19 أيام
كلفة “الحياد”.. كيف تحولت سياسة مسقط تجاه طهران إلى عبء مالي على الخليج؟
الجمعة، 3 يوليو 2026
اعتادت سلطنة عُمان أن تقدم نفسها للعالم بوصفها “مهندس التسويات الهادئة” في الشرق الأوسط، فدائماً ما تفضل استخدام الدبلوماسية الصامتة في مواقفها، كما تجعل من الحياد جسراً تعبر عليه الأطراف المتنازعة نحو تسويات تبدو مستحيلة.
هذه السمعة، التي نسجتها مسقط بعناية فائقة طوال نصف قرن، تقف اليوم أمام اختبار عنيف، إذ بينما تشتعل المنطقة بنيران التوتر الأميركي الإيراني الذي بلغ ذروته منذ 28 شباط/فبراير الماضي، لم يعد السؤال المطروح في أروقة العواصم الخليجية هو “كيف ستنجح الوساطة العُمانية في إخماد الحريق؟”، بل تحول إلى سؤال أعمق وأكثر قتامة، بشأن مدى تحول سياسة “الحياد” نفسها، في سياقها الراهن، من استثمار استراتيجي في استقرار المنطقة إلى عبء يهدد أسس التكامل الاقتصادي والأمني الخليجي، بل ويقوض فكرة “البيت الخليجي” ذاته.
في الوقت الذي تسعى الكتلة الخليجية، بقيادة الرياض وأبوظبي، إلى بناء جبهة اقتصادية وأمنية موحدة لمواجهة التداعيات الكارثية لسياسات طهران العدائية والتوسعية، تتمسك عُمان بنهج يمنح إيران متنفساً اقتصادياً حيوياً وشريان حياة دبلوماسياً، مما يحدث شرخاً في جدار الضغط الجماعي الذي يُفترض أن يكون أقوى أسلحة دول مجلس التعاون غير العسكرية.
المبالغة في الحياد العُماني تجاه إيران، خاصة في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، قد تتحول إلى عامل يحد من قدرة دول الخليج على بناء مواقف موحدة تجاه الملفات الأمنية التي ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد الإقليمي.
وتتجسد الكلفة المباشرة لهذا النهج في تقويض فعالية استراتيجية الضغط الاقتصادي، ففي وقت تُظهر فيه التقديرات الرسمية انكماش التبادل التجاري بين بعض دول الخليج وإيران تتحرك عُمان في الاتجاه المعاكس.
ووفقاً للتقديرات الرسمية يُقدر حجم التبادل التجاري بين السعودية وإيران بنحو 25 مليون دولار أميركي، بينما حجم التبادل التجاري بين البحرين وإيران يعد محدوداً للغاية، حيث بلغ إجمالي الواردات الإيرانية إلى البحرين حوالي 13.4 مليون دولار.
هذا وقد قفز حجم التجارة الثنائية بين عُمان وإيران بنسبة 27 بالمئة ليصل إلى 1.3 مليار دولار في عام 2023، وفي العام التالي، نقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن لقاء النائب الأول للرئيس الإيراني مع السفير العُماني تأكيدهما على هدف مضاعفة هذا الرقم ليصل إلى 5 مليارات دولار.
وفي السادس والعشرين من أيار/مايو الماضي، أصدر سلطان عُمان هيثم بن طارق مرسوماً تنفيذياً يقضي بزيادة حجم التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي مع إيران بشكل ملحوظ، بناءً على اتفاقية التجارة التفضيلية الموقعة بين البلدين في أيار/مايو من العام السابق والمقرة بالمرسوم السلطاني رقم 71 لعام 2025، وهو ما يضعف أثر العقوبات الجماعية وينعكس سلباً على جاذبية المنطقة كوجهة استثمارية آمنة ومتجانسة، خاصة وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدد علناً بتطبيق عقوبات ضد أي طرف لا يلتزم بالخط التجاري والأمني لواشنطن، معلناً أن الولايات المتحدة لن تسمح بأي شكل من الأشكال بتسيير قنوات مالية وتجارية موازية تدعم طهران في ظل هذه المواجهة الشاملة.
