ساعة واحدة
مشروع “إي 1” الاستيطاني بالضفة من التجميد إلى عتبة التنفيذ
الأحد، 20 سبتمبر 2026
نقلت إسرائيل مشروع "إي 1" (E1) الاستيطاني شرقي القدس المحتلة إلى مرحلة تنفيذية متقدمة، بعدما استكملت وضع جميع وحداته السكنية البالغ عددها 3401 وحدة استيطانية ضمن مسار المناقصات، وهو تطور يقترب بالمشروع الذي جُمّد لعقود من البناء الفعلي، ويعيد رسم الجغرافيا بين القدس ووسط الضفة الغربية.
وتكشف مراجعة المعطيات الإسرائيلية أن وزارة البناء والإسكان وسلطة أراضي إسرائيل قسمت الوحدات إلى مناقصتين: الأولى تشمل 1234 وحدة استيطانية وطرحت في 18 أغسطس/آب المنصرم، والثانية تشمل 2167 وحدة استيطانية، ويفتح تقديم العروض عليها في 25 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، قبل الانتخابات الإسرائيلية بيومين.
وتضع هذه الخطوة مجمل الوحدات التي أقرتها إسرائيل نهائيا في أغسطس/آب 2025 على مسار التنفيذ.
تكشف التفاصيل أن تحديث المناقصة الأصلية لا يمثل توسعة ترفع المشروع فوق 3401 وحدة، وإنما إعادة توزيع للعدد نفسه بين مناقصتين.
فقد طرحت إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2025 المناقصة رقم 460/2025 لجميع الوحدات، ثم طرحت في أغسطس/آب الماضي مناقصة مستقلة رقم 186/2026 لـ1234 وحدة، وفي 7 سبتمبر/أيلول الجاري عُدلت المناقصة الأصلية وخُفض عدد الوحدات المشمولة فيها إلى 2167 وحدة، وبذلك تتطابق المناقصتان مع إجمالي المشروع: 3401 وحدة.
وتكتسب المناقصات أهمية تتجاوز إجراءات التخطيط. فقد كتبت تامي كنر، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، والعميد احتياط أودي ديكل الباحث البارز في المعهد والرئيس السابق لشعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، في دراسة نشرها المعهد يوم 7 سبتمبر/أيلول، أن طرح المناقصة "يتجاوز عتبة" امتنعت الحكومات الإسرائيلية عن تجاوزها سنوات.
وأوضح الباحثان أن الحكومات السابقة دفعت التخطيط في "إي 1″ ثم توقفت قبل المناقصات بسبب المعارضة الأميركية والأوروبية و"الثمن السياسي" المتوقع. ولذلك فإن أهمية التطور الحالي تكمن في الانتقال من مخطط مصادق عليه إلى إجراء يقرب البناء من التنفيذ.
يقع مشروع "إي 1" على مساحة تقارب 12 كيلومترا مربعا بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، في موقع يمنحه تأثيرا مباشرا على التواصل الجغرافي الفلسطيني.
ويوضح معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن إسرائيل تسعى عبر المشروع إلى تعزيز سيطرتها بين القدس ومعاليه أدوميم، بينما تعد المنطقة ممرا أساسيا يربط شمال الضفة المحتلة بجنوبها والقدس الشرقية بمحيطها الفلسطيني.
وكتب الصحفي الإسرائيلي عوديد شالوم في "يديعوت أحرونوت" في الأول من سبتمبر/أيلول أن "إي 1" يقع في آخر المساحات المفتوحة التي تربط رام الله ببيت لحم والخليل، وأن البناء فيه يزيد القيود التي تفرضها المستوطنات وجدار الفصل والطرق والحواجز على أبو ديس والعيزرية والزعيم وعناتا.
كما أوضح الصحفيان إيتمار آيخنر وإليشاع بن كيمون في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن هذا المشروع يقطع التواصل بين رام الله وبيت لحم، وهي إحدى أبرز نقاط الاعتراض الدولي عليه.
