"عواصم جديدة للدعارة"؛ عنوان صادم لمقال كتبه الطبيب والكاتب والمفكر المصري مصطفى محمود (1921–2009)، برفقة مقالات أخرى تضمنها كتابه الشهير "المؤامرة الكبرى" (1993)، وافتتحه بفقرة صادمة، قال فيها: "أمستردام وبودابست تنافس الآن بانكوك كعواصم للدعارة في قلب أوروبا، وفي هولندا، والمجر، فتيات العائلات تزاحم المومسات في المهنة، وهناك محطات تليفزيونية متخصصة في السكس، وأفلام السكس تذيع أفلامها من أقمار صناعية تابعة للدنمارك لمدة ثلاث ساعات متواصلة بعد منتصف الليل لكل فنون الفُحش على الشاشة الصغيرة للمشاهدين هواة السهر من كل سن، ولا رقابة ولا محظورات من أي نوع".
ما سبق، كتبه مصطفى محمود في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي بعد أن تجاوز السبعين من عمره، وهي المرحلة التي حفلت بهجومٍ صارخ منه على الغرب، سواءً في كتبه أم في برنامجه التلفزيوني الشهير "العلم والإيمان". لكن هل كان محمود يرى أوروبا بالنظرة ذاتها في النصف الأول من حياته؟ الإجابة لن نجدها في كتبه الفكرية المتأخرة، لكن في الكتب التي سرد فيها بعضاً من رحلاته للخارج في النصف الأول من حياته.
من بين عشرات الكتب المتنوعة التي أصدرها مصطفى محمود منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى وفاته عام 2009، لم تحفل مسيرته الأدبية إلا بخمسة كتب فقط في عالم الرحلات، بدأها بكتاب "الغابة" (1963) عن رحلاته في بعض البلدان الإفريقية.
وبعد ست سنوات أصدر كتاب "مغامرة في الصحراء" وتحدث فيه عن جولاته في ليبيا وتونس والجزائر، ثم كتاب "حكايات مسافر" (1971)، وفيه استفاض في وصف ما قابله في عدد من الدول الأوروبية التي زارها.
المفارقة أنه في العام نفسه صدر له كتاب "الطريق إلى الكعبة" عن رحلته لأداء فريضة الحج، وفي عام 1982 أصدر كتاب "من أمريكا إلى الشاطئ الآخر"،الذي لا يُعد من أدب الرحلات، كونه يضم مجموعة مقالات سياسية وفكرية، لكن بين سطور تلك المقالات نجده يذكر النذر اليسير من رحلاته إلى أمريكا وإنكلترا واليونان ويوغسلافيا.
في الكتب الخمسة نستشف ما يريد مصطفى محمود إيصالَه لقارئه، فالرجل كان بارعاً في اختيار العناوين الجاذبة رنانة الصدى كما في جميع كتبه، والحال كذلك مع عناوين الفصول أو المقالات داخل كتب الرحلة بشكل عام، وعناوين كتاباته عن الغرب بشكل خاص، فمثلاً لديه مقال بعنوان "الليالي الحمراء في ألمانيا"، وآخران أسماهما "فلسفة الجسم العاري"، و"التفكير بطريقة جنسية".
في كتابه "حكايات مسافر" يروي مصطفى محمود أنه لما زار ألمانيا سار لمدة ساعة في الشوارع، واصفاً تلك اللحظة بقوله: "كان شكلي بشعري الأكرت وشفتي الممتلئتين مصيدة للابتسامات في طول هامبورج وعرضها. وكان كل ألماني ينظر إليّ ويبتسم وكل ألمانية تغمز لي بعينيها وتضحك".
لكن الطريف أن مصطفى محمود الذي استهل حديثه عن ألمانيا بوصفها بأنها "بلاد مهذبة جداً. كل شيء فيها يتم وفقاً لجدول وبرنامج وحصص محددة"، حكى بعدها قصة غريبة، قال فيها إن أحد البائعين دلَّه على شارع "الريباربان" ليتحصل فيه على "كوب من البيرة وحورية في لون الفل".
يقول مصطفى محمود إن البائع نصحه بألا يقول لأي فتاة ألمانية: "أنتِ بيضاء مثل اللبن وخدك تفاحي"، لأنها تعد شتائم عندهم، أو كما قال: "اللبن والتفاح هما أرخص الأشياء في ألمانيا"، والأولى أن يقول لها: "أنت سمراء وكحيلة وعيونك سود".