لم يعد هذا الخطر الجمركي والمالي مجرد توقعات، بل تجسد عملياً في حزيران/يونيو الماضي عندما فرضت وزارة الخزانة الأميركية حزمة عقوبات مشددة على شبكة دولية اتهمت بتهريب غاز البترول المسال الإيراني إلى الأسواق الآسيوية عبر تزوير منشأ الشحنات وإصدار وثائق تفيد بأنها صادرة من سلطنة عُمان.
ليمثل تورط الكيانات العُمانية في تسهيل الالتفاف على العقوبات طعنة في خاصرة الاتحاد الجمركي الخليجي ومشروع السوق المشتركة، حيث تزداد مخاوف الأمانة العامة للمجلس من تدفق السلع الإيرانية الخاضعة للمقاطعة عبر الحدود العُمانية البينية، مما يضطر دول المجلس إلى فرض إجراءات تدقيق ورقابة استثنائية على النقاط الحدودية المشتركة مع مسقط.
وهو ما ينسف جوهر الاتفاقيات الاقتصادية الخليجية القائمة على حرية حركة البضائع، ويعطل إبرام اتفاقيات تجارة حرة جماعية مع التكتلات الدولية الكبرى التي ترفض التساهل مع أي منفذ تجاري يخدم خصومها الجيوسياسيين.
تتمدد هذه الكلفة من الحقل التجاري لتضرب أمن الملاحة الإقليمية في مقتل، حيث تكشف التقارير الاستخباراتية التي نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال”عن اهتزاز كامل في جدار الثقة بين إدارة ترامب ومسقط، إثر تقييمات خلصت إلى أن عُمان درست مقترحاً إيرانياً بفرض رسوم عبور أحادية على السفن في مضيق هرمز، ورغم النفي العُماني اللاحق، إلا أن مجرد طرح هذه الأفكار يعكس ضعف الموقف التفاوضي لمسقط تحت الضغط الإيراني.
وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري في معهد CISI في الإمارات وضاح الطه، خلال تصريح خاص لموقع “الحل نت”، أن غياب خطاب عُماني حازم يؤكد الحقائق الجغرافية والقانونية لمضيق هرمز يسهم، ولو بصورة غير مباشرة، في ترسيخ انطباع دولي زائف بأن إيران تمتلك السيطرة الكاملة على هذا الممر الحيوي.
ويشير الطه إلى أن القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 عبر موادها الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والثامنة والثلاثين، تضمن حق “المرور العابر” وتمنع فرض أي قيود أو رسوم، معتبراً أن المهادنة العُمانية تحرم المنظومة الخليجية من توظيف المرتكز الجغرافي لمحافظة مسندم العُمانية المطلة على المضيق لتعزيز الانطباع بأن إدارة الملاحة تخضع للشرعية الدولية لا لمعادلات القوة الإيرانية.
إن الثمن الأفدح لسياسة التودد العُمانية لطهران يظهر في حقيقة أن هذا الحياد لم يوفر أي حماية للمنشآت الاقتصادية للسلطنة، بل صدر كلفة المواجهة إلى البنية التحتية اللوجستية للخليج بأكمله. فخلال آذار/مارس الماضي، تعرضت موانئ الدقم وصلالة ومدينة صحار الصناعية لسلسلة من الهجمات المباشرة بطائرات مسيّرة إيرانية أسفرت عن خسائر مادية فادحة في خزانات الوقود والرافعات، فضلاً عن سقوط ضحايا بين العمال الوافدين.
والمثير أن مسقط امتنعت عن إصدار أي بيان رسمي يدين الاعتداء الإيراني المباشر على سيادتها، واكتفى وزير خارجيتها بدر بن حمد البوسعيدي بإطلاق تصريحات هلامية تحذر من “الاضطرابات الاقتصادية العامة”.
هذا الصمت السياسي العُماني تسبب في زعزعة الثقة بالممرات المائية وشكل مبرراً لشركات الملاحة العالمية لرفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن المتجهة إلى موانئ الخليج كافة بمعدلات قياسية، مما يعني أن المستهلك والدول الخليجية الأخرى باتوا يتحملون فواتير مالية باهظة وتضخماً مستورداً نتيجة لإحجام مسقط عن اتخاذ موقف صارم يردع التحرشات الإيرانية بمصالح المنطقة.
