10 أشهر
رفح بوابة الإعمار المقترحة.. نموذج تجريبي أم تقسيم جديد لغزة؟
الجمعة، 12 ديسمبر 2025

Twitter
Facebook
Linkedin
whatsapp
- المقترح الأمريكي–الإسرائيلي يطرح بدء إعمار غزة من رفح كنموذج تجريبي لإعادة التأهيل وعودة تدريجية للسكان
- فلسطينياً تُثار مخاوف من أن يتحول المشروع إلى تقسيم فعلي وترانسفير داخلي وهندسة ديموغرافية تحت غطاء إنساني
- الخطة تتضمن ترتيبات أمنية مشددة وربما قوة دولية تبدأ من رفح، لكنها تصطدم بغياب التوافق الفلسطيني واشتراطات "إسرائيل"
تتصاعد في الأوساط السياسية الأمريكية والإسرائيلية، خلال الأسابيع الأخيرة، نقاشات موسعة حول مقترح جديد يقضي ببدء عملية إعادة إعمار قطاع غزة من مدينة رفح في أقصى الجنوب، بعد أن أصبحت المدينة تحت السيطرة الكاملة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب حرب الإبادة الجماعية التي دمّرت معظم أنحاء القطاع.
وتقوم الفكرة على جعل رفح نقطة انطلاق رمزية وعملية لمرحلة توصف في الخطاب الأمريكي بأنها مرحلة "إحياء الحياة" في غزة، من خلال إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، بما يسمح بعودة تدريجية للسكان إلى مناطق محددة.
ووفقاً للتسريبات الصحفية، يتمحور الطرح حول إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرقات، وإنشاء مشاريع إسكان مؤقتة أو دائمة قادرة على استيعاب عشرات الآلاف من النازحين من شمال ووسط غزة، وهما المنطقتان اللتان تعرضتا لأكبر حجم من الدمار خلال الحرب. ويُراد لهذه الخطوة أن تشكل نموذجاً مصغراً يمكن تعميمه لاحقاً على بقية مناطق القطاع إذا ما اعتُبرت "ناجحة" أمنياً وسياسياً.
ترانسفير داخلي
هذا المقترح، الذي يبدو في ظاهره إنسانياً، يثير في المقابل موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الفلسطينية. ففصائل المقاومة وشرائح واسعة من المجتمع المدني تنظر إليه باعتباره محاولة لتكريس واقع جديد يتعامل مع غزة باعتبارها جزرًا منفصلة، ويمهّد لتقسيم ناعم للقطاع، عبر فرض أمر واقع ديموغرافي جديد يكرّس ما يشبه "ترانسفير داخلي"، ينقل كتل سكانية كبيرة بعيداً عن مناطقها الأصلية، ويضعف وحدة الجغرافيا والهوية الفلسطينية في غزة.
ويرى مراقبون أن أي خطة إعمار حقيقية قابلة للحياة لا يمكن أن تتم بمعزل عن توافق وطني فلسطيني شامل، ولا عن ضمانات دولية واضحة تمنع استغلال ملف الإعمار لتثبيت وقائع سياسية وأمنية تخدم الاحتلال أكثر مما تخدم الضحايا. ويشير هؤلاء إلى أن تحويل رفح إلى "نموذج تجريبي" تحت إدارة أمنية صارمة، قد يفتح الباب أمام تكريس منطقة عازلة مقنّعة، أكثر من كونه مدخلاً لإنقاذ إنساني شامل يعيد الحياة إلى قطاع محاصر ومدمَّر.
من جهة أخرى، تكشف تقارير في الصحافة العبرية ومنها "يديعوت أحرونوت" أن الإدارة الأمريكية تمارس ضغوطاً متزايدة على الحكومة الإسرائيلية لتحمّل جزء من تكلفة إزالة الأنقاض، المقدرة بمئات ملايين الدولارات، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لبدء عملية إعادة البناء في إطار المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أشارت من جانبها، إلى أن حجم الركام في قطاع غزة يُقدّر بنحو 68 مليون طن، ما يجعل مهمة إعادة الإعمار إحدى أكبر عمليات البناء وإزالة الأنقاض في التاريخ الحديث، سواء من حيث التكاليف أو المدد الزمنية المطلوبة.
في السياق ذاته، تتحدث مصادر أمريكية للصحيفة عن خطط لنشر قوة استقرار دولية في غزة مع مطلع عام 2026، تبدأ انتشارها من رفح تحديداً باعتبارها النقطة التي يُراد لها أن تكون "بوابة" المرحلة الجديدة.
