2 أشهر
"لا شيء سوى الدماء وفوارغ الرصاص"... شهادة حصرية من أحد المحتجين الإيرانيين
الأحد، 15 فبراير 2026

لجأت إيران في مساء يوم الخميس 8 يناير/كانون الثاني، إلى قطع الإنترنت، بعد أن بدأت صور الاحتجاجات تنتشر حول العالم. فعند حدود الساعة الخامسة بعد الزوال، انقطعت الشبكة فجأة، ليجد نحو 90 مليون إيراني أنفسهم، في ظرف دقائق، في عزلة تامة عن بقية العالم. على منصات التواصل كان الزمن يبدو كأنه قد توقف عند آخر مقاطع الفيديو المتداولة التي تظهر حشودا مبتهجة، فآلاف المتظاهرين كانوا يرددون هتافات "الموت للديكتاتور"، داعين إلى عودة نجل الشاه السابق.
وكانوا يجوبون بلا ككل ولا توقف شوارع رئيسية في طهران، شيراز، مشهد، عبادان والأهواز ومدن أخرى، لكن في عين المكان كانت المظاهرات الإيرانية قد بدأت تتحول إلى "حمام دم". بدأت قوات الأمن بغتة في استهداف المتظاهرين. يروي علي، أحد الناجين، مما باتت إحدى أسوأ "المجازر" التي اقترفتها السلطات الإيرانية، وقدرت مجلة تايمز الأمريكية نقلا عن مسؤولين كبار من وزارة الصحة في الجمهورية الإسلامية عدد ضحاياها بنحو 30 ألف قتيل، قائلا: "كان الجو عجيبا وغريبا. كان الشارع ملكا للشعب. ثم وفي لمح البصر، لم أعد أسمع سوى أصوات الكلاشينكوف". شارك علي (قمنا بتغيير اسمه لدواع أمنية)، وهو تاجر، في هذه الاحتجاجات منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول. في ليلة الخميس 8 يناير/كانون الثاني، كان علي في شوارع كرج، إحدى ضواحي العاصمة طهران، حين بدأت حملة القمع. وافق علي على إطلاع فرانس24 على ما رآه ، في مقابلة أجريت معه في 27 يناير/كانون الثاني، فأدلى بشهادة مباشرة حول عمليات "القتل الجماعي" التي ارتكبتها السلطات الإيرانية. تحذير: يمكن لهذا هذا التقرير أن يصدم البعض حصري: إيران... الثورة الموؤودة يذكر علي ما عاشه في إحدى الساحات الرئيسية في كرج: "لم يكن هناك أي إنذار، ولا طلقات تحذيرية في الهواء. لا شيء. على حين غرة، فتحوا النار على الناس"، ويضيف: "حين سمعت صوت الكلاشينكوف، رأيت أشخاصا يسقطون، الواحد تلو الآخر، والدماء تنتشر على الأرض. كانت تستحيل معرفة من أي جهة تأتي الرصاصات. أطلقوا النار بكثافة لدرجة أن ذخيرتهم نفدت". قبل بضع لحظات من ذلك، كان الشارع مزدحما بالناس: عائلات مع أطفالها، كبار السن، مجموعات من الشباب كانوا قد بدؤوا يتجمعون. يشرح علي: "بعد عشر إلى خمس عشرة ثانية من إطلاق الرصاص، دون انقطاع، توقفت الرشقات النارية". يتابع: "كان الناس مصدومين بالكامل، مشوشين، لا يعرفون ما العمل. لم يسبق لأحدهم أن رأى هذا الكم من الجثث والدماء. أينما نظرتم، كان هناك شخص ملقى على الأرض، دماء تلطخ الثياب، نساء وأطفال يصيحون. أما أنا، فقد شعرت بالخوف، كنت أبكي، وأصرخ". "لا أعلم كيف نجحنا في استرداد أنفاسنا" "حين ترون شخصا فجرت رصاصة رأسه، تصابون في الثواني العشر الأولى، بالصدمة الكاملة، تشعرون بالرعب. لا تعلمون أبدا ما العمل. لا أعلم كيف نجحنا في استرداد أنفسنا. كان الناس يخرجون من كل مكان لجؤوا إليه. بدأنا جميعا في تقديم يد العون للأشخاص المصابين لنقلهم إلى المستشفى". اعتقد علي حينها أنه قد كان شاهدا على الأسوأ، لكنه كان مخطئا. ففي المستشفى، "كانت أرضية الطوارئ مغطاة بالدماء لدرجة أنك عندما تركض وتضع قدميك على الأرضية يصدر خرير. كانت الدماء متناثرة في كل مكان". كان سيل من المصابين يصل إلى المستشفى بشكل مستمر، ومرافقوهم كانوا أيضا مغطَّين بالدماء، مذعورين، وحائرين. الطاقم الطبي المنهك كان أيضا لا يدري ما العمل. المستشفى نفسه تحول إلى مصيدة. يضيف علي: "أمام الباب، أطلق أعوان الأمن الغاز المسيل للدموع. لم أكن أعرف من أين جاؤوا فجأة. هبطوا كالجراد، لم يكن بوسعي رؤيتهم". "رصاصات حربية"... شهادات أطباء إيرانيين تكشف فظائع قمع الاحتجاجات كان علي وأصدقاؤه ينقلون أحد رفاقهم الذي أصيب برصاصة في ساقه. تمكن من أن يضع له عصابة ضغط بواسطة حزامه، لكنه أدرك لاحقا أن صديقه أصيب أيضا برصاصة في الصدر. يتذكر علي، الذي لا يزال تحت تأثير الصدمة: "كانت الممرضات يقلن: سيدي، إنه ميت. خذه! لا تتركه هنا!" لاحقا، أدرك علي أنهن كن يحاولن تحذيره: أفراد الأمن كانوا سيأتون لأخذ الجثة. قطعت السلطات الاتصالات، بما فيها خدمة الهواتف الجوالة، الخطوط الأرضية وحدها بقيت تعمل. بعد محاولات كثيرة، تمكن علي من إخطار والدي صديقه بما حدث له ليتمكنا من استرجاع جثة ابنهما في شارع قريب، في منأى عن الأنظار. "إذا سقط أحدهم (...) أجهزوا عليه" في طريق العودة إلى منازلهم، عبر علي وأصدقاؤه المدينة سيرا على الأقدام. يقول: "لقد شاهدنا ما الذي تعنيه نهاية العالم. فعلى الأرض، لا ترون سوى الدماء. لا شيء سوى الدماء وفوارغ الرصاص". وفي الأزقة كانوا أيضا شهودا على مزيد من الاشتباكات. فيروي علي: "خرجت القوات الخاصة. هذه المرة على متن الدراجات النارية، كانت تزيد في السرعة وتطلق النار". أما على الطرق الرئيسية، فقد كان يتم إطلاق الغاز المسيل للدموع بكثافة. يتابع علي شهادته: "أينما تلفّتّم يقع بصركم على شخص يتقيأ على جانبي الطريق. كان هذا الغاز المسيل للدموع لا يُطاق، لم أرَ مثل ذلك أبدا".
