2 أشهر
تذبذب المشتقات النفطية.. لماذا تتغير أسعار الوقود في سوريا كل 72 ساعة؟
الخميس، 22 يناير 2026

في مشهد اقتصادي مرتبك يلقي بظلاله الثقيلة على اليوميات المعيشية للسوريين، باتت أسعار المشتقات النفطية في البلاد تعيش حالة من “السيولة السعرية” غير المسبوقة، حيث لم تعد التسعيرة مجرد رقم ثابت في جداول حكومية، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لاختلالات هيكلية عميقة تضرب جسد الاقتصاد الكلي.
فخلال الشهر الجاري وحده، شهدت الأسواق السورية سبعة تعديلات سعرية متتالية، صعودًا وهبوطًا، بمعدل تغيير يطرأ كل ثلاثة أيام تقريبًا؛ وهو إيقاع متسارع يربطه مراقبون بشكل مباشر بالتذبذبات الحادة في سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مما جعل من “فاتورة الوقود” الشريان الأكثر حساسية وتأثرًا بالأزمات المتراكمة.
أرقام تقود موجة تضخم واسعة
هذه التقلبات التي جعلت لتر المازوت يتأرجح بين 86.8 و93.75 ليرة جديدة، والبنزين “أوكتان 90” يراوح مكانه بين 98.4 و106.25 ليرة جديدة، لم تكن مجرد أرقام عابرة، بل هي في جوهرها محرك أساسي لدوامة تضخمية طالت كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور سامر الرحال، أن حصر الأزمة في مجرد قرارات تسعيرية هو قراءة قاصرة للواقع، مؤكدًا أن أسعار الوقود في سوريا تمثل اليوم “عصب التكاليف”؛ فالتغيير الفوري في سعر المادة لا يقف عند محطات الوقود، بل ينتقل بسرعة البرق إلى قطاعات النقل، الصناعة، الزراعة، وصولاً إلى رغيف الخبز وسلة الغذاء الأساسية، مما يكرس حالة من “تضخم دفع التكاليف” التي تنهك القدرة الشرائية للأسر السورية وتدفع النشاط الاقتصادي نحو نفق “الركود التضخمي” المظلم، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الثورة”.
ويعزو هذه الهشاشة السعرية إلى عوامل بنيوية، أبرزها محدودية الاحتياطي من القطع الأجنبي وتعدد أسعار الصرف، ما يجعل الاقتصاد السوري عرضة للصدمات عند أي اهتزاز في سوق الصرف.
كما يشير الرحال إلى أن الدولة السورية، التي اعتمدت لسنوات طويلة على سياسة الدعم الواسع للمحروقات كأحد أكبر بنود الإنفاق العام، وجدت نفسها اليوم أمام عجز متسع وإيرادات متراجعة، مما اضطرها للتخلي التدريجي عن مستويات الدعم السابقة واللجوء إلى تعديلات سعرية مفاجئة لتقليص الفجوة المالية، وهو ما أدى بدوره إلى زعزعة الثقة بالسياسات الاقتصادية وتوسيع رقعة الأسواق غير الرسمية “السوداء” التي تقتات على ندرة العرض واختلالات التوزيع.
من زاوية أخرى، يضع الخبير الاقتصادي حسام عايش يده على الجوانب اللوجستية والجيوسياسية التي تعقد المشهد، مشيرًا إلى أن العجز المحلي في الإنتاج، والناجم عن تضرر المنشآت النفطية أو وقوع بعضها في مناطق خارج سيادة الدولة كحقول النفط في شرق الفرات، يفرض على دمشق الاعتماد المتزايد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي، ولا سيما في ذروة فصل الشتاء.
وقال إن هذا الاعتماد يجعل السوق السورية رهينة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية وللمتغيرات السياسية في الدول الموردة، فضلًا عن تعقيدات الشحن ومخاطر النقل الناتجة عن العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، مما يرفع تكاليف الوصول إلى المادة الخام ويجعل عملية التسعير المحلية في حالة ارتباك مستمر أمام تقلبات الدولار، خاصة مع إصدار العملة الجديدة التي لم تتبلور ملامح استقرارها الكامل بعد.
مخارج ممكنة من الأزمة
في محاولة لتقديم مخارج عملية لهذه الأزمة المركبة، يطرح عايش حزمة من المقترحات تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة، داعيًا إلى تبني سياسة تسعير دورية واضحة (أسبوعية أو شهرية) تستند إلى مرجعيات عالمية شفافة، بما يمنح الفعاليات الاقتصادية والجمهور قدرة على التنبؤ والتخطيط.
كما يشدد على ضرورة الإسراع في تأهيل الآبار النفطية المحلية لرفع معدلات الإنتاج، وبناء احتياطي استراتيجي من المشتقات النفطية يعمل كـ “صمام أمان” يتدخل في أوقات الذروة أو الأزمات العالمية، مع تنويع مصادر الاستيراد لتقليل مخاطر التبعية لسوق واحدة.
Loading ads...
وتكشف أزمة تذبذب أسعار الوقود في سوريا أن هناك غياب بالاستقرار النقدي والمالي، كما ينذر استمرار النهج الحالي بتهديد الاستقرار المعيشي للمواطنين، وتآكل ما تبقى من دعائم النشاط الاقتصادي، مما يجعل من إصلاح “ملف الطاقة” بوابة إلزامية لأي تعافٍ حقيقي وشامل ينشده الاقتصاد السوري في المديين المتوسط والبعيد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




