ساعة واحدة
عيد الأضحى في المغرب... الغلاء يطفئ بهجة الشعيرة ويثقل كاهل الأسر
الخميس، 21 مايو 2026

بدل أن يحل عيد الأضحى في المغرب موشحا بالبهجة والفرح، صار يطلّ على كثير من البيوت بثقل يرهق الصدور والكواهل، إذ تحوّل إلى عبء اقتصادي ينهك الأسر المعوزة في زمن اشتدت فيه وطأة الغلاء وارتفعت فيه كلفة المعيشة. وبين من يطرق أبواب البنوك طلبا للقروض، ومن يبيع ما ادّخر من متاع بيته أو ما تبقّى من ذكريات صامتة في زوايا المنزل، تتهاوى القدرة على أداء الشعيرة في صورتها الأصيلة، تحت ضغط الحاجة.
بعد توجيهات الملك محمد السادس... تضارب في مواقف المغاربة بشأن إحياء شعيرة ذبح الأضاحي
خلافا لإهابة العاهل المغربي الملك محمد السادس في فبراير/شباط من العام الماضي، حين دعا إلى عدم ذبح الأضحية بفعل التراجع الكبير في أعداد الماشية وما خلّفه ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية، لم يصدر هذا العام ما يماثل ذلك التوجيه. غير أن جوهر الأزمة لم يبرح مكانه، فحتى مع حديث الحكومة عن وفرة العرض في الأسواق، ظلّت الأسعار تمضي في صعودها كأنها لا تعبأ بتلك الوفرة المعلنة.
تركت ست سنوات من الجفاف ندوبا عميقة في جسد القطاع الفلاحي، فأفقدت الزراعة كثيرا من فرص العمل، وأدّت إلى تراجع القطيع الوطني من الماشية والأغنام بنسبة تقارب 38 في المئة مقارنة بإحصاء سابق قبل تسع سنوات. ومع تقلص المراعي وارتفاع كلفة الأعلاف الحيوانية، اشتعلت أسعار اللحوم الحمراء، ودفع المغرب نحو مزيد من الاعتماد على الاستيراد لتأمين حاجاته المتزايدة.
ومع اقتراب عيد الأضحى، بدا المشهد كأنه مفارقة قاسية، وفرة في الأرقام، وندرة في القدرة الشرائية. إذ تشير المعطيات الحكومية إلى عرض يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس من الأغنام والماعز، مقابل طلب وطني لا يتجاوز 6 إلى 7 ملايين، غير أن السوق يسير في اتجاه معاكس، حيث تواصل الأسعار ارتفاعها بلا توقف. وتُباع الخراف في المدن ما بين 3000 و7000 درهم (300، 700 دولار(، والرفيعة مثل "الصردي" و"البركي"، قد تتجاوز عتبة 10000درهم ) 1000 دولار( بينما تبقى الأسعار في القرى أقل نسبيا، دون أن تعكس الفجوة الحقيقية بين العرض والطلب).
ويرجع المهنيون هذا الارتفاع إلى كلفة الأعلاف التي بلغت نحو 13 درهما يوميا لكل رأس، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والنقل، وما يرافق ذلك من أعباء سلسلة التوزيع. وفي محاولة لتفادي ذروة الغلاء، ينصح فاعلون في القطاع بشراء الأضاحي مبكرا، قبل أن تشتد المنافسة في الأيام الأخيرة التي غالبا ما تشهد قفزات سعرية مفاجئة.
رئيس الجمعية المغربية لحماية المستهلك والدفاع عن حقوقه، نورالدين حمانو، أكد "أن الوضع الحالي يطرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية آليات المراقبة وتنظيم الأسواق، خاصة في فترة تعرف إقبالا واسعا للأسر المغربية على اقتناء الأضاحي".
وأوضح حمانو أن الحديث الرسمي عن وفرة العرض لا ينعكس على أرض الواقع داخل الأسواق، حيث ما تزال الأسعار مرتفعة بشكل يفوق القدرة الشرائية لعدد كبير من المواطنين"، معتبرا أن "الخلل يكمن في غياب الصرامة في مراقبة الوسطاء والمضاربين، إضافة إلى ضعف آليات ضبط الأسعار وحماية المستهلك من المضاربات غير المشروعة".
