35 دقائق
“الكروبية” وسلاح الدبلوماسية.. كيف أغوى القيصر الألماني السلطان عبد الحميد بصفقات السلاح؟
السبت، 26 سبتمبر 2026

تُعدّ قضية الصناعات الدفاعية بلا ريب قضية استقلال بالنسبة للدول؛ ومن هنا يُعدّ البحث في الخلفية التاريخية لهذه صناعة بمنزلة بحث في تاريخ استقلال الدولة وسيادتها.
وفي كتاب «الصندوق الأسود للحرب العظمى» للكاتب التركي أوميد ناجي يورولماز، يتناول المؤلف جغرافية العلاقات الألمانية العثمانية إبان عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م)، متتبعا تحولات الصناعات الدفاعية المرتبطة بها، وشبكات الدبلوماسية الشخصية والنفوذ حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918م).
يكشف الكتاب -استنادا إلى وثائق رسمية من أرشيفات ألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والنمسا، وتركيا- عن أن السياسة التي دشنتها ألمانيا في الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى شكلت النماذج الأولى لما أطلق عليه المؤلف «الكروبية»، أو السياسة الخارجية الكروبية (Kruppism / Kruppist Foreign Policy) نسبة إلى شركة "كروب " الألمانية لصناعة السلاح.
ويؤكد المؤلف أن هذا النهج حوّل تجارة السلاح من مجرد نشاط اقتصادي إلى أداة للسياسة الخارجية تُرسخ النفوذ وتبني شبكات من التبعية العسكرية والسياسية. وفي هذا السياق، يوضح البروفيسور حسام الدين إيناج، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة "كوتاهيا دوملوبينار " التركية، قائلا:
كان تغلغل ألمانيا في المجتمع العثماني أواخر العهد العثماني عبر صناعتها العسكرية واقعا سوسيولوجيا وسياسيا. واليوم نشهد وضعا مشابها من خلال سعي تركيا إلى توطين صناعتها الدفاعية؛ إذ تعمل تركيا -لا سيما في أفريقيا والشرق الأوسط والقوقاز- على توظيف علاقاتها في مجال تجارة السلاح، مع إدخال غناها الثقافي أداة للقوة الناعمة، وفق سلوك يعتمد مبدأ الربح المتبادل (رابح-رابح) واحترام السيادة
ويستشهد الكاتب بالحرب الفرنسية البروسية (1870-1871م) بوصفها نقطة التحول الحرجة في هذا المسار؛ حيث كان للسلاح البروسي أثر حاسم في قصف باريس وحصارها، ليقترن انتصار بروسيا عام 1871م بإعلان توحيد ألمانيا وتأسيس الإمبراطورية الألمانية. فأصبحت الصناعات العسكرية الألمانية شريكا غير مرئي للعقل السياسي الألماني، متناغمة مع شخصية القيصر فيلهلم الثاني (1859-1941م) وقراراته، لتتحول الصناعات الدفاعية في العالم إلى جزء لا يتجزأ من السياسة الدولية.
ويرى يورولماز أن التحالف الألماني العثماني أصبح ضرورة أفرزتها الظروف أكثر من كونه خيارا مجردا. وحين ننظر اليوم إلى صادرات الأسلحة الروسية والصينية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى المبيعات الأمريكية واتفاقيات الدفاع، ندرك أن "العصر الكروبي " ما زال مستمرا بأشكال متعددة في يومنا هذا.
ويشير الكتاب إلى أن التطورات الجيوسياسية الراهنة تكشف عن الدور الحاسم الذي تؤديه الصناعات الدفاعية وتجارة السلاح في العلاقات الدولية؛ ويتضح ذلك جليا في حرب غزة, والتوترات بين الهند وباكستان، والصراع في أوكرانيا، والأزمات في آسيا وأفريقيا، وصولا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (12-24 يونيو/حزيران 2025م).