Loading ads...
في اليوم التالي، الجمعة 9 يناير/كانون الثاني، عاد علي للتظاهر مجددا في مكان آخر من كرج. كانت الاشتباكات أكثر عنفا، لكنه تمكن من النجاة على الرغم من بعض الجروح. ويروي علي: "تحولت المدينة إلى ساحة معركة، مثل خط جبهة. لم نكن نسمع سوى رشقات الرصاص. لا غير". "كان الوضع أسوأ من اليوم السابق (...) أينما نظرتم، تجدون شخصا مصابًا بالرصاص أو جثة ملقاة على جانبي الطريق (...) إذا سقط أحدهم، أو أصيب، لم يقوموا بنقله. بل أجهزوا عليه. مهما كان، رجلا، امرأة، شخصا مسنا أو صغيرا. كانوا يطلقون النار بنفس الوتيرة". يتابع علي في روايته لفرانس24: "لقد سالت الدماء بغزارة لدرجة أنها أغرقت الأرض ". ويضيف: "لقد قاموا بإحضار شاحنات الإطفاء لتنظيف كل أثر في الشارع. إذ إن خرطوم مياه عادي لم يكن ليكفي للتخلص من الدماء". "شاحنات تبريد مليئة بالجثث" بسبب انقطاع الاتصالات، كان علي يتلقى بشكل تدريجي أنباء عن وفاة العديد من أقاربه. شقيقة صديقه قُتلت في 8 يناير/كانون الثاني في كرج، كما قُتل أشخاص آخرون يعرفهم. قُتل أحد أفراد عائلته رميا بالرصاص في حي بشمال طهران. اتجه علي مرفوقا بأفراد من عائلته إلى معهد كهريزك للطب الشرعي، أكبر مشرحة في طهران، للبحث عن جثة الضحية. يقول: "هناك، أدركت أن كل ما شاهدناه حتى تلك اللحظة لم يكن شيئا". ويتابع علي روايته: "كانت الأرضية مغطاة بأكياس المشرحة (...) على الأرض، أكياس سوداء مليئة بالجثث". في ظل هذه الظروف، كان علي وأقاربه، يفتشون الأكياس الواحد تلو الآخر، بحثا عن قريبهم. يقول: "كان هناك الكثير من الجثث لدرجة لا يمكنكم تخيلها. كلما تقدمنا أكثر، كان هناك المزيد. كان الأمر يبدو بلا نهاية. كانت شاحنات التبريد التي تُستخدم عادة لنقل اللحوم محملة بالجثث. كانوا يعملون عل تفريغ الشاحنات من جثامين الضحايا قبل مغادرتها مجددا. كان أفراد الأمن ينقلون، بلا أدنى شرف أو إنسانية، الأكياس المحملة بالجثث وتفريغها دون أي احترام". بعد قطع الإنترنت في إيران.. احتجاجات بلا صوت؟ يكرر محاورنا، الذي لا تزال علامات الصدمة بادية على محياه: "رأيتُ أشياء... أنا مصاب بصدمة ستبقى ما حييت". يتساءل علي، الذي عاش الأيام الأكثر دمويةً في التاريخ الإيراني منذ ثورة 1979: "كم من الناس يجب أن يموتوا هنا؟" يختم علي شهادته حول ما عايشته خلال احتجاجات إيران وما يعول عليه المتظاهرون اليوم، بالقول إنه "لا يوجد في أي مكان من العالم أشخاص يتوسلون لدولة أجنبية أن تهاجمهم. لكن الآن، يُحصي الشعب الإيراني الأيام. هم يترجون ترامب أو نتانياهو الهجوم. لن تروا مثل هذا في أي مكان من العالم ما عدا إيران. الآن، لم يعد بإمكان الناس الخروج، هم لا يملكون القوة، فلو خرجوا، سيكون الرصاص هو الجواب. بمجرد أن تُضرب قواعدهم (الإيرانيون، ملاحظة المحرر)، تأكدوا من أن الناس سيخرجون، لكن في انتظار ذلك، لم تعد لدىيهم أية قوة. لم يعد لديهم القوة الكافية لمواجهة الرصاص". النص الأصلي بالفرنسية، أعده إلى العربية: طارق بلقين
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