وتقدر حركة السلام الآن الإسرائيلية أن الحيز الفلسطيني الممتد من رام الله عبر القدس الشرقية إلى بيت لحم يضم نحو مليون فلسطيني. ويترافق المشروع مع إنشاء "طريق نسيج الحياة" الذي يعيد توجيه حركة الفلسطينيين بعيدا عن الطرق الإسرائيلية، بما يبقي الاتصال بين شمال الضفة وجنوبها خاضعا لشبكة طرق تتحكم بها إسرائيل.
يشكل الإسكان جزءا من منظومة أوسع يجري تطويرها حول "إي 1". فقد كشفت حركة "السلام الآن" في 15 مايو/أيار عن مناقصة لإقامة منطقة تشغيل وتجارية على مساحة 1355 دونما شرقي عناتا والزعيم، مع تخطيط الوصول إليها من جهة القدس، بما يجعلها حلقة إضافية تربط القدس بمعاليه أدوميم.
وتعمل إسرائيل بالتوازي على طريق مخصص لتحويل حركة الفلسطينيين بعيدا عن المحور الحالي بين معاليه أدوميم و"إي 1″. وتقول "السلام الآن" إن المشروع المرصود له 335 مليون شيكل سيتيح، بعد إنجازه، إغلاق مساحة تقدر بنحو 3% من الضفة الغربية أمام حركة الفلسطينيين في هذا المحور.
ويضع تقرير "عير عميم" الإسرائيلية -التي تتابع الاستيطان وحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة- الصادر في 12 مايو/أيار هذه المشاريع ضمن تصور أوسع لـ"القدس الكبرى" يشمل توسيع المستوطنات وشق الطرق وخلق جيوب فلسطينية منفصلة وتشديد القيود على التجمعات البدوية المحيطة بالقدس. ووفق المنظمة، تعمل هذه الإجراءات مجتمعة على إعادة تشكيل المجال بين القدس والضفة، وليس إضافة حي سكني منفرد فقط.
ويقدم وزير المالية والوزير بوزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش قراءة سياسية صريحة للمشروع. فعندما أعلن دفع الوحدات الـ3401 في أغسطس/آب 2025، نقل عنه عميت سيغال، المعلق السياسي بالقناة 12، قوله إن خطط المشروع الاستيطاني "تدفن فكرة الدولة الفلسطينية" مضيفا أن الحكومة "تكسر المُسلّمات".
وتعكس التغطية الإسرائيلية المؤيدة للمشروع دلالة الانتقال إلى المناقصات. فقد وصف موقع "مركز العقارات" الإسرائيلي، في تقرير عن المناقصة المنشورة في 18 أغسطس/آب 2026، الخطوة بأنها "الخطوة العملية الأولى في الطريق إلى بدء البناء الفعلي في منطقة إي 1" بعد أكثر من 3 عقود من تأجيل المشروع. ويبرز هذا الوصف الفارق بين المصادقات التخطيطية السابقة وبين انتقال المشروع إلى مرحلة تسويق الأراضي تمهيدا للتنفيذ.
كما استثمرت الحكومة مبالغ كبيرة في البنية التحتية اللازمة للتوسع. وتقول "السلام الآن" إن اتفاق التطوير الذي وقعه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع بلدية معاليه أدوميم في سبتمبر/أيلول 2025 تضمن التزاما حكوميا بنحو 3 مليارات شيكل لتطوير البنية التحتية في معاليه أدوميم و"إي 1″.
يزيد الجدول الزمني للمناقصات حساسيتها السياسية. فمناقصة الـ1234 وحدة تغلق في 19 أكتوبر/تشرين الأول، أي قبل الانتخابات المقررة يوم 27 من الشهر ذاته بعدد 8 أيام، بينما تفتح مناقصة الـ2167 وحدة في 25 أكتوبر/تشرين الأول، قبل التصويت بيومين.