وفي هذا الإطار، يبيّن إيناج أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تبدو وكأنها "علاقة تكافلية " (Symbiotic Relationship)، مؤكدا أن اختزال هذه العلاقة في مجرد تبادل السلاح ليس دقيقا؛ إذ إن اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة قادرة على التأثير حتى في اختيار أعضاء الكونغرس الأمريكي، ومن ثم أداء دور فاعل في السياسة الداخلية.
ويشدد المؤلف على أن تجارة السلاح أصبحت أداة إستراتيجية بامتياز، مما يثبت أن العصر الكروبي لا يزال قائما وأن الصناعات الدفاعية أصبحت في قلب المشهد السياسي العالمي. ويعرض الكتاب أمثلة تثبت إلى أي مدى تستطيع الدول المصدّرة للسلاح التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستوردة.
وحول ذلك يقول البروفيسور إيناج: "إذا كانت الدولة المصدّرة تفتقر إلى القيم الإنسانية ولا تحترم سيادة الدول واستقلالها، فإنها تجد في نفسها القدرة على التدخل في الشؤون الداخلية "، موضحا أن حركات الاستعمار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تسببت في نشوء حساسية كبيرة لدى دول آسيا وأفريقيا. ويصف الكتاب اتساع نطاق هذه العلاقات بأنه عامل يسمم العلاقات الدبلوماسية ويؤثر سلبا في توازنها.
يبيّن الكتاب أن الإمبراطورية العثمانية (1299-1923م) كانت مكتفية ذاتيا في مجال المعدات الدفاعية حتى أواسط القرن التاسع عشر، قبل أن تفقد قدرتها الإنتاجية والتنافسية وتتحول إلى «سوق للسلاح» تتنافس القوى الكبرى للنفوذ إليها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.
خرجت ألمانيا من هذا التنافس بانتصار بارز بدءا من السنوات الأولى لسلطنة عبد الحميد الثاني. فبعد اتفاقية عام 1878م التي أُجبر فيها السلطان على التخلي عن خُمُس أراضي إمبراطوريته وخُمُس رعاياه، كانت ألمانيا بالنسبة إليه الدولة الأوروبية الوحيدة التي لا تملك مطامع استعمارية أو سياسية مباشرة في الأراضي العثمانية.
أما القيصر الألماني فيلهلم الثاني، فقد فضّل (بعد عزل المستشار بسمارك) استخدام لغة هجومية، ورأى في الأراضي العثمانية ممرا إستراتيجيا يتيح له الهجوم على مصر والهند اللتين تشكلان نقطة ضعف لإنجلترا، فضلا عن استغلال الأراضي العثمانية بوصفها مصدرا للمواد الخام وسوقا بكرا للسلع الصناعية الألمانية.
من جهة أخرى، كانت مبررات السلطان عبد الحميد الثاني التاريخية لبناء العلاقة مع ألمانيا تعود لدروس الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871م) والحرب العثمانية الروسية (1877-1878م) والنتائج التي تمخضتا عنها؛ حيث بدأت السلطنة عقب هزيمتها أمام روسيا بمحاولات إصلاح مؤسستها الدفاعية. ويلفت المؤلف النظر إلى أن التقارب مع مصنعي السلاح الألمان بدأ من هذه اللحظة، وكانت الخصيصة الأبرز في "تجارة السلاح على الطراز الألماني " تتمثل في تقديم الدعم المكشوف من رجال الدولة الألمان للشركات الوطنية، وعلى رأسها شركة "كروب ".
