يضع القطاع في منافسة مباشرة مع صناعات أخرى تعتمد على الموارد نفسها.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، كانت ولاية مسيسيبي جنوبي الولايات المتحدة مرشحة لكي يقام فيها مصهر للألمنيوم يوفر نحو ألف وظيفة دائمة، لكن مركز بيانات أعلن عنه قرب أحد المواقع المقترحة حجز الكهرباء التي كان يحتاج إليها المشروع، لينتقل المصهر في النهاية إلى ولاية أوكلاهوما وسط البلاد.
وقالت ديدي كالدويل، المستشارة المتخصصة في اختيار مواقع الصناعات الثقيلة، إن مراكز البيانات بدأت تزاحم الصناعة وترفع أسعار الأراضي، فيما أشار بنك الاحتياطي الفدرالي في ريتشموند إلى أن إنشاء هذه المراكز يضغط أيضا على توفر العمالة في منطقته.
وتكشف هذه التطورات وجها آخر للطفرة، فالتوسع السريع في صناعة واحدة يضيف استثمارات ووظائف جديدة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه رفع كلفة الموارد التي تحتاج إليها قطاعات أخرى، وإعادة توجيهها بعيدا عنها.
في المقابل، تحقق الطفرة مكاسب واضحة في سوق العمل. فبحسب تقديرات مؤسسة "لينكدإن"، ارتبط الذكاء الاصطناعي بأكثر من 750 ألف وظيفة جديدة في الولايات المتحدة بين 2023 و2026 حتى الآن، ويبلغ متوسط الراتب المعلن عنه للوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا نحو 180 ألف دولار، مقارنة بنحو 80 ألفا للوظائف عموما.
ولا تقتصر الاستفادة على المهندسين والمبرمجين، فقد أضاف توسع مراكز البيانات نحو 117 ألف وظيفة دائمة منذ بداية 2024، من دون احتساب وظائف البناء. وفي منطقة واشنطن تضاعف تقريبا عدد الكهربائيين المنتسبين إلى النقابات من 9 آلاف إلى 17.5 ألف عامل، بينما تصل أجور بعض الكهربائيين ذوي الخبرة إلى 62 دولارا في الساعة، إضافة إلى العمل الإضافي.
وبذلك تعيد طفرة الذكاء الاصطناعي تشكيل الطلب على العمالة، وترفع الأجور في الوظائف المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، في وقت تبقى فيه أجزاء أخرى من سوق العمل أكثر ضعفا.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يفترض أن يرفع الإنتاجية ويخفض تكاليف كثير من الأعمال على المدى الطويل، فإن بناء البنية التحتية اللازمة له يضيف في الأجل القصير ضغوطا تضخمية عبر الرقائق والكهرباء والأجور والتمويل.
فقد أدى الطلب المتسارع على رقائق الذاكرة والمكونات المستخدمة في مراكز البيانات إلى اختناقات في المعروض، وارتفعت الأسعار التي يدفعها المستوردون الأمريكيون لأجهزة الكمبيوتر وملحقاتها وأشباه الموصلات 20% في أغسطس/آب الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما بدأت هذه التكاليف تنتقل إلى منتجات استهلاكية مثل الهواتف الذكية وأجهزة الألعاب.
وحذر رئيس الاحتياطي الفدرالي في شيكاغو أوستان غولسبي من أن الاستثمار في مراكز البيانات يرفع الأجور في المجالات المرتبطة بها. كما أشار رئيس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش إلى اقتراض شركات التكنولوجيا العملاقة باعتباره أحد العوامل التي تبقي أسعار الفائدة طويلة الأجل مرتفعة، بالتزامن مع صعود فواتير الكهرباء في بعض المناطق التي تتركز فيها مراكز البيانات.
وتكمن المفارقة في اختلاف التوقيت بين الكلفة والعائد، فضغوط الرقائق والكهرباء والأجور والتمويل أصبحت ملموسة، بينما تظل مكاسب الإنتاجية التي يفترض أن تعوضها لاحقا رهانا لم يتحقق بالكامل بعد.
