2 أشهر
قفزة أسعار الذاكرة تُحاصر عمالقة التكنولوجيا وتُهدد استقرار سوق الإلكترونيات
الخميس، 22 يناير 2026

تتصدر أزمة أسعار شرائح الذاكرة المشهد التقني العالمي حاليًا، مهددةً بإعادة صياغة خارطة سوق الإلكترونيات الاستهلاكية من الهواتف الذكية إلى منصات الألعاب.
ويفرض هذا التصاعد المتسارع ضغوطًا خانقة على تكاليف التصنيع؛ ما ينعكس مباشرةً على جيوب المستهلكين ويغذي مخاوف انكماش الطلب العالمي. بينما تسارع كبرى الشركات التكنولوجية إلى تبني إستراتيجيات إنتاجية وتسعيرية أكثر حذرًا لمواجهة تداعيات هذا الاضطراب الوشيك.
ويعزو تقرير حديث لـ “رويترز” هذا الغلاء الفاحش إلى السباق المحموم لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من قبل عمالقة مثل: “OpenAI” و”Google” و”Microsoft”.
وتسبب هذا التوسع في استنزاف مخزونات الذاكرة العالمية. ما دفع المصنعين لتفضيل تزويد مراكز البيانات الضخمة ذات الأرباح المرتفعة بالقطع المتاحة. وذلك على حساب الأجهزة التقليدية التي باتت تصارع لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط هذه المنافسة الشرسة.
أزمة أسعار شرائح الذاكرة وتداعياتها المباشرة
تشير المؤشرات الراهنة إلى أن أسعار شرائح الذاكرة أصبحت المحرك الأساسي لسلسلة من الاضطرابات داخل قطاع الإلكترونيات. إذ أعلنت شركات كبرى، من «راسبيري باي» البريطانية إلى «إتش بي»، رفع أسعار منتجاتها لتعويض القفزات المتتالية في تكاليف المكونات.
ويعكس هذا التوجه حجم الضغوط التي تواجهها الشركات، لا سيما مع محدودية الخيارات المتاحة بين امتصاص التكاليف أو تمريرها إلى المستهلكين.
وفي هذا السياق، أكدت شركات «سامسونج» و«إس كيه هاينكس» و«مايكرون». وهي أكبر ثلاثة منتجين لشرائح الذاكرة في العالم، أنها تكافح من أجل تلبية الطلب المتزايد، رغم تحقيقها نتائج فصلية قوية مدعومة بارتفاع أسعار أشباه الموصلات. غير أن هذا الأداء الإيجابي على مستوى الأرباح لا يخفي حقيقة أن الأسواق الاستهلاكية بدأت تشعر بتأثير الأزمة بشكل متسارع.
علاوة على ذلك، فإن انتقال موجة ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين يهدد بتغيير أنماط الشراء. لا سيما في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية في العديد من الأسواق.
انكماش متوقع في أسواق الهواتف
تعكس توقعات مؤسسات الأبحاث العالمية حجم القلق المتزايد من تداعيات أسعار شرائح الذاكرة على الطلب العالمي. إذ تتوقع شركتا IDC وCounterpoint أن تنخفض مبيعات الهواتف الذكية عالميًا بما لا يقل عن 2% هذا العام. في انعكاس حاد لتوقعات النمو السابقة، وهو ما قد يمثل أول تراجع سنوي في الشحنات منذ 2023.
أما سوق أجهزة الكمبيوتر الشخصية، فيتوقع أن تشهد انكماشًا لا يقل عن 4.9% في عام 2026، بعد أن سجل نموًا بنسبة 8.1% خلال العام الماضي، وفق تقديرات IDC. ويعكس هذا التحول مدى حساسية السوق تجاه أي زيادات سعرية. لا سيما مع تشبع الطلب في عدد من الاقتصادات الكبرى.
وفي السياق ذاته، توقعت TrendForce أن تنخفض مبيعات أجهزة الألعاب بنسبة 4.4% خلال العام الجاري، بعد نمو قدر بـ 5.8% في 2025. هذه الأرقام توضح أن الأزمة لم تعد محصورة في قطاع واحد، بل باتت تشمل معظم فئات الأجهزة الإلكترونية.
خيارات صعبة أمام كبرى الشركات المصنعة
تواجه شركات عملاقة مثل: «آبل» و«ديل» معضلة استراتيجية في ظل تصاعد أسعار شرائح الذاكرة؛ حيث يتعين عليها الاختيار بين الحفاظ على هوامش الربح أو حماية مستويات الطلب. ويرى محللون أن تمرير التكاليف إلى المستهلكين قد يؤدي إلى فتور المبيعات. بينما قد يضغط امتصاصها داخليًا على الأرباح.
وفي سياقٍ ذي صلة، قال جاكوب بورن؛ محلل Emarketer، إن المصنّعين قد يتحملون جزءًا من التكاليف، لكن حجم النقص في الإمدادات يجعل من الصعب تجنب انعكاس ذلك على الأسعار النهائية. وأضاف أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تباطؤ واضح في مبيعات الأجهزة الاستهلاكية خلال 2026، في وقت تحاول فيه الشركات التكيف مع ضغوط تضخمية أوسع.
كما تزداد حدة التحديات مع توقعات استمرار ارتفاع الأسعار؛ حيث قدرت Counterpoint أن تقفز أسعار الذاكرة بنسبة تتراوح بين 40% و50% في الربع الأول. بعد زيادة بلغت 50% خلال العام الماضي؛ ما يعزز المخاوف من موجة غلاء ممتدة.
تأثير غير متكافئ على الشركات والأسواق
علاوة على ذلك، يرجح محللون أن يكون التأثير الأكبر لأزمة أسعار شرائح الذاكرة واقعًا على الشركات المصنعة للأجهزة منخفضة ومتوسطة السعر، مثل: «شاومي» و«تي سي إل» و«لينوفو»، التي تعتمد على هوامش ربح أقل مقارنة بالعلامات التجارية الفاخرة. وأشارت TrendForce إلى أن «ديل» و«لينوفو» تخططان لزيادات سعرية قد تصل إلى 20% في أوائل 2026.
وتعكس تحركات أسواق المال حجم القلق، إذ تراجعت أسهم شركات مثل: «راسبيري باي» و«شاومي» و«ديل» و«إتش بي» و«لينوفو» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2025، مع تسجيل «شاومي» أكبر خسارة بنسبة 27.2%.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن «آبل» تتمتع بقدرة أكبر على الصمود، بفضل قوتها التسعيرية واعتمادها على تسعير تعاقدي طويل الأجل مع الموردين. ما يخفف من تقلبات الأسعار الفورية، رغم أنها ليست بمنأى تمامًا عن الاضطرار إلى رفع الأسعار مستقبلًا.
في المجمل، تكشف التطورات الراهنة أن أسعار شرائح الذاكرة لم تعد مجرد عامل تقني داخل سلاسل التوريد، بل تحولت إلى متغير اقتصادي مؤثر يهدد بتباطؤ أسواق الإلكترونيات عالميًا.
وبينما تواصل شركات الذكاء الاصطناعي استهلاك الجزء الأكبر من الإمدادات، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. مع توقعات بدفع أسعار أعلى خلال الفترة المقبلة، في وقت تتشابك فيه تحديات التضخم وتراجع الطلب، لتصنع مشهدًا معقدًا لقطاع التكنولوجيا العالمي.
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





