هناك فارق كبير بين أن يصنع الفنان "ترينداً"، وأن يكتشف ذات يوم أنه صار يبحث عنه.
في البدايات، كان المُغنّي يقف في نهاية المعادلة. يأتي الشاعر بالكلمة، ثم الملحن، والموزّع في ما بينهما، ثم يأتي المُغنّي ليضع صوته.
لم يكن المُغنّي بالضرورة صاحب القرار الأخير، وربّما لم يكن مسموحاً له أصلاً بأن يكون كذلك. كانت الأغنية مشروعاً جماعياً، وكان المطرب، مهما بلغت موهبته، واحداً من عناصر هذا المشروع.
أما محمد منير، فجاء من هامش السوق، ولم يحاول أن يدخل إلى السوق الغنائي بشروطه. كان يحمل معه شيئاً مغايراً: النوبة، والجنوب، والإيقاعات المختلفة، واللغة التي تستطيع أن تقول كلاماً اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً من دون أن تتحول الأغنية إلى خطاب مباشر.
ومع أحمد منيب ويحيى خليل وهاني شنودة وعبدالرحيم منصور وغيرهم، لم يكن منير يبحث عن أغنية تشبه ما هو موجود، وإنما كان يبحث عن مساحة لا تشبه أحداً.
كانت "شجر الليمون" واحدة من علامات ذلك الزمن. أغنية كتبها عبدالرحيم منصور ولحنها أحمد منيب، وظهرت في عام 1981 ضمن "شبابيك". وبعد كل هذه الأعوام عادت الأغنية إلى صدارة المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استُخدمت في فيلم "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو" (2024).
الأغنية التي صمدت أكثر من أربعة عقود لم تكن مصممة للتريند. لم يكن أحد يسأل: ما الجملة التي يمكن أن يرددها الناس وما الذي يمكن أن يتحول إلى "تريند" خلال ساعات قليلة؟
كانت هناك أغنية. وهذه، ربّما، هي المسألة كلها.
مع النجومية تغيرت المعادلة.
حين يصبح المغني نجماً، قد يعتقد أنه وحده الذي صنع اسمه. يصبح وجوده محور صناعة الأغنية. لم يعد صوتاً ينفذ رؤية آخرين فقط، وإنما أصبح مؤسسة تتحرك منفردة. وهنا يكمن الخطر الذي يصيب كثيراً من النجوم: أن يتحول النجاح السابق من نتيجة للمشروع إلى سلطة على المشروع.
وقد يبدأ في الاعتقاد بأنه يعرف ما يصلح له أكثر من الشاعر أو الكاتب، وما يلائم الجمهور أكثر من الملحن.
وهنا لا تعود المشكلة في غرور الفنان. المشكلة في اختلال توزيع المهام. الفنان الكبير قد يصبح، من شدّة خبرته، أقل قدرة على الإصغاء.
منير لم يكن مجرد مطرب له بصمة خاصة؛ لقد صارت البصمة نفسها جزءاً من اسمه. أصبح الجمهور لا يستمع إلى الأغنية فقط، وإنما يستمع إلى حالة "منير" داخلها. وهذه ميزة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية.
الفنان الذي صنع هوية تخصّه يصبح مُطالباً بأن يثبت كل مرّة أنه ما زال نفسه، وفي الوقت ذاته أن يثبت أنه ليس عبداً لما صنعه. من هنا يمكن فهم المقارنة مع عمرو دياب.
هناك اختلاف كبير بينهما، لكن هناك نقطة التقاء مهمة: كلاهما نجح في تحويل اسمه إلى علامة فنية وتجارية قادرة على البقاء.
والأهم أن الاثنين بدآ في زمن كانت فيه الصناعة أكثر جماعية. لكن الطريقين، رغم اختلافهما، وصلا إلى المشكلة نفسها: ماذا يفعل النجم حين تتغير الذائقة من حوله؟
عمرو دياب اختار أن يراقب السوق، وأن يعيد تعريف صورته الفنية بما يسمح له بالبقاء في مركز اللحظة. وهذا ما يفسر قدرته المذهلة على الانتقال بين أجيال ووسائط وأشكال إنتاج مختلفة.
