يخلط الرئيس الأميركي الأوراق كلما سنحت الفرصة لفعل ذلك. يغازل الإدارة السورية من جهة، لكنه يدافع بشراسة عما يسميه مصالح إسرائيل في المنطقة. تُسرّب الصحافة الأميركية ما تقول إنه ضوء أخضر أميركي لتل أبيب لضرب لبنان أو تحييد حزب الله، تمهيداً لحرب مع إيران. ثم يطالبنا الرئيس الأميركي بمتابعة الأحداث لمعرفة ما ستفعله الولايات المتحدة تجاه إيران، التي يؤكد أن المساعدة الأميركية في الطريق إليها.
لكن لفهم موقع إيران في رؤية ترمب للشرق الأوسط، لا يكفي التوقف عند التصريحات الصاخبة أو التغريدات عبر "تروث سوشيال"، وإنما يجب قراءة البنية العميقة لخطابه السياسي، حيث تتحول الدول من كيانات ذات سيادة إلى أدوات وظيفية داخل مشروع أوسع يقوده البيت الأبيض لإدارة النفوذ. ترمب لا يتعامل مع المنطقة بوصفها فضاءً للتسويات التاريخية أو التوازنات الدقيقة فقط، وإنما كساحة اختبار دائمة للقوة والانضباط والقدرة على الامتثال.
في هذا الإطار، تخرج إيران من كونها خصماً تقليدياً تتبادل مع أميركا التصريحات المضادة، وتدخل موقع النموذج الذي تُقاس عليه حدود الصراع وحدود الاحتمال، والنموذج الذي تُرسل عبره الرسائل إلى ما حوله، سواء كان حليفاً للولايات المتحدة أو عدواً لها.
خطاب ترمب تجاه طهران لا ينتمي إلى مدرسة الردع الكلاسيكي، ولا يستند إلى منطق الحرب الباردة أو الدبلوماسية المتدرجة. هو خطاب يقوم على تفكيك الخصم معنوياً قبل إنهاكه سياسياً، وعلى تحويل الداخل الإيراني إلى نقطة ضغط دائمة على النظام، وعلى استخدام الكلمات كما تُستخدم العبارات القاطعة في السياسة الدولية. من هنا، يصبح استدعاء الشارع، والتلويح بدعم الاحتجاج، والحديث عن المحاسبة، جزءاً من معركة تُدار فوق مستوى الجيوش وتحت مستوى الحرب الشاملة.
ترمب لا يخاطب طهران من موقع الندّ الذي يبحث عن تسوية، ولا من موقع الخصم الذي يريد حرباً شاملة، بل من موقع من يسعى إلى إبقاء النظام الإيراني في حالة استنزاف مستمر..
لا بد من الإدراك هنا أن إيران ليست الهدف النهائي في الخطاب الأميركي، بقدر ما هي الأداة الأكثر فاعلية – الآن – لإعادة هندسة المشهد الإقليمي. فحين يدعو الرئيس الأميركي الإيرانيين علناً إلى النزول إلى الشارع والسيطرة على المؤسسات، ويقدّم نفسه – ولو خطابياً – بوصفه منحازاً إلى الشعب في مواجهة النظام، فهو لا يمارس ضغطاً سياسياً تقليدياً على طهران، بل يؤسس لنمط جديد من الصراع، تُستخدم فيه اللغة بوصفها سلاحاً، والاحتجاج بوصفه احتمالاً دائماً، والدولة بمفهومها التقليدي ورقة قابلة للنزع، لا قيمة ثابتة.
في هذا السياق، لا تظهر إيران في الخطاب الأميركي كدولة ذات سيادة مكتملة الأركان، بل كنظام هشّ، قابل للاهتزاز، عدو، ومفتوح على التآكل من الداخل. ترمب لا يخاطب طهران من موقع الندّ الذي يبحث عن تسوية، ولا من موقع الخصم الذي يريد حرباً شاملة، بل من موقع من يسعى إلى إبقاء النظام الإيراني في حالة استنزاف مستمر، يقوم على الإضعاف الداخلي الذي يحدّ من قدرته على تصدير نفوذه واستخدام أدواته الإقليمية، بهدف إعادة إنتاجه أو ترسيخه – بتعبير أدق – في المخيال الدولي بوصفه مصدراً دائماً لعدم الاستقرار الإقليمي.
الأهم – الذي يجب إدراكه إقليمياً – في هذا الخطاب، أن الولايات المتحدة لا تعِد بإسقاط النظام الإيراني، ولا تُلوّح بذلك كهدف فوري، لكنها تتعمّد ترك هذا الاحتمال معلقاً في الهواء، كتهديد دائم لا يتحقق، لكنه لا يزول في الوقت ذاته. الهدف هنا أميركياً ليس الحسم، بل الشلل؛ ليس التغيير السريع، وإنما إنهاك القدرة على المبادرة، وصولاً إلى خلطة النظام الإيراني المُشتهى، المنشغِل بتأمين جبهته الداخلية، الخائف من الشارع، المراقِب دائماً للخطاب الأميركي. وفي هذه الحالة، تفقد طهران أي قدرة على المغامرة الإقليمية أو فرض الشروط في ملفات أخرى، وإن عكست التصريحات السياسية والعسكرية الإيرانية غير ذلك.