أجواء عيد الأضحى في الدول المغاربية: غلاء الأسعار وامتناع عن ذبح الأغنام
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.
من جهة أخرى، أضاف المتحدث، أن حالة "العزوف" التي بدأت تظهر مبكرا هذه السنة ليست اختيارا بقدر ما هي نتيجة مباشرة للضغط الاقتصادي الذي تعيشه الأسر المغربية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخل، مشيرا إلى أن عددا من المواطنين أصبحوا غير قادرين على مجاراة الأسعار الحالية قبل أسابيع قليلة من العيد".
في هذا السياق، أثار تصريح وزير الفلاحة المغربي أحمد البواري حول إمكانية توفر أضاحي بسعر يبدأ من 1000 درهم جدلا واسعا، بعدما أكد خلال جلسة برلمانية أن أسعار الأضاحي في بعض الأسواق قد تنطلق من هذا المستوى وتصل إلى 3000 أو 5000 درهم حسب الجودة والمنطقة، معتبرا أن بعض الأرقام المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس دائما الواقع الفعلي للأسواق.
هذا التصريح قوبل بتشكيك من عدد من النواب ومربي المواشي الذين أكدوا أن سعر خروف الأضحية لا يمكن عمليا أن يكون في حدود 1000 درهم في الظروف الحالية، وأن الأسعار تبدأ غالبا من مستويات أعلى بكثير بسبب كلفة الأعلاف وتربية المواشي، مما فجّر نقاشا سياسيا وإعلاميا حول الفجوة بين التصريحات الرسمية والقدرة الشرائية للمواطنين، وبين من يرى أن هناك تفاوتا كبيرا بين المناطق والأسواق يجعل مثل هذه الأسعار ممكنة في حالات محدودة، ومن يعتبرها أرقاما غير دقيقة أو غير ممثلة للسوق العام.
لم يقتصر ضغط الأسعار على الأضاحي وحدها، بل امتد ليشمل الفحم الخشبي الذي ارتفع سعره من نحو 7 دراهم للكيلوغرام إلى ما بين 15 و20 درهما، ما يزيد من كلفة طقوس العيد ومستلزماته، من الأضحية إلى النقل والتحضير وما يرافقه من تفاصيل صغيرة لكنها مرهقة.
في ظل هذا المشهد المتداخل بين الغلاء والانتظار، تميل أسر إلى تأجيل قرار الشراء إلى اللحظات الأخيرة، على أمل انفراج مفاجئ في الأسعار، بينما تبحث أسر أخرى عن بدائل تخفف العبء، في محاولة للحفاظ على روح المناسبة وسط واقع اقتصادي يزداد صعوبة عاما بعد عام.
سعيد ثلاثيني من سكان مدينة سطات قرب الدار البيضاء، واحد من هؤلاء الذين دفعتهم أزمة ارتفاع الأسعار إلى التريث إلى حين حدوث انفراجة غير مضمونة، يقول: "لقد أصبح اقتناء خروف العيد أمرا يفوق قدرة كثير من الأسر. جلتُ في عدد من الأسواق، فوجدت أن الأسعار ارتفعت بما لا يقل عن 1500 درهم مقارنة بالسنوات الماضية. ما يُقال عن وجود أضاحٍ بألف درهم لا يعكس الواقع إطلاقا، ولا أدري في أي بلد يمكن العثور على ذلك. وإن كان الوزير قادرا على توفير خروف بهذا الثمن فنحن مستعدون لمنحه ألف درهم إضافية هدية. اليوم، حتى الخروف الصغير الذي لا يتجاوز عمره أسابيع لا يُباع بهذا السعر".
يضيف سعيد بنبرة ملؤها الأسى: "كثير من المواطنين باتوا يلجؤون إلى الاقتراض من أجل الحفاظ على هذه الشعيرة، فكيف لأب يعيل طفلين ويتقاضى راتبا محدودا أن يوفر ثمن الأضحية، إضافة إلى مصاريف الفحم والتوابل وبقية المستلزمات؟ ومع ذلك، يبقى أملنا قائما في كرم الله ورحمته، فنحن مؤمنون بأن لطف الله لن يخذل عباده".