تثير هذه التطورات المخاوف بشأن الجدوى الاقتصادية للمشاريع الاستراتيجية المشتركة التي تعول عليها دول المجلس الخليجي لتنويع مسارات التصدير، وفق ما أوضح الخبير الاقتصادي وضاح الطه، الذي أشار إلى أن مخططات ضخ مليارات الدولارات من الصناديق السيادية الخليجية لإنشاء خطوط أنابيب وممرات نقل برية تنتهي في الموانئ العُمانية المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي بهدف الالتفاف على خطورة مضيق هرمز، بات مستقبلها مهدداً بعد أن ثبت أن تلك الموانئ تحولت إلى أهداف مستباحة للمسيّرات الإيرانية في ظل غياب الحماية العسكرية والسياسية.
وأضاف أيضاً أن مشروع السكك الحديدية الخليجية المشتركة قد يواجه جموداً حتمياً جراء تراجع ثقة المستثمرين الدوليين في تمويل بنية تحتية عابرة للحدود تنتهي في بيئة تشهد استقطاباً وتوترات أمنية ناتجة عن التماهي العُماني مع الأجندة الإيرانية.
واختتم الخبير الاقتصادي حديثه مؤكداً أن المبالغة في الحياد العُماني تجاه إيران، خاصة في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، قد تتحول إلى عامل يحد من قدرة دول الخليج على بناء مواقف موحدة تجاه الملفات الأمنية التي ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد الإقليمي.
من جهته يشير المحلل الاقتصادي الأردني حسام عايش، في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، إلى أن مسقط تبرر حيادها تجاه إيران عبر تصدير صورة تفيد بأن الجغرافيا تفرض عليها الحفاظ على قنوات اتصال إيجابية مع طهران لحماية أمنها القومي.
ورأى أن مسقط تراهن على أنه في حال حدوث انفراج دائم في العلاقات بين طهران وواشنطن، فقد تصبح منصة رئيسية لإعادة انفتاح الاقتصاد الإيراني على الأسواق العالمية، سواء عبر التجارة أو الخدمات اللوجستية أو الاستثمارات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
كما أضاف أن عُمان تسعى أيضاً إلى استنساخ نموذج مشابه لتجربة دبي التاريخية في ثمانينيات القرن الماضي، إذا ما توافرت الظروف السياسية المناسبة، إلا أن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر، إذ إن تعميق العلاقات الاقتصادية مع إيران قد يعرض بعض المصالح العُمانية لضغوط خارجية، سواء من الولايات المتحدة أو من بعض القوى الإقليمية.
وتتغافل هذه المساعي عن الفارق الجوهري بين طبيعة العقوبات الراهنة وحقبة الحرب العراقية الإيرانية، فإن محاولة استنساخ نماذج قديمة للتربح من “اقتصاد الظل” الإيراني في الظروف الحالية تعد مقامرة غير محسوبة العواقب، وتضع عمان في مسار تصادمي مباشر ليس فقط مع واشنطن، بل مع جيرانها الخليجيين الذين سئموا من تحمل كلفة المواقف الرمادية.
Loading ads...
وحول البدائل المتاحة أمام عُمان لتحقيق توازن أكبر بين مصالحها الاقتصادية والسياسية، أوضح عايش أن الخيارات لا تقتصر على العلاقة مع إيران، بل تشمل أيضاً تعميق الشراكات الاقتصادية داخل مجلس التعاون الخليجي، واستقطاب مزيد من الاستثمارات الخليجية، إلى جانب تطوير مشاريع استراتيجية تعزز أمن الطاقة الإقليمي، مثل المقترحات التي طُرحت خلال السنوات الماضية لإنشاء ممرات أو خطوط نقل تربط الخليج ببحر العرب عبر الأراضي العُمانية، بما يخفف الاعتماد على مضيق هرمز ويوفر منافذ تصدير بديلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

