بعد 110 أيام من حرب بدت في أسابيعها الأولى وكأنها تتجه إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، اختارت واشنطن وطهران أخيراً طريق التسوية، معلنتين التوصل إلى اتفاق يوقف القتال ويخفض مستوى التوتر الذي دفع المنطقة إلى حافة اضطراب اقتصادي وأمني واسع.
الحرب التي انطلقت في 28 فبراير وأعلن توقيع اتفاق وقفها في 17 يونيو، تُبرز سؤالاً شديد الأهمية، مفاده: بعد صمت الصواريخ والطائرات، وعودة السفن إلى الإبحار عبر مضيق هرمز، من خرج رابحاً من هذه المواجهة، ومن اضطر إلى تقديم التنازلات؟
عند تسليط الضوء على الاتفاقية نجد أن بنودها ضمت:
وقف شامل وفوري للعمليات العسكرية بين واشنطن وطهران مع التزام متبادل بعدم استخدام القوة، وباحترام السيادة.
إطلاق مفاوضات خلال 60 يوماً قابلة للتمديد للوصول إلى اتفاق نهائي يثبت وقف الحرب ويعالج الملفات العالقة.
الإبقاء على الوضع القائم مؤقتاً حتى التوصل إلى الاتفاق النهائي، مع الامتناع عن أي تصعيد عسكري أو سياسي جديد.
رفع الحصار البحري عن إيران خلال 30 يوماً واستعادة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب.
التزام إيران بتأمين الملاحة في الخليج وبحر عمان لمدة 60 يوماً.
تأكيد إيران عدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، مع معالجة ملف المواد المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إنهاء العقوبات على إيران وفق جدول زمني يتم التفاوض عليه بين الطرفين.
السماح بتصدير النفط الإيراني والإفراج عن الأصول المجمدة وتخفيف القيود الاقتصادية.
إنشاء آلية رقابية مشتركة لمتابعة التنفيذ، على أن يُعتمد الاتفاق النهائي بقرار من مجلس الأمن الدولي.
عند قراءة بنود الاتفاق المعلنة، يبدو أن الكفة تميل سياسياً واقتصادياً لصالح إيران، فيما حققت الولايات المتحدة مكاسب أمنية محدودة ومؤقتة، أهمها إنهاء حرب مكلفة وضمان تدفق الطاقة العالمية ومنع انفجار نووي جديد خلال فترة التفاوض.
وخرجت طهران من الاتفاق بحزمة مكاسب شملت تخفيف للحصار البحري خلال ثلاثين يوماً، واستئناف تصدير النفط وإجراء التعاملات المالية، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وفتح مسار تفاوضي يهدف إلى رفع العقوبات تدريجياً.
ولعل المكسب الأبرز بالنسبة لإيران يتمثل في احتفاظها بمخزونها من اليورانيوم المخصب داخل أراضيها.
في المقابل، تمكنت الإدارة الأمريكية من تحقيق عدة أهداف؛ فقد أوقفت حرباً استنزفت الموارد وأثارت انتقادات داخلية وخارجية.
من جانب آخر، ضمنت إعادة فتح مضيق هرمز، وحصلت على تعهد إيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، مع تجميد الأنشطة النووية الحساسة طوال فترة المفاوضات المقبلة.
غير أن الاتفاق لا يبدو أنه قدم إجابات نهائية عن أكثر الملفات تعقيداً. فهو لا ينهي برنامج إيران النووي، ولا يوقف عمليات التخصيب بشكل كامل، كما أنه لا يفرض إخراج المواد المخصبة من البلاد. كذلك تغيب عنه ترتيبات واضحة تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني أو بالدور الإقليمي لطهران وشبكة حلفائها في المنطقة.
الحرب من الإندلاع إلى التوقيع
منذ اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران في 28 فبراير 2026، حتى إعلان الاتفاق كانت هناك عدة محطات، بدأت بالأهداف الأمريكية الإسرائيلية المعلنة للحرب، التي شملت: إسقاط النظام الإيراني، ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير برنامجها الصاروخي وطيرانها المسيّر وأسطولها البحري، والقضاء على وكلائها في المنطقة.
وتوسعت دائرة الهجمات الإيرانية لا سيما مع اغتيال المرشد علي خامنئي، وأغلقت إيران مضيق هرمز؛ ما أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار.
وتواصلت الضربات الأمريكية على البنية العسكرية الإيرانية واتسع القتال إقليمياً ليشمل لبنان وتدخل حزب الله.
وفي 8 أبريل توصلت طهران وواشنطن إلى إعلان وقف إطلاق نار مؤقت، وصف لاحقاً بـ"هدنة هشة" رافقتها هجمات إيرانية على مواقع خليجية واستهداف أمريكي لمواقع إيرانية، تزامنت مع مفاوضات قادتها باكستان.
وتفيد تقديرات عسكرية أمريكية، أن الحرب تسببت بتدمير ثلث الترسانة الإيرانية، فضلاً عن تضرر أو دُفن جزء كبير من الثلثين المتبقيين.
وتشمل الخسائر الإيرانية تدمير 800 و3000 صاروخ، وأكثر من 1500 صاروخ و6000 طائرة مسيّرة جرى اعتراضها، فضلاً عن تدمير 161 زورقاً وسفينة، وتعطيل نحو 82% من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.
الباحث في الشؤون الدولية د. طارق عبود، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين" يرى أن الأهداف الأمريكية الإسرائيلية من الحرب "لم يتحقق منها أي هدف"، وعليه يقول إنّ نتائج الحروب تقاس "بما يُسيّل على طاولة المفاوضات مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية".
ومن خلال قراءة موضوعية للبنود في ورقة التفاهم؛ يؤكد عبود أن "واشنطن خسرت الحرب، ولم تنتصر فيها، وأنّ إيران لم تكن لتحلم أن تتحقق كل هذه المطالب دفعة واحدة ومع خصم شرس ونرجسي كالرئيس دونالد ترامب".
من جانب آخر يلفت عبود إلى أن العالم سيكون "أمام واقع جيوسياسي جديد"، مبيناً أن خوض واشنطن وتل أبيب حرباً تُشن فيها أكثر من عشرين ألف غارة دون أن يستطيعا كسب الحرب، لم يكن أمراً عادياً، لذلك فإنّ "واقعاً جديداً فرضته هذه الحرب، في منطقتنا وفي العالم".
وأوضح أن من صور الواقع الجديد:
العودة الى الحرب أصبحت أكثر صعوبة.
التهديد بالحرب أصبحت مفاعيله ضعيفة ومتراجعة.
العقوبات لم تأتِ أُكلُها.
طرأ فاعل جديد شديد التأثير هو مضيق هرمز، الذي تبيّن أنه بمثابة قنبلة نووية اقتصادية، تستطيع إيران التلويح به، في حال تعرضها لعقوبات أمريكية أو عدوان جديد.
من جانب آخر، يشير المحلل السياسي إلى أن بقاء البرنامج النووي الايراني داخل الأراضي الإيرانية وعدم تفكيكه وتدميره، كما حصل مع ليبيا، هو "انتصار لإيران".
وأضاف أن الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني "كانت قائمة قبل الحرب، وفي اتفاقية العمل الشاملة المشتركة 2015 ولكن الرئيس دونالد ترامب هو الذي مزقها وخرج منها، لذلك فإن بقاء البرنامج داخل إيران هو خسارة صافية لواشنطن وتل أبيب".
Loading ads...
وفي ختام حديثه يؤكد عبود أن "واشنطن فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافها من الحرب، بل دفعت أثماناً كبيرة لوقفها".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