ويرى كنر وديكل -في دراسة معهد دراسات الأمن القومي- أن قرب الخطوة من الانتخابات يبرز الفارق بين ما وصفاه بـ"الإنجاز السياسي الفوري" للحكومة وبين المنفعة الإستراتيجية والثمن الدبلوماسي الذي تدفعه إسرائيل. وهذه ملاحظة مهمة لأنها تأتي من مركز أبحاث أمني إسرائيلي، وليست من منظمة مناهضة للاستيطان.
أما "السلام الآن" فتقول إن توقيت المناقصة الأولى يمكن أن يسمح باختيار المقاولين وتوقيع عقود قبل تشكيل الحكومة المقبلة، مما يجعل وقف المشروع لاحقا أكثر تعقيدا.
تحاول منظمات إسرائيلية الاعتراض على المشروع قضائيا. فقد قدم المحامي الإسرائيلي مايكل سفارد، المتخصص في قضايا حقوق الإنسان والأراضي الفلسطينية، التماسات باسم "عير عميم" و"بمكوم" و"السلام الآن" مطالبا الجمعيات بوقف خطوات التنفيذ إلى حين حسم الاعتراضات على التخطيط.
وقالت حاغيت عوفران، المسؤولة عن ملف الاستيطان في حركة السلام الآن -لصحيفة يديعوت أحرونوت، مطلع سبتمبر/أيلول- إن النيابة كانت قد تعهدت بإبلاغ مقدمي الالتماسات قبل إصدار المناقصات، لكن وزارة الإسكان طرحت مناقصة الـ1234 وحدة، بما يسمح بالمضي نحو اختيار المقاولين وتوقيع العقود، وهو ما قد يصعب على حكومة مقبلة وقف المشروع.
لكن المحكمة المركزية بالقدس رفضت في 8 سبتمبر/أيلول إصدار أمر مؤقت بتجميد مناقصة الـ1234 وحدة. وأوضح الصحفي أوري سيلا، مراسل موقع والا، أن القرار يسمح باستمرار تسويق الوحدات، مع بقاء الالتماسات ضد المشروع قيد النظر، أي أن المحكمة لم تحسم بعد جوهر الاعتراضات القانونية على الخطة.
دفع المشروع بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى إعلان معارضة مشتركة للمناقصة، معتبرة أن المشروع الاستيطاني يضرب التواصل الجغرافي الفلسطيني. كما استدعت لندن ممثل إسرائيل الدبلوماسي، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بالتراجع عن المشروع ووقف التوسع الاستيطاني.
ويشير داني زايدمان، المحامي الإسرائيلي والخبير في قضايا القدس الشرقية، إلى أن مشروع "إي 1" بقي مجمدا لعقود بسبب الضغوط الأميركية والأوروبية. وفي حديث نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" مطلع الشهر الجاري، حذر من أن شركات المقاولات والمؤسسات المالية التي تشارك في تنفيذ المشروع قد تواجه مخاطر مرتبطة بالعقوبات الدولية، وهو ما ينقل المواجهة من المجال السياسي إلى حسابات الشركات والبنوك.
ويرى المحللون السياسيون أن طرح الوحدات الـ3401 للمناقصة خطوة تنقل المشروع من مخطط سياسي عمره عقود إلى مسار تنفيذي، ويضع بين القدس ومعاليه أدوميم كتلة استيطانية تمس البنية الجغرافية للضفة.
Loading ads...
ويجمع توقيت المناقصات قبل الانتخابات، واستمرار المسار القضائي والضغط الأوروبي، بين الاستيطان والحساب الانتخابي والصراع على مستقبل التسوية. وإذا انتقل الأمر من مرحلة المناقصات إلى توقيع العقود والبناء، فإن إمكانية وقف المشروع ستصبح أكثر تعقيدا، بينما يزداد تفكك المجال الجغرافي الذي يفترض أن تقوم عليه أي دولة فلسطينية مستقبلية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




