ساعة واحدة
عازفة البيانو والمؤلّفة الموسيقيَّة.. عبير بالبيد: للعالم العربي تراث موسيقي هائل
السبت، 19 سبتمبر 2026

تشهدُ الساحةُ الفنيَّةُ السعوديَّة بروزاً استثنائياً لعددٍ من الموسيقيَّات اللاتي أسهمن في إثراءِ المشهدِ الموسيقي والفنِّي المعاصرِ في البلاد، منهن عازفةُ البيانو والمؤلِّفةُ الموسيقيَّة عبير بالبيد، الفائزةُ بالمركزِ الأوَّلِ في مسابقةِ العُلا للموسيقى التي أطلقتها «فنون العُلا» بالتعاونِ مع مركزِ العُلا للموسيقى، وجاء ذلك عن معزوفتها الموسيقيَّةِ «مسارُ النور» Passage of Light. عبير تسعى إلى خلقِ بيئةٍ ملهمةٍ للإبداع، وتشكيلِ هويَّتها الموسيقيَّةِ الخاصَّة عبر الاستفادةِ من دراستها الهندسةَ المعماريَّة، والفنونَ البصريَّة، وانضمامها إلى الأوركسترا السعوديَّة، كما كشفت لـ «سيدتي».
«مسارُ النور» عملٌ موسيقي، ينتمي إلى هذه الأرضِ بكلِّ ما تحمله من عمقٍ تاريخي وإنساني. العُلا ليست مجرَّد مكانٍ جميلٍ فقط، بل هي أيضاً مساحةٌ تحتضنُ حضاراتٍ، وقصصاً، وذاكرةً ممتدَّةً عبر آلافِ الأعوام، وهذا العمقُ كان قريباً جداً من الروحِ التي يحملها العمل. شعرتُ وكأنَّ الموسيقى وجدت موطنها الطبيعي هناك، لذا حاولتُ ترجمةَ رهبةِ المكان إلى لغةٍ موسيقيَّةٍ من خلال الإحساسِ باتِّساعِ الجبال، وصدى الفراغات، والانفعالِ بين التأمُّلِ والأمل، ليعيشَ المستمعُ رحلةً، يشعرُ فيها بروحِ العُلا أكثر من مجرَّد وصفٍ مباشرٍ لها.
هذا التقديرُ منحني ثقةً أكبر في صوتي الموسيقي، وشكَّل حافزاً قوياً للاستمرارِ في التأليفِ، وتطويرِ هويَّتي الفنيَّة، والإيمانِ بأن الموسيقى الصادقة قادرةٌ على الوصولِ إلى كثيرٍ من الناس، وربطهم بأماكنهم وتاريخهم وإنسانيَّتهم.
انضمامي إلى الأوركسترا الوطنيَّةِ السعوديَّة عامَ 2023 كانت الخطوةَ الأكثر تأثيراً في بناءِ شخصيَّتي الفنيَّة. ما زلتُ أرى أثرها في كلِّ عملٍ موسيقي أقدِّمه اليوم، فالبرنامجُ الأكاديمي الذي أطلقته وزارةُ الثقافة كان بمنزلةِ معسكرٍ موسيقي مكثَّفٍ، وجاء مع موسيقيين شاركوني الشغفَ نفسه لدراسةِ الموسيقى بشكلٍ شاملٍ: من تاريخِ الموسيقى، والسولفيج، والهارموني إلى البيانو، والتدريبِ العملي، هذا بالتوازي مع البروفاتِ المستمرَّة، والمشاركةِ في الحفلات، وحضورِ دوراتٍ موسيقيَّةٍ متخصِّصةً، والعملِ تحت قيادةِ المايسترو هاني فرحات، والاستفادةِ من خبرته الفنيَّة. لقد أثبتت التجربةُ أن وجودَ الفنَّانِ في بيئةٍ ملهمةٍ ومملوءةٍ بالطموحِ، وحبِّ التعلُّم، يصنعُ فرقاً كبيراً في رحلته.
ما رأيك بالتعرف على قيّمة فنية وأكاديمية سعودية الدكتورة عفت فدعق
تعلَّمتُ على يدِ أساتذةٍ شجَّعوني على النظرِ إلى العمارةِ بوصفها فكرةً وفلسفةً قبل أن تكون بناءً فقط. هذا الأمرُ وسَّع إدراكي وطريقتي في رؤيةِ العالم، فقبل دراسةِ التخصُّص كنتُ أعبِّر عن نفسي بالرسمِ والفنونِ البصريَّة، وكانت الرسوماتُ بالنسبةِ لي وسيلةً لسردِ المشاعرِ والقصص، وبعد دخولي الجامعة، اكتشفتُ أن التصميمَ أيضاً نوعٌ من السرد، فكلُّ مساحةٍ لها إيقاعٌ، وكلُّ انتقالٍ له معنى، وكلُّ عنصرٍ يخدمُ الفكرةَ الكبرى. اليوم، أهتمُّ كثيراً ببنيةِ العملِ الموسيقي: كيف يبدأ، وكيف يتطوَّر، وإلى أين يقودُ المستمعَ في النهاية. وأشعرُ بأن هويَّتي الموسيقيَّة، هي نتاجُ التقاءِ هذه المجالاتِ كلّها: العمارةُ، والفنونُ البصريَّة، والسردُ، والموسيقى. كلُّ واحدٍ منها أضافَ طبقةً جديدةً لطريقتي في التفكيرِ والإبداع.
