ساعة واحدة
"الكريتيكوم".. مفهوم جديد لقياس تأثير الشاشات على دماغ الأطفال
الأربعاء، 3 يونيو 2026

قدمت مراجعة علمية إطاراً نظرياً جديداً لفهم الطريقة التي تعيد بها خبرات الطفولة والمراهقة تشكيل الدماغ النامي، خصوصاً في عصر يكبر فيه الأطفال وسط تعرض كثيف للشاشات.
وتطرح المراجعة العلمية، المنشورة في دورية Brain Health، مفهوماً يحمل اسم "الكريتيكوم"، ويشير إلى السجل الكامل للخبرات الحسية والحركية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي يدمجها الدماغ خلال فترات حرجة من اللدونة العصبية، تمتد من مرحلة ما قبل الولادة حتى نحو سن الخامسة والعشرين.
ووفق الباحثين، فإن السؤال لم يعد مقتصراً على عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل على نوع الخبرات التي تدخل إلى دماغه في اللحظات التي يكون فيها أكثر قابلية للتشكل، وما إذا كانت هذه الخبرات قد تترك أثراً طويل المدى على الصحة النفسية، والنمو المعرفي.
ويقول الباحثون إن الدماغ النامي لا يستقبل الخبرات كذكريات عابرة فقط، بل يدمج بعضها في بنيته العصبية ذاتها خلال نوافذ زمنية محددة.
خلال هذه الفترات، تكون الوصلات العصبية في حالة مرونة عالية، ما يسمح للخبرة بأن تصبح جزءاً من طريقة عمل الدماغ لاحقاً، فما يدخل في الوقت المناسب قد يصبح أساساً للغة، والحركة، والعلاقات الاجتماعية، وتنظيم الانفعال، وفهم العالم. أما ما لا يدخل، أو يدخل بصورة مضطربة، فقد لا يكون من السهل تعويضه لاحقاً بنفس الكفاءة.
لا يدعي الباحثون أنهم يعرفون بعد ماذا تصنع الطفولة المشبعة بالشاشات داخل أدمغة الأطفال؛ لكنهم يقولون إن المشكلة تحتاج إلى لغة علمية أدق من مجرد القلق العام من التكنولوجيا، ومن هنا يأتي مفهوم "الكريتيكوم" بوصفه إطاراً يسمح بتحويل السؤال إلى مشكلة بحثية قابلة للدراسة، لا مجرد جدل أخلاقي حول الشاشات.
يعيد مفهوم "الكريتيكوم" طرح سؤال الشاشات من زاوية أعمق من النقاش المعتاد حول عدد ساعات الاستخدام؛ فالمشكلة، وفق هذا الإطار، ليست فقط في الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشات، بل في طبيعة الخبرات التي يتلقاها دماغه خلال فترات يكون فيها شديد القابلية للتشكل. فالدماغ النامي لا يكتفي بتخزين ما يراه الطفل ويسمعه، بل يدمج بعض هذه الخبرات في بنيته العصبية وطريقة عمله لاحقاً.
يقصد بالكريتيكوم السجل الكامل للخبرات الحسية والحركية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي يدمجها الدماغ خلال فترات حرجة من اللدونة العصبية، تمتد من مرحلة ما قبل الولادة حتى نحو سن الخامسة والعشرين.
وخلال هذه النوافذ، تتشكل الدوائر العصبية المسؤولة عن الانتباه، واللغة، والتفاعل الاجتماعي، وتنظيم الانفعالات، واتخاذ القرار. لذلك، فإن الخبرات المتكررة والمكثفة في هذه المرحلة قد تصبح جزءاً من طريقة الدماغ في فهم العالم والتعامل معه.
ومن هذه الزاوية، لا تكون الشاشة مجرد وسيلة ترفيه أو تعليم، بل بيئة خبرة كاملة؛ إذ تقول الدراسة إن الشاشات تقدم للطفل صوراً سريعة، وأصواتاً متلاحقة، ومكافآت فورية، وتفاعلات اجتماعية رقمية، وأنماطاً من الانتباه تختلف عن التفاعل المباشر مع الأشخاص والأشياء.