بعيداً عن العالَم الغربي، تمثّل إيران صورة واضحة ومختبراً نموذجياً لسياسة ترمب الأوسع: إدارة الخصوم عبر الضغط النفسي والسياسي، لا عبر الاتفاقات الطويلة أو الحروب المفتوحة. وهي رسالة تتجاوز إيران نفسها لتصل إلى الإقليم بكامله – باستثناء إسرائيل – مفادها أن الولايات المتحدة، في عهد ترمب، لا تسعى إلى إعادة تأهيل الأنظمة الخارجة عن خطها، وإنما إلى إبقائها في موقع الدفاع، فاقدة للتوازن، ومُدركة أن شرعيتها ليست محصّنة، وأن استقرارها مشروط بمدى انضباطها داخل الخط الذي ترسمه واشنطن.
لم يتحدث الرئيس الأميركي في مقاربته للاحتجاجات في الشارع الإيراني عن أي قيمة أخلاقية أو مبدئية مرتبطة بفكرة ديمقراطية الشعوب التي تروّج لها الولايات المتحدة عبر تاريخها. فالمظاهرات، في الخطاب السياسي الترمبي، ليست تعبيراً عن حق عام، ولا دعماً لحرية سياسية، وإنما أداة من أدوات القوة والسطوة الأميركية التي يمكن استخدامها عبر البحار.
في هذا السياق، يتحول الشارع من فضاء اجتماعي إلى عنصر في معادلة الردع، وتصبح الفوضى المحتملة أداة سياسية تُلوّح بها واشنطن عند الحاجة. الرسالة التي يبعثها ترمب إلى المنطقة واضحة وقاسية في آن واحد: الاستقرار ليس حالة طبيعية ولا حقّاً مضموناً، وإنما مكافأة سياسية تُمنح لمن يلتزم، وتُسحب ممن يخرج عن الخط. هكذا تُعاد صياغة العلاقة بين القوة والشرعية، حيث لا تُقاس الأنظمة بمدى تمثيلها لمجتمعاتها، وإنما بمدى انضباطها داخل النظام الدولي الذي تفرضه الولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم ما يريده ترمب من المنطقة العربية، وهي رغبات محددة وخالية من أي غلاف قيمي. الرغبة الأولى تتعلق بالمال، مجرداً من أي خطاب أخلاقي. المنطقة العربية، في نظره، فضاء اقتصادي مفتوح لصفقات السلاح، وسوق استثمارية ضخمة، ومصدر تمويل مباشر لنفوذ الولايات المتحدة العالمي، من دون أي التزام أميركي بدعم مشاريع تغيير حقيقية. في المقابل، يعرض ترمب حماية مشروطة، ودعماً سياسياً وظيفياً، وصمتاً كاملاً تجاه ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان. المعادلة هنا صريحة: الدفع يقابله الأمان، وإثارة الأسئلة القيمية تفتح باب الضغط والابتزاز.
الرغبة الثانية تتمثل في اصطفاف عربي حاسم في مواجهة إيران بلا تردد أو مناطق رمادية. في تصور ترمب، لم يعد مقبولاً البقاء في منتصف المسافة أو اللعب على التوازنات. المطلوب اختيار واضح، ونهاية لسياسة الحياد الحذر، وانتقال من حالة التعايش مع الصراع إلى الانخراط في جبهة سياسية واحدة. هذا لا يعني الذهاب إلى حرب شاملة، فذلك خارج حساباته المباشرة، كما يبدو من تصريحاته وكما يظهر من توزّع القطع العسكرية الأميركية في العالم. المطلوب هو حصار سياسي متواصل، وتجفيف منظم لمصادر النفوذ، وتحميل المنطقة العبء الأساسي للمواجهة غير المباشرة.
الولايات المتحدة، وفق هذه الرؤية، لا تخوض المعارك نيابة عن أحد. دورها يقتصر على إدارة الصراع، وتوفير أدواته، وضبط إيقاعه، ثم تحصيل ثمنه سياسياً واقتصادياً. أما كلفة المواجهة وتداعياتها، فتُترك لحلفاء الإقليم. وضمن هذا الإطار تتكشّف سياسة ترمب بوصفها سياسة إدارة مصالح عارية، لا تبحث عن استقرار دائم، ولا عن حلول نهائية، وإنما عن نظام إقليمي قابل للضبط، قابل للضغط، ومُربِح إلى أقصى حدّ.