من جانبه، اعتبر عبد الكبير، أربعيني من سكان الدار البيضاء، أن "الارتفاع الكبير في الأسعار سببه المضاربون وبعض مربي الماشية وباعة الأضاحي الذين لا يراعون القدرة الشرائية للمواطن البسيط." قال متسائلا: "أين أثر الدعم الذي منحته الحكومة للقطاع من أجل التخفيف من الأسعار؟ فالأثمان المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بعيدة عن الحقيقة ولا تعكس ما يجري داخل الأسواق. يا للأسف، بدأت الشعيرة تفقد شيئا من رمزيتها الروحية، بعدما تحولت لدى كثيرين إلى عبء اجتماعي وثقافة مفروضة لا يمكن التراجع عنها، حتى وإن اضطر البعض إلى الاستدانة. أنا أرى أن المظاهر والبذخ أفسدت المعنى العميق لعيد الأضحى، الذي يفترض أن يقوم على التضامن والتقرب إلى الله، لا على إثقال كاهل الأسر البسيطة. كما أن الحكومة تبدو أقرب إلى الدفاع عن مصالح أرباب العمل وأصحاب النفوذ، بدل الانشغال الحقيقي بمعاناة المواطنين اليومية".
سعيا لاحتواء الأزمة، قررت الحكومة في 18 مايو / أيار وضع إطار تنظيمي أكثر صرامة لتسويق الماشية الموجهة لعيد الأضحى، سعيا إلى ضبط السوق وحماية المستهلك من المضاربة والارتفاع غير المبرر للأسعار. ويستند القرار إلى القوانين المنظمة للجماعات وحرية الأسعار والمنافسة، بعد استشارة مجلس المنافسة، بهدف ترسيخ قواعد الشفافية ومحاربة الممارسات التي تشوّه توازن السوق.
وقد نص على حصر البيع في الأسواق القانونية المخصصة، مع السماح بالبيع المباشر داخل الضيعات وفق شروط دقيقة، وإلزام البائعين بالتصريح المسبق لدى السلطات المحلية مع تحديد عدد الرؤوس ومصدرها، بما يضمن تتبع مسار البيع والحد من الاحتكار. كما شمل القرار إجراءات صارمة، من بينها منع إعادة البيع الفوري داخل الأسواق، وتجريم التلاعب بالأسعار أو التواطؤ لرفعها، إضافة إلى منع التخزين خارج القنوات الرسمية لخلق ندرة مصطنعة. وترافق ذلك مع عقوبات قد تصل إلى الغرامة أو السجن، وإغلاق نقاط البيع المخالفة وحجز الماشية ومعدات البيع، في مسعى لفرض رقابة أشد على السوق.
ورغم هذه الإجراءات والتطمينات الرسمية بوفرة العرض، يظل القلق حاضرا في الشارع المغربي، حيث يتابع المواطنون الأسعار بترقب ثقيل، في ظل وضع اقتصادي لا يمنح كثيرا من الهامش. كما تُسجّل أيضا مؤشرات على تراجع الإقبال في الأسواق، إذ يكتفي البعض بالتجول في الأسواق دون شراء، انتظارا لانخفاض محتمل قد لا يأتي.
رئيس الجمعية المغربية لحماية المستهلك والدفاع عن حقوقه دعا من جانبه إلى "تكثيف المراقبة الميدانية داخل الأسواق ونقط البيع، والتصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة، مع ضرورة تدخل الجهات المختصة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان شفافية المعاملات التجارية، إلى جانب تفعيل لجان المراقبة بشكل يومي خلال هذه المرحلة الحساسة".
Loading ads...
كما شدد حمانو على أن "الجمعية تتابع الوضع عن كثب، مؤكدا أن خيار المقاطعة يبقى وسيلة احتجاجية مشروعة يلجأ إليها المواطن عندما يشعر بأن السوق فقد توازنه وأصبحت الأسعار خارج المنطق، غير أن الأولوية اليوم، حسب تعبيره، هي إيجاد حلول واقعية ومستعجلة تعيد التوازن للأسواق وتحفظ كرامة وقدرة الأسر المغربية على مواجهة الأعباء المتزايدة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