وإذا أصبحت هذه البيئة هي المصدر الأكبر للخبرة اليومية، فقد تؤثر في "الكريتيكوم"؛ أي في نوعية المدخلات التي يعتمد عليها الدماغ، وهو يبني وصلاته، ويقوي بعضها ويتخلص من بعضها الآخر.
كما يرى الباحثون أن المحتوى الرقمي السريع قد يدرب الدماغ على توقع التحفيز المستمر، والانتقال السريع من مشهد إلى آخر، ومع التكرار، قد يصبح الانتباه الطويل والهادئ، مثل قراءة نص طويل، أو متابعة حديث بطيء أو حل مشكلة معقدة، أكثر صعوبة لدى بعض الأطفال.
لكن؛ وبحسب الدراسة، لا يعني ذلك أن كل استخدام للشاشات ضار، لكنه يعني أن نوع المحتوى وسرعته وتكراره وتوقيته قد تكون عوامل حاسمة في تشكيل طريقة عمل الدماغ.
كذلك تطرح الشاشات سؤالاً مهماً حول الخبرة الاجتماعية؛ فالطفل يحتاج خلال نموه إلى وجوه حقيقية، ونبرات صوت، وتواصل بصري، ولمس، ولعب مشترك، وخلافات صغيرة يتعلم منها التفاوض وضبط النفس.
وتقول الدراسة إن هذه الخبرات لا تبني المهارات الاجتماعية فقط، بل تدخل في تشكيل الدوائر العصبية المرتبطة بالتعاطف وتنظيم الانفعال وفهم الآخرين؛ وعندما يحل التفاعل الرقمي محل جزء كبير من هذه الخبرات، يصبح السؤال: "ما الذي يندمج في دماغ الطفل؟ وما الذي يغيب عنه في الوقت الذي كان يجب أن يتعلمه من العالم الحقيقي؟".
كما يرتبط الأمر أيضاً بالحركة؛ فالدماغ يتشكل عبر الجسد بقدر ما يتشكل عبر العين والأذن؛ فاللعب، والجري، والتسلق، والرسم، واستخدام اليدين، والتفاعل مع المساحات والأشياء، كلها خبرات حركية وحسية تساعد في بناء شبكات عصبية مهمة. أما الجلوس الطويل أمام الشاشة فيقلل، غالباً، من فرص الحركة والاستكشاف المباشر، وهو ما قد يغير جزءاً من الخبرة التي تدخل في "الكريتيكوم" خلال سنوات النمو.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على الطفولة المبكرة؛ إذ تشير المراجعة إلى أن الدماغ يظل في طور تشكل مهم حتى نحو سن الخامسة والعشرين، خصوصاً في المناطق المرتبطة بالتخطيط، وضبط الاندفاع، وتنظيم المشاعر، وتقييم المخاطر.
ولهذا فإن استخدام الشاشات في سن المراهقة ليس مسألة هامشية؛ فهذه المرحلة تشهد نضجاً مستمراً لقشرة الفص الجبهي، وهي منطقة شديدة الأهمية للصحة النفسية، والسلوك الاجتماعي، واتخاذ القرار.
رغم ذلك، يحذر الباحثون من تحويل الفكرة إلى ذعر أخلاقي من التكنولوجيا؛ فالإطار لا يقول إن الشاشات تضر الدماغ بالضرورة، ولا يقدم حكماً نهائياً على كل استخدام رقمي؛ فهذه الشاشات نفسها قد تكون مصدراً للتعلم، والتواصل، والإبداع، واكتساب اللغة، وتوسيع المعرفة.
يرتكز الإطار الجديد على ست آليات بيولوجية عصبية، تشمل التنظيم الغاباوي والخلايا الموجبة للبارفالبومين، والشبكات المحيطة بالعصبونات حول الخلايا سريعة الإطلاق، والتغليف التدريجي للألياف العصبية بالميالين داخل الدوائر القشرية، والتنظيم اللاجيني المعتمد على الخبرة، ونضج أنظمة التعديل العصبي، ثم التشذيب المشبكي أثناء النمو.