محمد منير كان لديه طريق آخر. كان يستطيع أن يقول: أنا منير، وهذا يكفي. لكن الهوية الموسيقية إذا تحولت إلى حصانة ضد الزمن تتحول في النهاية إلى متحف.
لذلك فإن السؤال ليس: هل يجوز لمنير أن يغني أغنية "تريند"؟ بالطبع يجوز. بل: هل يذهب منير إلى التريند، أم يأتي التريند إليه؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين الفنان الذي تقوده ذائقته، والفنان الذي يخشى أن تخونه ذائقة الجمهور. وهنا تصبح "شجر الليمون" نموذجاً مثالياً.
لقد احتاجت الأغنية إلى 44 عاماً كي تصبح ترينداً من جديد. لم تتغير الأغنية. تغير السياق الذي استمعنا إليها من خلاله.
وهذا يعني أن العمل الفني يستطيع أن يختفي زمناً، ثم يجد لحظته في زمن آخر. أما العمل الذي يولد من أجل التريند، فقد يلمع بسرعة، ثم يختفي بنفس السرعة.
هذه ليست دعوة إلى إعادة المطرب إلى موقع "المؤدي" كما في البدايات، لكن إلى استعادة فكرة المشروع الجماعي.
التريند ليس عدواً للفن. التريند مجرد أداة من أدوات العصر، مثلما كان الراديو والكاسيت والتليفزيون، ثم الفيديو كليب ويوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي.
المشكلة تبدأ حين تتحول الأداة إلى معيار. حين يصبح السؤال الأول: "إيه اللي هيعمل تريند؟"، أو "ماتيجي نعمل غنوة تريند"، بدلاً من: "إيه اللي يستحق أنه يتقال؟". عندها يبدأ الفنان في الرضوخ للذائقة السائدة، لا في محاولة توسيعها.
والفنان لا يربح فقط من إرضاء السائد. الفنان يضيف إلى الذائقة ويساهم في تشكيلها.
لهذا تبدو تجربة منير الآن أكثر أهمية. فهو ينتمي إلى جيل كان مطلوباً منه أن يصنع جمهوراً جديداً، بينما يعيش اليوم في زمن مطلوب فيه من الفنان أن يلاحق الجمهور القائم.
وهذا انقلاب في العلاقة بين الفنان والجمهور. من هنا يصبح السؤال عن منير سؤالاً عن الزمن نفسه.
هل يستطيع الفنان الذي صنع هويته من التمرد على السائد أن يقاوم إغراء السائد حين يصبح نجماً كبيراً؟ وهل يستطيع أن يدخل العصر من دون أن يفقد المكان الذي جاء منه؟
من "شجر الليمون" إلى "يسألوا عنك"، المسافة ليست مجرد أربعة عقود من الغناء. إنها المسافة بين زمن كانت فيه الأغنية تبحث عن صاحبها، وزمن أصبح فيه صاحب الأغنية يبحث عن اللحظة التي تلتقطه. وهذه هي المعضلة لمحمد منير.
ليس مطلوباً من منير أن يعود إلى عام 1981. فالحنين وحده، مهما كان جميلاً، ليس مشروعاً فنياً. المطلوب فقط ألا يتحول "منير" إلى نوع من العلامة التجارية التي تعيد استخدام نفسها.
Loading ads...
فالفنان الذي صنع هوية لا يحتاج إلى أن يقلد ماضيه، كما لا يحتاج إلى أن يقلد حاضره. يحتاج فقط إلى أن يسأل، كل مرة: ما الذي أريد أن أقوله الآن؟ ثم يترك الشعر للشاعر، واللحن للملحن، والجمهور ليقرر إن كان يريد أن يسمع أو لا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