امتدت الطفرة إلى أسواق المال أيضا، ورفعت موجة صعود الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قيمة ما يمتلكه الأمريكيون من الأسهم وصناديق الاستثمار إلى 63 تريليون دولار في الربع الثاني من 2026، أي ما يقارب ضعف مستواها في نهاية 2022، وفقا للاحتياطي الفدرالي.
وساعد ارتفاع قيمة الأصول في دعم الإنفاق الاستهلاكي حتى مع ضعف نمو الأجور بعد احتساب التضخم، لكن المكاسب تتركز بصورة أكبر لدى الأسر الأعلى دخلا والأكثر امتلاكا للأسهم.
وتبرز هذه الفجوة أيضا في سوق العقارات. فبينما تعاني مبيعات المنازل على المستوى الوطني ركودا مستمرا منذ أربع سنوات، تشهد مناطق في وادي السيليكون ارتفاعا قويا في الطلب على العقارات الفاخرة مدفوعا بثروات الذكاء الاصطناعي.
وتبرز إحدى أكبر نقاط المخاطرة في طريقة تمويل التوسع الأمريكي، مع اعتماد جزء متزايد من الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا على الديون. ويحذر فان نيويربرغ من أن شركات تكنولوجيا تستخدم أحيانا كيانات خارج الميزانية للاقتراض من البنوك وشركات الائتمان الخاص، ضمن صفقات تتسم بمحدودية الإفصاح العام.
وتحتاج مراكز البيانات إلى استثمارات ضخمة قبل تحقيق إيراداتها المستقبلية، ما يجعل قدرتها على توليد عوائد كافية عاملا حاسما في استدامة هذا التوسع. وإذا جاءت الإيرادات أقل من المطلوب لخدمة الديون المستخدمة في بناء البنية التحتية، فقد تمتد التداعيات إلى أجزاء من النظام المالي.
ومن هنا تكتسب تقديرات إنفاق 4.2 تريليونات دولار من جانب أكبر خمس شركات تكنولوجيا أهمية تتجاوز حجم الأموال نفسها، لتشمل مصدر التمويل والعائد المنتظر من هذه الاستثمارات.
وتضيف التكنولوجيا نوعا آخر من المخاطر. فقد حذر مكتب مراقب العملة الأمريكي الكونغرس من أن الذكاء الاصطناعي زاد سرعة الهجمات الإلكترونية على المؤسسات المالية وحجمها وتعقيدها، فيما تشير أتلانتيك إلى تزايد قدرة النماذج المتقدمة على اكتشاف الثغرات واستغلالها، بما يفرض أعباء إضافية على البنوك والمؤسسات المالية، خصوصا الأصغر منها.
وتخوض الصين المنافسة بنموذج مختلف، تلعب فيه الدولة دورا مركزيا في توجيه الاستثمار عبر الصناديق الحكومية والبنوك والحوافز الضريبية وتمويل الأبحاث والبنية التحتية، بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على الشركات وأسواق رأس المال.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمزالأمريكية، ضخت صناديق تقودها الدولة أكثر من 184 مليار دولار في شركات الذكاء الاصطناعي بين 2000 و2023، فيما تعهدت حكومة بكين والبنوك المملوكة للدولة بمئات المليارات الإضافية. وللمقارنة فقد ضخ القطاع الخاص الأمريكي وحده 285 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي في عام 2025.
وتستخدم بكين أدوات سبق أن اعتمدتها في صناعات السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية. فقد عرضت منطقة في شنغهاي ما يصل إلى 29 مليون دولار للشركات التي تحقق اختراقا تكنولوجيا، بينما تجاوزت كلفة مجمع صناعي في منطقة شنتشن جنوبي الصين 6 مليارات دولار، إلى جانب خفض ضريبة الشركات المصنفة ضمن مؤسسات التكنولوجيا المتقدمة من 25% إلى 15%.