تعلَّمتُ العزفَ على الجيتار في بداياتي، وخضتُ تجاربَ مع آلاتٍ أخرى، منها الدرامز، والفيولا، والكمان. كنتُ أحبُّ أن أتعرَّفَ على طريقةِ تفكيرِ كلِّ آلةٍ وصوتها، لأن كلَّ واحدةٍ منها تُضيف للموسيقى منظوراً مختلفاً. مع ذلك، بقي البيانو دائماً الأقربَ إلى قلبي. هو مثل قطعةِ «بازل» كبيرةٍ كلّما اكتشفتُ جزءاً منها، أدركتُ أن هناك أجزاءً أخرى لا تزالُ تنتظرُ أن تُكتَشف! ومع وجودِ 88 مفتاحاً، أشعرُ وكأنَّني أملك عالماً كاملاً من الألوانِ والأصوات، لذا ما زلتُ أتعلَّمُ منه حتى اليوم.
أراها فرصةً عظيمةً للموسيقيين بعد أن أصبحت جزءاً مهماً من عمليَّةِ التأليفِ والتسجيلِ والإنتاج، ويمكنها أن تختصرَ الوقت، وأن تفتحَ آفاقاً إبداعيَّةً جديدةً. أستخدمُ التكنولوجيا في عملي بوصفها مساعداً إبداعياً لتسجيلِ الأفكار، وتجربةِ التوزيعات، وتطويرِ العملِ الموسيقي، لكنَّها لا تستطيعُ أن تستبدلَ الدراسة، أو الحسَّ الموسيقي، أو الخبرة، فالإنسانُ هو الذي يقودُ التكنولوجيا، وليس العكس.
ما رأيك بالتعرف على عازفة الكمان السعودية كيان
المزجُ الموسيقي أمرٌ طبيعي ومهمٌّ، لأن الموسيقى تتطوَّرُ مع تغيُّرِ الأجيالِ، وإيقاعِ الحياة، لكنْ يجبُ أن يكون قائماً دائماً على فهمٍ عميقٍ لهويَّةِ الموسيقى لا أن يكون مجرَّد تقليدٍ، أو اتِّجاهٍ مؤقَّتٍ. عندما نُحافظ على الجذور، ونبتكرُ في طريقةِ تقديمها، نصنعُ موسيقى معاصرةً، تحملُ هويَّةً سعوديَّةً، وتصلُ إلى العالم.
هو أحدُ أهمِّ المشروعاتِ الثقافيَّةِ التي يجبُ أن تحظى باهتمامٍ حقيقي في المرحلةِ الجارية. لدينا في العالمِ العربي تراثٌ موسيقي هائلٌ، يمتدُّ عبر مناطقَ، وثقافاتٍ، ولهجاتٍ، ومدارسَ موسيقيَّةٍ متعدِّدةٍ، وهذا التراثُ يستحقُّ أن يُحفَظ بطريقةٍ علميَّةٍ ومنهجيَّةٍ. ما زلنا اليوم نعزفُ أعمالاً، كُتِبَت قبل مئاتِ الأعوام، لأن كلَّ تفصيلةٍ فيها وُثِّقت بدقَّةٍ، لكنْ لا يزالُ جزءٌ كبيرٌ من تراثنا العربي يعتمدُ على النقلِ الشفهي، أو التسجيلاتِ الصوتيَّةِ فقط، وهو ما يجعلُ بعض الأعمالِ عرضةً للنسيانِ، أو التحريفِ مع مرورِ الوقت!
للموسيقى دورها الفاعلِ في مساعدةِ بعض الأطفال في التفاعلِ بصورةٍ أكبر، والتعبيرِ عن أنفسهم، وتحسينِ الانتباه والتواصل، والمشاركةِ الحركيَّةِ بشكلٍ أكثر إيجابيَّةً. أن الموسيقى ليست مجرَّد وسيلةٍ للترفيه، بل هي لغةٌ، تفتحُ أبواباً للتواصلِ مع أشخاصٍ قد يجدون صعوبةً في التعبيرِ بالكلمات، لم أعد أرى الموسيقى فناً يُسمَع فقط، فهي أيضاً لغةٌ إنسانيَّةٌ قادرةُ على بناءِ الجسورِ بين الناس، وأداةٌ مؤثِّرةٌ في التنميةِ والدعمِ النفسي والاجتماعي.
واجهتُ لحظاتٍ من الإحباط، وفتراتٍ شعرتُ فيها بأن الطريقَ أصعبُ مما توقَّعت، لكنَّ الشغفَ، والاستمراريَّة، والانفتاحَ على التعلُّم، والإيمانَ بما أقدِّمه أسهمت جميعاً في نجاحي على المدى الطويل.
نقترح عليك قراءة اللقاء الخاص مع المؤلفة والمغنية السعودية Tamtam
حبُّ الوطنِ، هو شعورٌ يُولَد مع الإنسانِ تماماً مثل حبِّ الأسرة. إنه حبٌّ فطري، يمنحُ الأمانَ والانتماء، وهو المكانُ الذي ينشأ فيه الإنسان، ويحملُ ذكرياته الأولى، ويُشكِّل جزءاً من هويَّته وشخصيَّته. أرى أن حبَّ الوطنِ يتمثَّلُ في أن يكون الشخصُ فرداً صالحاً في مجتمعه، وأن يُسهم في نهضته.
أعملُ على تطويرُ لغةٍ موسيقيَّةٍ تُعبِّر عن هويَّتي الفنيَّة، وأعمالٌ تحملُ بُعداً إنسانياً وثقافياً، فأنا أطمحُ إلى أكون جزءاً فاعلاً في الحِراك الموسيقي الذي تشهده السعوديَّة.
منها أن أكون صادقةً مع صوتي الفنِّي، وألَّا أتوقَّف عن التعلُّمِ مهما كانت المكانةُ التي وصلتُ إليه.
الطريقَ قد يكون طويلاً وصعباً، لكنَّ الاستمرارَ سببٌ دائمٌ للنجاح.
Loading ads...
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