يوضح الكتاب مفهوم «الموجة» باعتبارها تجليا للحملات الإستراتيجية الألمانية للتوسع سياسيا واقتصاديا وعسكريا داخل السلطنة، مقسما إياها إلى مرحلتين:
الموجة الأولى (1881-1898م): تمثلت في اللقاء التاريخي الذي عقد ببرلين عام 1881م بين مستشار ألمانيا أوتو فون بسمارك (1815-1898م) والوفد العثماني (علي نظامي باشا ورشيد بك)؛ حيث أوضح بسمارك رغبته في تأسيس علاقات وثيقة مع الآستانة. واستمرت هذه الموجة حتى عام 1898م، مما دفع الإمبراطورية العثمانية في نهاية المطاف لدخول الحرب العظمى حليفا لألمانيا.
الموجة الثانية (1898-1908م): كانت أشد ضجيجا وقوة، وقادها القيصر فيلهلم الثاني بنفسه بعد إزاحته بسمارك من المستشارية عام 1890م وتخلصه منه نهائيا بوفاته عام 1898م. وأطلق القيصر شرارة هذه الموجة خلال زيارته الثانية للشرق عام 1898م عبر خطابه بدمشق، الذي تضمن تحديا مباشرا وواضحا لخصومه، لترتكز موجة النفوذ الألمانية منذئذ على التقارب الشخصي بين السلطان والقيصر.
لكن النفوذ الألماني شهد تراجعا قصيرا بين عامي (1908-1909م) مع إعلان المشروطية الثانية (الدستور)، وصولا إلى خلع السلطان عبد الحميد الثاني وانقلاب العسكر عليه ونفيه إلى سالونيك. ويذكر الكتاب أن خلع السلطان تم بقيادة ضباط موالين لألمانيا، مؤكدا أن القيصر، والجنرال كولمار فون در غولتز (غولتز باشا)، والسفارة الألمانية كانوا على علم سابق بذلك.
ويؤكد المؤلف أن بسمارك كان المهندس الأساسي للموجة الأولى حتى أزيح عام 1890م، ليجد القيصر في زيارته الثانية للشرق فرصة لا تُعوض ليظهر نفسه بأنه مهندس أول للسياسة الخارجية الألمانية. وتناول الكتاب تفاصيل رحلته التي شملت إسطنبول، وحيفا، ويافا، والقدس، ودمشق، مؤكدا دعمه للسلطنة في وجه القوى الأوروبية التي كانت تنعتها بـ "الرجل المريض ".
ويصف المؤلف السياسة الخارجية للسلطان عبد الحميد الثاني بأنها كانت تتقرب من ألمانيا وفق معادلة:
التقرب من ألمانيا وفق ثقة مشروطة، والتقرب من الآخرين بعين الريبة دوما
وضع بسمارك الأسس الأولى لسياسة "النفوذ السلمي "، لكن القيصر فيلهلم الثاني -بعد انفراده بالقرار عام 1890م- أصبح الفاعل الأقوى في السياسة الألمانية. وأصبحت الإمبراطورية العثمانية بالنسبة له الميدان الحيوي لتطبيق أجندته التوسعية الاقتصادية، مدفوعا بحلمه في أن يكون "إمبراطور العالم " واستغلال كل فرصة لترسيخ شهرة ألمانيا بكونها قوة عالمية.
وفي حديثه للجزيرة، يوضح البروفيسور إيناج أبعاد هذا التزويد العسكري قائلا:
الدولة التي تصدر السلاح -وخاصة إذا كانت ذات تقاليد إمبريالية- تسعى إلى احتكار الدولة التي تزوّدها بالسلاح بشكل كامل وتجريدها من البدائل؛ مما يمنحها نفوذا واسعا وهيمنة على آليات اتخاذ القرار في السياسة الخارجية لتلك الدولة
وبحسب الكتاب، كانت السلطنة توفر للشعب الألماني سوقا بكرا للحصول على "الماء والخبز ". وكان القيصر قد عبر عام 1896م عن رغبته الصريحة في تحويل ألمانيا إلى إمبراطورية استعمارية.
