ساعة واحدة
الفوز أو الحرمان.. ترمب يحوّل الانتخابات إلى معركة وعود وتهديدات
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لـ"الكونغرس الأمريكي"، يصعّد الرئيس دونالد ترمب حملته الانتخابية مستخدما مزيجا من الوعود المالية والإغراءات الاقتصادية، إلى جانب التلويح بحرمان ولايات ومواطنين من أموال ومساعدات اتحادية إذا لم يفز الجمهوريون.
وبينما يسعى البيت الأبيض إلى تعبئة الناخبين خلف مرشحي الحزب الحاكم، تثير هذه الإستراتيجية تساؤلات بشأن حدود استخدام موارد الدولة في المنافسة السياسية، ومدى قدرتها على استعادة ثقة الناخبين في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع شعبية الرئيس.
وتكشف تقارير نشرها موقع "بوليتيكو" الإخباري ومجلة "نيوزويك" عن ملامح هذه الإستراتيجية، التي باتت تربط بين مصالح اقتصادية ومعيشية مباشرة للمواطنين وبين نتيجة الانتخابات.
وفقا لتقرير "بوليتيكو" للصحفية ميغان ميسرلي، بدأ ترمب منذ سبتمبر/أيلول جولة انتخابية في عدد من الولايات، قدّم خلالها وعودا بمشروعات واستثمارات ومساعدات، لكنه ربط تنفيذ بعضها بفوز الجمهوريين في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.
ففي دالاس، تحدث عن دفع 5 آلاف دولار لكل مواطن أمريكي بالغ إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس، فيما أعلن لاحقا عن مشروعات أخرى تتعلق بصناعة الأدوية والوقود الزراعي وتعويضات المتضررين عن تلوث المياه.
ولا تقتصر أهمية هذه الوعود على قيمتها المالية، بل تكمن في الطريقة التي تُقدَّم بها للناخبين. فبدلا من الاكتفاء بالدعوة إلى التصويت للحزب الجمهوري باعتباره الخيار الأفضل لتحقيق المصالح المحلية، يضع ترمب بعض المنافع في إطار معادلة مباشرة: فوز الجمهوريين يعني الحصول على الأموال أو تنفيذ المشروعات، أما خسارتهم فقد تعني، وفق تصريحاته، عدم تقديمها.
وفي ولاية كانساس، ربط الرئيس جعل بيع وقود الإيثانول المخلوط بنسبة 15%، المعروف باسم "إي 15" (E15)، متاحا طوال العام بفوز السيناتور الجمهوري روجر مارشال. وقال إن انتخاب منافسه الديمقراطي آدم هاميلتون سيعني أنه لن يمضي في هذه الخطوة. ويكتسب الوعد أهمية بالنسبة إلى قطاع الزراعة والمستهلكين، نظرا إلى ارتباط الوقود بأسعار الطاقة والطلب على المنتجات الزراعية.
كما أعلن ترمب عن برنامج بقيمة 8 مليارات دولار لتقديم مساعدات لتخفيف أعباء الوقود عن المزارعين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف الديزل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية الناجمة عن اضطرابات أسواق النفط المرتبطة بالحرب على إيران.
وتظهر حساسية هذه الإستراتيجية بصورة أكبر عندما تتصل بمساعدات الإغاثة والتعويضات المستحقة للمتضررين. ففي ولاية نورث كارولينا، أثار ترمب جدلا بعدما لوّح، خلال تجمع انتخابي في مدينة غاستونيا، بإمكانية عدم إرسال تمويل إضافي للتعافي من إعصار هيلين إذا خسر المرشح الجمهوري مايكل واثلي سباق مجلس الشيوخ أمام الديمقراطي روي كوبر.
وقال الرئيس، متحدثا عن الأموال المنتظرة للولاية، إنه لن يرسلها إذا خسر واثلي، قبل أن يستدرك بأن كلامه كان على سبيل المزاح. لكن حاكم الولاية الديمقراطي جوش شتاين رفض هذا الأسلوب، معتبرا أن ربط التعامل مع كارثة مدمرة بنتيجة انتخابية ليس الطريقة المناسبة لإدارة البلاد أو خوض الحملات السياسية.
ولا ينهي وصف ترمب التصريح بالمزاح الجدل، خصوصا أن ترمب سبق أن رفض طلبات تمويل للكوارث بقيمة 227 مليون دولار من 4 ولايات يقودها ديمقراطيون، وفقا لتقرير "نيوزويك" للصحفية جوليا كاربونارو.
وفي الولاية نفسها، اتخذت تصريحات الرئيس بشأن ضحايا تلوث المياه في قاعدة كامب ليجون العسكرية طابعا أكثر مباشرة، إذ أعلن أنه سيوجّه وزارة العدل إلى تسوية المطالبات المتبقية والمستحقة قانونيا إذا فاز الجمهوريون بمجلسي الكونغرس، مضيفا أن الخسارة تعني، بحسب تعبيره، عدم وجود أموال للتعويض.
لكن المعطيات التي أوردتها "بوليتيكو" تشير إلى أن إجراءات التعويض لم تبدأ مع الحملة الحالية؛ إذ كانت وزارة العدل قد قدمت، حتى سبتمبر/أيلول، عروض تسوية تجاوزت قيمتها 1.1 مليار دولار، استنادا إلى قانون وقّعه الرئيس السابق جو بايدن عام 2022. ويعزز ذلك التساؤل بشأن جدوى ربط استكمال ملف قائم بالفعل بنتائج الانتخابات، ومدى مشروعية استخدام معاناة المتضررين وسيلة للضغط السياسي.