يرتكز الإطار الجديد على 6 آليات بيولوجية عصبية تشمل:
وتعامل المراجعة "التشذيب المشبكي"، وهي عملية يزيل فيها الدماغ الوصلات العصبية الضعيفة، أو قليلة الاستخدام أثناء النمو، ليبقي على الوصلات الأكثر نشاطاً وكفاءة، بوصفه ركناً أساسياً لا تفصيلاً ثانوياً؛ فخلال الطفولة والمراهقة، قد يُزال ما يصل إلى نصف المشابك القشرية.
وتؤدي الخلايا الدبقية الصغيرة، مع آليات مرتبطة بالتعليم الجزيئي للمشابك المراد التخلص منها، دوراً مهماً في هذه العملية. وما يُزال لا يعود بسهولة، وما يحافظ عليه يصبح جزءاً من البنية التي يقوم عليها الإدراك البالغ.
ويقول الباحثون إن دراسة سابقة على الجهاز البصري لدى الحيوانات أظهرت أن الحرمان الحسي في توقيت محدد قد يترك أثراً طويل الأمد.
وينطبق المنطق نفسه، بدرجات مختلفة، على اكتساب اللغة، والتعلم الحركي، والتعلق، وبعض جوانب السلوك الاجتماعي والثقافي، ومن ثم "فهناك نافذة تنفتح، وخبرة تدمج، ثم تنغلق النافذة جزئياً، فيصبح التعلم اللاحق أكثر صعوبة وأقل اكتمالاً" على حد قول المؤلف الرئيسي للدراسة، ميشيل كوينود، الباحث في جامعة لوزان السويسرية.
وتعاملت الدراسة مع الشاشات باعتبارها المشكلة المفتوحة الكبرى في الوقت الراهن؛ فالأطفال والمراهقون يتعرضون لخبرات رقمية ومرئية واجتماعية بوساطة الشاشات على نطاق لم تعرفه أي أجيال سابقة، وفي الوقت نفسه تمر أدمغتهم بالفترات التي يكون فيها "الكريتيكوم" أكثر قابلية للتشكل.
لكن الباحثين يتجنبون إصدار حكم قطعي؛ فهم لا يقولون إن الشاشات تنتج بالضرورة ضرراً محدداً، ولا يقدمون إجابة نهائية عن نوع الدماغ الذي يتشكل في ظل هذا النمط الجديد من الخبرة. ما يقولونه هو أن السؤال أصبح مُلّحاً، وأن دراسته تحتاج إلى إطار يسمح بقياس الخبرات، وتوقيتاتها، وأنواعها، وطريقة اندماجها في المسارات العصبية والنفسية.
ورغم اتساع الطرح، يضع الباحثون حدوداً واضحة "الكريتيكوم"، مؤكدين أنه ليس أداة قياس جاهزة، ولا تقدم حتى الآن طريقة لحساب المحتوى المندمج في دماغ إنسان حي، كما أن الاضطرابات التي يعيد الإطار النظر فيها شديدة التنوع، ولا يمكن اختزالها في آلية واحدة أو مسار نمائي بسيط.
Loading ads...
كذلك، لا يعني وصف الاضطرابات النفسية بأنها "نمائية"، أن العوامل اللاحقة في الحياة غير مهمة، أو أن العلاج بعد البلوغ غير ممكن. المقصود هو أن بعض ملامح القابلية، أو الهشاشة، أو الحماية، قد تكون قد تشكلت في مراحل أسبق من ظهور الأعراض. وترجمة هذا التصور إلى تدخلات عملية ستحتاج إلى أدوات قياس جديدة، ودراسات طولية قادرة على تتبع الخبرة والدماغ عبر الزمن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الدفاع الكويتية تحذر المواطنين من لمس حطام الصواريخ
منذ ساعة واحدة
0