وتتضح نتائج النموذج الصيني بصورة خاصة في الانتشار الصناعي. ففي نهاية 2025 كان في البلاد أكثر من 6 آلاف شركة للذكاء الاصطناعي، وبلغت قيمة القطاع نحو 171 مليار دولار وفقا للإحصاءات الرسمية، وتشغل الصين أكثر من مليوني روبوت في المصانع، وهو عدد يفوق بقية العالم مجتمعة.
لكن قدرة الدولة الصينية على ضخ الأموال تواجه حدودا تكنولوجية. فبحسب "كول مكفول" محلل الأبحاث في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة جورجتاون، ارتبط التحدي في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية إلى حد كبير بتوسيع الإنتاج وخفض التكلفة، بينما يعتمد التفوق في الذكاء الاصطناعي بدرجة أكبر على اختراقات تكنولوجية لا يستطيع الدعم المالي ضمانها.
وتظل الرقائق المتقدمة أبرز القيود والتحديات، بعدما أنفقت بكين أكثر من 150 مليار دولار خلال عقد على تطوير صناعة الرقائق المحلية من دون تحقيق اختراقات كبرى في بعض التقنيات الأكثر تقدما، وفقا لنيويورك تايمز. ويقول مؤسس شركة "ديب سيك" الصينية ليانغ ونفنغ إن شركته تحتاج إلى رقائق متقدمة أكثر من حاجتها إلى مزيد من الأموال، في إشارة إلى حدود قدرة رأس المال وحده على حل مشكلة القدرة الحاسوبية.
وتقترب المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بذلك من منطق سباقات التسلح، ولكن بأدوات اقتصادية، مع ضخ الطرفين موارد استثنائية في تكنولوجيا ينظر إليها باعتبارها حاسمة للتفوق الاقتصادي في المستقبل، بينما يدفع تسارع الاستثمار لدى أحدهما الطرف الآخر إلى توسيع قدراته.
لكن المخاطر موزعة بصورة مختلفة. ففي الولايات المتحدة تتحمل الشركات وأسواق رأس المال والمقرضون جانبا أكبر من المخاطرة، وتظهر الضغوط في الديون وأسعار الأصول والكهرباء والفائدة ومزاحمة القطاعات الأخرى. أما في الصين فتتحمل الدولة دورا أكبر في توجيه رأس المال والمخاطرة، وتستطيع الدفع نحو الاستخدام الواسع للتكنولوجيا، لكنها تواجه قيودا في الرقائق المتقدمة والمواهب والقدرة على تحويل الدعم المالي إلى اختراقات تكنولوجية.
ولا تحسم الأرقام حتى الآن أي النموذجين سيحقق عائدا اقتصاديا أكبر، كما لا تحسم ما إذا كان الإنفاق الأمريكي سيصل بالفعل إلى 10.3 تريليونات دولار. لكن آثار السباق أصبحت ملموسة بالفعل، مع منافسة مراكز البيانات للمصانع والمنازل على رأس المال والكهرباء والعمالة، وضغط الطلب على الرقائق على الأسعار، وارتفاع الأجور في قطاعات مرتبطة بالطفرة، ودخول الديون بصورة متزايدة في تمويل مشاريع البنية التحتية الجديدة.
ويبقى الرهان الأساسي هو قدرة مكاسب الإنتاجية التي ستتحقق في المستقبل على تبرير هذه الكلفة. فإذا تحققت فقد تؤسس التريليونات التي تضخ اليوم لمرحلة اقتصادية جديدة تشبه في أثرها السكك الحديدية والكهرباء، وأما إذا جاءت العوائد دون التوقعات فقد تترك وراءها طاقات فائضة وديونا واستثمارات ضخمة يصعب تحقيق العائد منها.
Loading ads...
وفي الحالتين، لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مجرد منافسة على امتلاك التكنولوجيا الأكثر تقدما، بل أصبح سباقا على رأس المال والطاقة والعمالة والقدرة الصناعية والتمويل، واختبارا لقدرة أكبر اقتصادين في العالم على تحمل كلفة بناء البنية التحتية للمرحلة التكنولوجية المقبلة قبل أن تتضح عوائدها النهائية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