ويستعرض الكتاب زيارة القيصر الأولى عام 1889م لإسطنبول؛ حيث قضى هو وزوجته 5 أيام في جزء من قصر "يلدز "، بوصفه أول ملك أوروبي يزور الآستانة. وقدم القيصر هدايا للسلطان شملت ساعة كبيرة من الطراز "الروكوكو " مزينة بنقوش وتبلغ قيمتها 1800 مارك، وشمعدانين ذوي تسع أذرع بقيمة 1100 مارك. إلا أن هذه الهدايا بدت باهتة أمام هدايا السلطان، الذي أهداه قصرا من أجمل قصور حي "طرابيا " (أصبح المقر الصيفي للسفير الألماني).
ومن النتائج المباشرة لهذه الزيارة، تمديد السلطان مدة الرخصة الممنوحة لتشييد الكنيسة الألمانية في القدس، وتعميق التقارب بين الطرفين. وفي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1889م، منح السلطان القيصر وسام "العثمانية " ولقب "قائد المدفعية العثمانية ". ونشرت صحيفة "The Times " اللندنية بتاريخ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1889م نص البرقية التي أرسلها القيصر إلى بسمارك وهو في طريق العودة:
تمت هذه الزيارة كأنها حلم، وأضفت شعورا كما لو كنت في الجنة، بسبب كرم الضيافة الكبير من لدن السيد الكبير Grand Seigneur (عبد الحميد الثاني)، وإنني بعد هذه الزيارة ذاهب الآن إلى جناق قلعة
خلال زيارة القيصر الثانية عام 1898م، زار مدرسة ألمانية وقال معلقا: "إنه النصر المظفر للجرمانية ". وأهدى السلطان إناءين فخاريين من قصر يلدز لوزير الخارجية البارون فون بولوف.
أما الهدية التي خطفت الأنظار، فكانت قطعة الأرض الكائنة في جبل صهيون بالقدس، المقدسة لدى الكاثوليك بوصفها موقع "رقاد مريم العذراء " (La Dormition de la Sainte Vierge). حيث منحها السلطان للقيصر ضمن مناورات سياسته الخارجية، وخصصها القيصر للكاثوليك الألمان رغم كونه بروتستانتيا؛ مما سحب البساط من تحت أقدام فرنسا بوصفها الحامي الحصري لكاثوليك الدولة العثمانية.
خطط السلطان لإدخال القيصر لاعبا جديدا في صراع القدس لتأجيج النزاع الفرنسي الألماني حول الشرق. وكتب الأمير بيلو تقريرا للقيصر بتاريخ 4 يونيو/حزيران 1898م بشأن الحصول على كنيسة "الرقاد " (Dormition)، مؤكدا أن النزاع بين الكاثوليك الألمان والفرنسيين سيكتسب عمقا وستبقى العداوة بينهم حية.
عقب القدس، انتقل القيصر إلى دمشق (مركز النفوذ الفرنسي آنذاك) وألقى خطابه الشهير بتاريخ 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1898م، الذي قال فيه:
إني أُطمئن جلالة السلطان عبد الحميد الثاني ومعه 300 مليون أو أكثر من المسلمين القاطنين في جميع أنحاء العالم والمبايعين للخليفة، بأنني بصفتي إمبراطور ألمانيا سأظل صديقا لكم إلى الأبد
Loading ads...
كما زار القيصر ضريح صلاح الدين الأيوبي ووضع عليه إكليلا يعلوه تاج. وكان لهذا الخطاب صدى هائل في العالم الإسلامي، ورد جميل للقيصر بحصول الشركات الألمانية على مناقصات السلاح الكبرى وإنشاء سكك الحديد (الحجاز وبغداد). غير أن الحكومة الألمانية شعرت في السنوات الأخيرة من حكم عبد الحميد بتراجع نفوذها، لتنتهي تلك الحقبة بتوريط السلطنة العثمانية في أتون الحرب العظمى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

إسرائيل تعلن قصف مستودع لحزب الله في سجد
منذ ثانية واحدة
0