راح مصطفى محمود "يبرطع" -على حد تعبيره- في الشارع المقصود، فوجد صفّين من الملاهي، وعلى كل ملهى يقف رجل يدعو المارة بخمس لغات، ويصيح: "عرايا من كل نوع، ولوحات حية لا تُنسى... ساعات من العمر هي أجمل ما في العمر... تعالَ إلى جناتنا يا صاح واترك همومك على الباب".
لكن هناك ملاحظة فريدة أشار إليها مصطفى محمود، وهي أن شارع الريباربان "من أجل السواح فقط"، وأن كل الوجوه التي رآها هي "وجوه زنوج ويابانيين وصينيين وروس وإنجليز وفرنسيين وأمريكان، وليس بينها وجه ألماني واحد (...) حتى الممثلات والراقصات كُنّ من الأجانب".
ولم ينسَ مصطفى محمود أن يختم حديثه عن نساء ألمانيا بموقف دار بينه وبين سائق تاكسي، قال له: "إن البنت عندنا حرة تفعل ما تشاء قبل الزواج"، فرد عليه بمفارقة عربية لم يفهمها الرجل قائلاً: "يوم الأحد تذهبون فيه إلى الكنسية في الصباح وإلى عشاقكم في المساء".
من النادر أن يحدد مصطفى محمود العام الذي زار فيه هذا البلد أو ذاك، لذلك كانت باريس من المدن المحظوظة بالتأريخ في رحلات الكاتب المصري حين حدد أنها كان يتجول فيها عام 1957.
في هذا العام، أو ربما قبله بأشهر قليلة كان مصطفى محمود قد أصدر كتابه المثير للجدل "الله والإنسان" ليكشف عن أفكاره التي جعلت البعض يراه مُلحِداً بعدها. من تلك المفارقة يمكن التكهن لماذا حظيت باريس والغرب بتقديره، بينما وجّه غزير الانتقاد للعرب أجمعين، رغم عنوان "فلسفة الجسم العاري" الذي اختاره لرصد ملاحظاته على رحلة فرنسا في كتابه "حكايات مسافر".
استهل مصطفى محمود حديثه عن باريس بقوله: "كل شيء في باريس يُعرَض بلغة الجسم العاري. إعلانات القمصان، إعلانات العطور، الدعايات السياسية، آخر دواء منوم، حتى طوابع البريد، تصدر لك مصلحة البريد طابعاً عليه رسم عريان".
ورغم ذلك، نراه يُفسر ذلك العري المتفشي بقوله: "الجسم العاري هنا لغة غنية مثل الأدب والموسيقى لها نقاد وهو أيضاً سلعة لاجتذاب أموال السائح الشرقي". واختار مصطفى محمود "الشرقي" تحديداً ليلومه على اهتمامه بالجنس، لأنه "طبيعي جداً أن يتوقف الشرقي الذي جاء من بلاد البراقع والعباءات أمام هذه الوفرة من الأجسام العارية المعروضة في الفاترينات (...) ولم أرَ في الإفراط الواضح في عرض الجسم العاري إثارة، بقدر ما رأيت فيها تجارة واحتيال بهدف النشل السريع الذكي لأموال السائح العربي"، على حد تعبيره.
باريس في نظر مصطفى محمود "كالمرآة سوف تعكس لك ما في نفسك، فإذا لم ترَ فيها سوى الدعارة فلأنك داعر ليس في رأسك سوى الدعارة، وليس الذنب ذنب باريس وإنما الذنب ذنبك".
في كتابه "حكايات مسافر" يروي مصطفى محمود حوارات مطولة يقودها "شاب أسود أفريقي" في إنكلترا، والمستمعون "عدة مئات من الإنجليز والبِيض من مُختلف الجنسيات"، على رأسهم "خنفس شعره ناعم ومسترسل".
يحتد النقاش بين الإفريقي الذي يصفه مصطفى محمود بـ"الزنجي"، والإنكليزي الذي كَنّاه بـ"الخنفس"، فيقول الأخير للأول: "أليس أولى بكم أن تحاولوا إحراز البطولات في ميادين القتال بدلاً من إحرازها في الفراش". يرد "الزنجي" ساخراً من طول شعر الشاب الأبيض: "اعذرني يا سيدي أقصد يا سيدتي. الحق أننا لم نعد نعرف كيف نميز بين الرجال والنساء في لندن".
قد نستشف من هذا الحوار وغيره من الحوارات في الكتاب ميلَ مصطفى محمود لوجهة نظر الشاب الإفريقي، لكن حقيقة الأمر غير ذلك تماماً، فالرجل اعتبر الحوار "يستحق وقفة طويلة"، على حد تعبيره.
