في السادس والعشرين من أيار عام ألف وتسعمئة وسبعة وسبعين، أُسدل الستار على مسيرة أحد أبرز حرفيي دمشق في القرن العشرين. لم يكن صيون نصيري نحّاساً من بين النحّاسين، بل كان ظاهرةً فريدة: رسّام وحفّار ومزخرف في آنٍ واحد. وُلد عام 1909 في حارة اليهود بدمشق القديمة، ولم ينعم في طفولته بظلّ الأب طويلاً، إذ رحل والده وهو ما يزال في سنٍّ مبكرة. غير أن هذا الفقد لم يُثنِ همّته — بل ربما أيقظها.
فقد كان طموحه أكبر من أن تسعه جدران حارته، وأعمق من أن يحتويه أُفق مألوف. هذا الطموح هو الذي دفعه، في سنٍّ لم تكتمل بعد، إلى عتبة ورشة النعسان، باحثاً عن حرفة تكون له هويةً وعالَماً.
ما جعل صيون مدرسةً بذاتها أنه كان يرسم ما ينوي تنفيذه، ويصمّم ما يرسمه، ثم يُنجزه بيده.
نشأ صيون في كنف حارة اليهود بدمشق، في بيئة جمعت بين الموروث الديني والحياة الحِرفية. في سن الخامسة التحق بكُتّاب الحي، حيث تلقّى أصول الدين بالعبرية والكتابة بالعربية — ثنائيةٌ لغوية ستُميّز تكوينه طوال حياته. وفي سن الرابعة عشرة صار من المصلين المنتظمين في كنيس الحي. لكنه لم يكتفِ بذلك، فتجاوز حدود باب شرقي نحو ورشات النعسان، يتنقّل بينها طالباً متعلّماً، حتى استقر على الحفر في النحاس حرفةً وسبيلاً. ولم يقنع بتعلّم الحفر وحده، بل أتقن إلى جانبه فن الرسم، وتعلّم انتقاء أجود أنواع النحاس وأرفعها — وهو ما سيمنحه لاحقاً ميزةً لا يشاركه فيها كثير من أبناء حرفته.
لم تكن نهاية التعلّم إلا بداية مسار أطول. فتح صيون متجراً صغيراً في سوق مدحت باشا، وراح يعرض فيه إنتاجه الشخصي. هناك، في ذلك الممرّ العتيق الذي تتقاطع فيه أرواح دمشق وأبصار زوّارها، لفت عمله أنظار السياح والراغبين في اقتناء التراث الدمشقي الأصيل. وفي تلك اللحظة أدرك صيون شيئاً لم يكن ليصله بغير هذه التجربة: أن إنتاجه مختلف، وأن له خطّاً لا يشبه ما تصنعه أيدي غيره. من هذا الوعي وُلد قرارُه بالانفراد — بأن ينتج ما لا ينتجه سواه، وأن يرفع سقف حرفته إلى ما يليق بمن يرسم قبل أن ينقش.
ما جعل صيون مدرسةً بذاتها أنه كان يرسم ما ينوي تنفيذه، ويصمّم ما يرسمه، ثم يُنجزه بيده. هذا الجمع بين الرسم والتصميم والحفر نادر في تاريخ الحرف الدمشقية، إذ اعتاد أغلب النحّاسين أن يكونوا إما صانعين أو نقّاشين، لا مصمّمين يُتقنون المسار كله. وقد بلغ بأعماله ذروةً تقنيةً متميّزة حين أضاف إلى الحفر فنّ التطعيم بخيوط الذهب والفضة، فغدت قطعه تجمع بين عمق النقش ولمعة المعدن النفيس في تحفة واحدة متكاملة. منذ ثلاثينيات القرن الماضي ذاع صيت منتجاته لجماليتها وإتقان صنعها، حتى بات المتسوقون يطلبون إنتاجه بالذات، وظهر اسمه بين كبار أرباب الحرف في دمشق. وحين تكاثرت الطلبات أشرف على عمال عدة للوفاء بمواعيد التسليم من دون أن يتنازل عن معاييره.
ثم جاءت رحلة فرنسا: سافر ممثّلاً جناح الصناعات اليدوية السورية في معرض دولي، وكان الأول على المشاركين. وعاد إلى دمشق بما هو أثمن من الجائزة — برؤية أوسع وعزيمة أحكم. فوسّع بازار أمية الذي كان قد أسّسه في الشارع المستقيم، وأضاف إليه ركناً مخصّصاً للمقتنيات القديمة والأنتيك، لتغدو المساحة كاملةً معرضاً حقيقياً يجمع الإبداع الحي بذاكرة الحرفة الدمشقية.
كان دائم الحضور بين تلامذته، يتابعهم ويشاركهم أدقّ تفاصيل العمل — في شهادات نقلها حرفيو السوق من أبناء جيله.
لم يكن صيون شخصاً عادياً، بل كانت شخصيته استثنائية في كل موقع وُجد فيه، حتى بات مدرسةً خرّجت جيلاً صنع أجمل القطع الفنية العالية الصنع والجودة والجمال. كان يُعلّم أدقّ تفاصيل المهنة لشباب الطائفة اليهودية وفتياتها على حدٍّ سواء، في زمن كانت الورشة فضاءً ذكورياً بامتياز. ولم يقتصر عطاؤه على أبناء طائفته، بل فتح ورشته لكل من رغب في تعلّم الحرفة من أبناء دمشق. وكان دائم الحضور بين تلامذته، يتابعهم ويشاركهم أدقّ تفاصيل العمل — في شهادات نقلها حرفيو السوق من أبناء جيله. ومن أبرز من تتلمذوا على يديه ابنه موريس نصيري، وموسى سعدية الذي أتقن فن الحفر على النحاس على يد المعلم صيون مباشرة، فحملا معاً نهجه وأسلوبه وواصلا مسيرته في الحرفة الدمشقية الأصيلة.
ونظراً لكرمه كان يتفقّد ذوي الحاجة فيُرسل إليهم المال من دون أن يعلموا من أرسله، لم يتقيّد بالدين بل تقيّد بحاجة الإنسان، حتى أطلق عليه أهل السوق لقب “أبو الدراويش”.
رحل صيون نصيري في السادس والعشرين من أيار 1977، تاركاً خلفه أثراً لا يُمحى: في كل قطعة نحاس محفورة بخط دمشقي أصيل ومطعّمة بخيوط الذهب والفضة، وفي كل حرفي تعلّم أن يرسم قبل أن ينقش، شيءٌ من روحه ما يزال حاضراً.
Loading ads...
ملاحظة منهجية: يستند هذا النص إلى مقالة عزة علي آقبيق المنشورة في موقع التاريخ السوري المعاصر (2020)، وإلى شهادات شفهية من حرفيي سوق النحاسين المعاصرين لصيون نصيري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