في تصور دونالد ترمب للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، تتقدم إسرائيل إلى موقع القلب لا الأطراف، المتن لا الهامش، وتُقدَّم بوصفها الركيزة التي يُبنى حولها التوازن الجديد. الإدارة الأميركية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها نقطة الارتكاز الصلبة في منطقة مضطربة، وقاعدة يمكن التعويل عليها لضبط الإيقاع الأمني والسياسي في المشهد الأعم، وعقدة مركزية تجمع بين التفوق العسكري والقدرة الاستخبارية والتقدم التكنولوجي.
هذا التصور الأميركي – الإسرائيلي لا ينفصل عن عقلية ترمب التجارية والسياسية في آن واحد. في التاريخ الأميركي، لطالما فُضّلت الكيانات التي تُجيد الاعتماد على نفسها وتُنتج القوة بدلاً من استهلاكها. إسرائيل، في نظر ترمب، تمثل هذا النموذج: دولة قادرة على حماية نفسها، تصدّر التكنولوجيا، تدير منظومة أمنية عالية الكفاءة، وتعمل كشريك لا يثقل كاهل واشنطن بطلبات دائمة للحماية المباشرة. هكذا تُقدَّم مكانة إسرائيل كمركز استقرار عملي، لا كقضية أخلاقية أو رمزية، وكشريك أمني يُجيد العمل الميداني، وكمركز تكنولوجي واستخباري يخدم إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح واشنطن.
مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة يجب أن تُقرأ من الزاوية الأميركية ذاتها: سياسة بلا أوهام، تحالفات بلا عواطف، وضغط مستمر يُدار بعناية.
في المقابل، تتراجع مكانة الدول العربية في هذا التصور من موقع الشريك المتكافئ إلى موقع الوظيفة الإقليمية. تُنظر إليها كأطراف اندماج في منظومة تقودها إسرائيل – ويمكن هنا مراجعة الحديث المتكرر عن الاتفاقات الإبراهيمية باللسان الأميركي – وأسواق مفتوحة للاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا، وخطوط دفاع متقدمة تمتص التوتر وتحمل العبء الجغرافي للصراعات. هذا المنطق يعيد إنتاج مقولة أميركية قديمة مفادها أن القوة لا تُدار بالعواطف، وإنما بتوزيع الأدوار. لكل طرف موقعه، ولكل موقع كلفته، ومن يملك المركز يملك القرار.
ضمن هذا الإطار، تُعاد مقاربة القضية الفلسطينية بطريقة باردة ومحسوبة أميركياً. لا تُلغى القضية من الخطاب، غير أنها تُدفع إلى الهامش بقوالب جديدة، ويُعاد تعريفها بوصفها ملفاً إدارياً مؤجلاً. حضورها يصبح مشروطاً بمدى خدمتها لإعادة ترتيب الإقليم بقيادة إسرائيل، وبقدرتها على التكيف مع النظام الجديد الذي تُرسم حدوده من فوق، لا من خلال مسارات تفاوضية طويلة. وهنا على الفاعلين في المنطقة إدراك غياب فكرة الحل العادل الشامل، والتعامل من منطق إدارة المشكلة أو الأزمة خلال سنوات حكم ترمب المتبقية وتقليص كلفتها.
هذا الفهم يتوافق مع تقليد أميركي راسخ عبّرت عنه أمثال السياسة الواقعية منذ القرن التاسع عشر: من يملك القوة يرسم الخريطة. ترمب، في خطابه وممارسته، لا يسعى إلى تسوية تاريخية في الشرق الأوسط، وإنما إلى نظام يمكن التحكم به، تُمسك إسرائيل بمفاتيحه الأساسية، وتتحرك بقية الأطراف ضمن مساحات محددة سلفاً. هكذا يصبح الاستقرار وظيفة، والتحالف عقد مصلحة، والسياسة لعبة مراكز لا مساحة فيها للنوستالجيا أو الشعارات الكبرى.
Loading ads...
مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة يجب أن تُقرأ من الزاوية الأميركية ذاتها: سياسة بلا أوهام، تحالفات بلا عواطف، وضغط مستمر يُدار بعناية. قد تبدو هذه الرؤية قاسية أو فجّة، غير أنها تتناغم تماماً مع شخصية رئيس يؤمن أن العالم لا يُدار بالنيّات الحسنة، وإنما بالقوة والصفقة والقدرة على جعل الآخرين يفكرون مرتين قبل أن يخرجوا عن خريطة الطريق. فسياسة ترمب تجاه منطقتنا لا يمكن قراءتها بوصفها سلسلة مواقف متفرقة أو ردود أفعال آنية، وإنما امتداد مباشر لشخصيته نفسها: رجل يرى العالم من زاوية المصالح، ويقيس النفوذ بلغة الربح والخسارة، ويؤمن أن الغموض أداة قوة لا علامة ضعف. ترمب لا يسعى إلى نظام إقليمي عادل، ولا يطمح إلى سلام تاريخي يُدوَّن في الكتب – رغم هوسه بالبقاء في التاريخ – وإنما يبحث عن ترتيب قابل للإدارة، ويخضع للضغط، ويستجيب لمن يملك مفاتيح السوق والاقتصاد والأمن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