ولا تتوقف الرسائل الانتخابية عند نورث كارولينا وكانساس. ففي أوهايو، لوّح ترمب بأنه قد يكون أقل استعدادا لتقديم مساعدات اتحادية للولاية إذا فازت الديمقراطية إيمي أكتون بمنصب الحاكم، في تصريحات جاءت وسط منافسات انتخابية مهمة للحزب الجمهوري. كما تحدث عن علاقاته مع المسؤولين الجمهوريين في الولاية، مشيرا إلى أن تغيير القيادة السياسية قد يغيّر طبيعة هذه العلاقة.
وتكشف هذه الأمثلة عن انتقال الخطاب الانتخابي من الترويج لسياسات الحزب وبرامجه إلى مخاطبة الناخبين عبر مصالح مالية محددة، وأحيانا عبر التحذير من خسارتها. فالمواطن الذي ينتظر تعويضا عن أضرار لحقت به، أو مجتمع محلي يعيد بناء منازله بعد إعصار، يجد نفسه أمام رسالة تربط بين احتياجاته وقراره الانتخابي، حتى عندما تتعلق الأموال ببرامج حكومية قائمة أو بإجراءات تتطلب موافقات تشريعية.
ويحذر منتقدون من أن هذا الأسلوب قد يخلط بين المصلحة العامة والولاء الحزبي، ويضعف مبدأ حصول المواطنين على الخدمات الاتحادية وفق القانون والحاجة، لا وفق خياراتهم السياسية. وفي المقابل، يدافع الجمهوريون عن تصريحات ترمب باعتبارها توضيحا لما هو على المحك في الانتخابات، ويقولون إن فوز الديمقراطيين سيعرقل أجندة الرئيس ويحول دون تنفيذ مشروعاته.
ونقلت "بوليتيكو" عن المتحدثة باسم اللجنة الوطنية الجمهورية ناتالي بالداساري، قولها إن ترمب يوضح ببساطة أهمية الانتخابات ويدعو الناخبين إلى دعم المرشحين الذين سيتعاونون مع إدارته. كما أكد البيت الأبيض، في بيان نقلته الصحيفة، أن الرئيس يريد الحفاظ على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس كي يواصل تنفيذ برنامجه.
وإلى جانب الجدل السياسي والأخلاقي، تبرز أسئلة عملية بشأن قدرة الإدارة على الوفاء بتعهداتها. فبعض المقترحات، مثل توزيع 5 آلاف دولار على كل بالغ أمريكي، يحتاج إلى تمويل كبير وموافقات من الكونغرس، ولا يمكن ضمان تنفيذه بمجرد إعلان رئاسي.
وقد وصف كبير الاقتصاديين في مؤسسة "موديز أناليتيكس" مارك زاندي، هذا الاحتمال بأنه مستبعد إلى حد كبير، مشيرا إلى أن كلفة المدفوعات قد تزيد العجز المالي، وأن الاحتفاظ بالأغلبية الجمهورية لا يضمن موافقة أعضاء الحزب على الخطة.
أما بعض الاستثمارات والمشروعات الأخرى، فقد بدأت إجراءاتها بالفعل. وتذكر "بوليتيكو" أن وزارة الدفاع أعلنت عن قرض مشروط بقيمة 80 مليون دولار لشركة أدوية في ولاية كنتاكي، في حين كانت وزارة العدل تتابع إجراءات تسوية مطالبات ضحايا كامب ليجون. وهذا يعني أن ربط هذه الملفات بالانتخابات لا يعكس دائما غياب الإجراءات الحكومية، بل قد يثير تساؤلات بشأن استخدام إنجازات أو التزامات قائمة لتعزيز فرص مرشحين محددين.
وقد حذّر إستراتيجيون جمهوريون من أن هذه الرسائل قد تأتي بنتائج عكسية، خصوصا في ظل ارتفاع مخاوف الناخبين من الفساد. وأظهر استطلاع أوردته "بوليتيكو" أن 60% من المشاركين كانوا قلقين للغاية من الفساد، متقدما بذلك على مخاوف التضخم والرعاية الصحية. ورأى الإستراتيجي الجمهوري جيسون رو أن هذه الطريقة جديدة نسبيا، لكنه شكك في صدقيتها وفي قدرتها على إقناع الناخبين.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تراجعت فيه شعبية ترمب إلى 36%، كما أسهم ارتفاع التضخم، المرتبط باضطرابات سوق النفط والحرب على إيران، في زيادة الضغوط على الجمهوريين، الذين يواجهون عادة صعوبات انتخابية في انتخابات التجديد النصفي عندما يكون حزبهم في السلطة.
في المحصلة، يحاول ترمب تحويل انتخابات التجديد النصفي إلى استفتاء على قدرته على مواصلة تنفيذ أجندته، مستندا إلى وعود ملموسة من جهة، وتحذيرات من خسارة الأموال والمساعدات من جهة أخرى. وقد تساعد هذه الرسائل في تعبئة بعض الناخبين، خصوصا في الولايات التي تشهد منافسات متقاربة، لكنها قد تثير أيضا شكوكا لدى آخرين بشأن عدالة توزيع الموارد العامة ومصداقية التعهدات الانتخابية.
Loading ads...
وبذلك، لا تدور المعركة الانتخابية حول من يستطيع تقديم وعود أكبر فحسب، بل حول طبيعة العلاقة بين السلطة والناخب، وحدود استخدام المال العام في المنافسة السياسية. وقد يكون السؤال الأهم أمام الأمريكيين في 3 نوفمبر/تشرين الثاني ليس فقط ما الذي سيحصلون عليه إذا فاز الجمهوريون، بل ما إذا كانت الوعود والتهديدات ستقنعهم بأن مصالحهم تُصان بصرف النظر عن الحزب الذي يفوز.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