يرى مصطفى محمود أننا أصبحت لدينا عادة "أن نشير إلى انهيار الغرب ونستشهد بما يجري من قبلات في شوارع باريس لنقول: باريس الداعرة، ونصور شعور الأولاد المرسلة الطويلة في لندن لنقول: لندن الساقطة، ونهلل لخفض الإسترليني، ونقول: انتهت الرأسمالية، أكلتها التناقضات (...) هل انهار الغرب حقيقة اقتصادياً وأخلاقياً؟ (...) لن ينهار الغرب بسبب تبادل القبلات وإطالة الشعر وتخفيض الجنيه، ولكنه سوف ينهار إذا أنتجت الكتلة الشرقية إنتاجاً أجوَد، وإذا أصبحت الصناعات الغربية صناعات من الدرجة الثانية غير مطلوبة، والفنون الغربية فنوناً من الدرجة الثانية وغير مطلوبة".
ويضيف مصطفى محمود: "ما زلنا نفهم الشرف في بلادنا الشرقية بمفهوم ضيق جداً، فالشرف عندنا هو صيانة الأعضاء التناسلية، وللأسف ما زلنا نفهم الشرف بهذا المعنى، ونحاول نحكم على الشعوب بنفس المستوى: باريس داعرة لأنها تتبادل القبلات في الشوارع. إنجلترا انهارت لأن الرجال أطالوا شعورهم. لندن هي الشذوذ الجنسي، وننسى أن في القاهرة أيضاً شذوذاً جنسياً". ثم يختم رسالته بحسمٍ بقوله: "التفكير بطريقة جنسية سوف يجعلنا مثل هذا الزنجي الذي يتفاخر بقوته الجنسية".
بعد أن أكد مصطفى محمود في رحلاته في النصف الأول من حياته أنّ الغرب لن يسقط بسبب الجنس، عاد بعد قرابة نصف قرن ليجعل الجنس نفسه سبباً في سقوطهم.
في كتابه "المؤامرة الكبرى" (1993)، قال: "سوف يسقط العملاق الغربي بنفس الداء ودون أن يطلق عليه المسلمون رصاصة واحدة، سوف يموت من الداخل، هذه المرة بمرض مختلف اسمه الترف والوفرة والشبع والتخمة وعبادة الشهوات والغرق في الملذات".
ثم يضيف مؤكداً بيقين: "كعادة كل حضارة مُترفة تزدهر فيها فنون الانحلال، وقد وصلتنا بشائرها: سينما العنف ومسرح العبث وغناء العهر وروايات الجنس (...) فنراهم يقننون الشذوذ، ويحتفلون بزواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء (الموت هذه المرة سيكون من الداخل… من داخل البدن الذي تهرّأ وأصبح خواء من فرط الملذات".
نظرة مصطفى محمود للغرب لم تكن الوحيدة التي بدّل فيها آراءه، فنحن على مدار مسيرته أمام نسختين من الرجل، كلٌّ منهما تشبه الزمن الذي بزغت فيه. النسخة الأولى بَدَتْ ثائرة متمردة رافعة لواء العلم ضد الرجعية والخرافة، تتماس مع الحقبة الخمسينية من القرن الماضي، بالتزامن مع ثورة تموز/ يوليو 1952، كما في كتابه الأول "الله والإنسان"، الذي أثار جدلاً واسعاً وقت ظهوره بسبب جرأة أفكاره التي اعتبرها منتقدوه تروّج للإلحاد.
أما النسخة الثانية فتزامنت مع موت زعيم الثورة، الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عام 1970، وهو العام الذي أصدر فيه مصطفى محمود كتابه "رحلتي من الشك إلى الإيمان" ليمحو من خلاله كل أفكاره السابقة، ويصبح بسببه مع بقية كتبه رأس حربة في ما عُرِفَ في مصر آنذاك "زمن الصحوة الإسلامية"، وفيه برزت أفكارٌ تدعو لتديين العلوم والبحث في القرآن الكريم عما سُمِّيَ وقتها بـ"الإعجاز العلمي".
Loading ads...
ربما لهذا السبب، وُضِع مصطفى محمود في مرمى سِهام معارضيه في حياته وحتى بعد وفاته، إذ كيف لمفكّر أن يغيّر رؤاه للدين والغرب والعلم بحسب التغير في توجهات الواقع السياسي؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