وقد أبدت دول مثل إندونيسيا وأذربيجان استعداداً أولياً للمشاركة بقوات ميدانية، في حين تميل دول أخرى للمساهمة عبر التمويل أو التدريب أو توفير المعدات والتجهيزات اللوجستية، وسط غموض كبير بشأن طبيعة التفويض الذي ستحمله هذه القوة وحجم التنسيق بينها وبين الجيش الإسرائيلي.
مقاربات متباينة في "إسرائيل"
في إسرائيل، لا يبدو المشهد منسجماً بالكامل مع هذه التصورات. فداخل المؤسسة الأمنية والعسكرية تبرز مقاربات متباينة؛ إذ يخشى بعض القادة من أن السماح بعودة كثيفة للسكان الفلسطينيين إلى رفح قبل ما يصفونه بـ"التطهير الكامل" من عناصر المقاومة، قد يسمح بإعادة بناء البنية التنظيمية والعسكرية لحركة حماس، وإحياء شبكة الأنفاق وطرق التهريب.
في المقابل، يرى آخرون أن الإبقاء على مشهد الدمار الواسع والفوضى الإنسانية من دون أفق واضح للإعمار سيؤجّج الغضب الشعبي ويخلق بيئة أكثر هشاشة واضطراباً، قد تضر بالمصالح الإسرائيلية على المدى المتوسط والبعيد، وتزيد من عزلة تل أبيب دولياً.
وتتضمن التسريبات المتعلقة بالخطة بنداً حساساً آخر، يتمثل في إخضاع العائدين إلى المناطق المعاد إعمارها لسلسلة من الفحوصات الأمنية المشددة تحت إشراف مشترك أمريكي–إسرائيلي، تحت ذريعة منع عناصر المقاومة والأجهزة الأمنية التابعة لها من العودة والاندماج بين المدنيين.
وهذا البند تحديداً يثير مخاوف عميقة في الأوساط الفلسطينية من تحويل رفح إلى منطقة شديدة الرقابة تُدار بمنطق "المعسكر الأمني"، بدلاً من أن تكون ساحة مفتوحة لإعادة بناء حياة مدنية طبيعية، ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة جرى فيها استخدام الاعتبارات الأمنية كذريعة لتقييد حركة السكان وإدارة تفاصيل حياتهم اليومية.
عقبات وتحديات
الكاتب والمحلل السياسي محمود حلمي يرى أن المقترح الأمريكي–الإسرائيلي القاضي ببدء الإعمار من رفح لا ينفصل عن محاولة صياغة نموذج "آمن" و"قابل للسيطرة" يمكن تسويقه أمام الرأي العام الدولي، باعتباره نموذجاً متقدماً لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.
ويقول في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إن جوهر الفكرة، كما تُطرح في الكواليس، يقوم على تقديم رفح – التي تم تفريغ جزء كبير منها من سكانها الأصليين خلال الحرب – كمنطقة اختبار يجري فيها قياس قدرة الأطراف المختلفة على فرض إدارة أمنية وإعمارية مستقرة، قبل تعميم التجربة على باقي أنحاء القطاع.
لكن حلمي يشدد على أن فرص نجاح هذه الخطة تصطدم بجملة من التحديات العميقة، يأتي في مقدمتها غياب التوافق الفلسطيني الداخلي، إذ لا يمكن لأي عملية إعمار أن تكون مستدامة في ظل استمرار الانقسام بين حركتي حماس وفتح، وغياب مرجعية وطنية موحدة تحظى بشرعية سياسية وشعبية وتشرف على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ويضيف أن "إسرائيل" ترفض من الأساس إشراك حماس في أي صيغة للحكم أو الأمن في غزة، ما يجعل أي ترتيبات تُفرض من الخارج عرضة للفشل السياسي وربما الانفجار الميداني عند أول منعطف.
العقبة الثانية، بحسب حلمي، تتمثل في رغبة تل أبيب الواضحة في فرض إعمار مشروط يخدم أهدافها الأمنية، عبر التحكم في حركة السكان ومنع عودة جزء منهم إلى مناطقهم الأصلية، وتوسيع ما يُعرف بالخط الأصفر، وتحويل رفح إلى منطقة استيعاب طويلة الأمد للنازحين، بما يشبه ترسيخ "ترانسفير داخلي" يأخذ شكل حل إنساني، لكنه في الواقع يعيد رسم الخريطة الديموغرافية للقطاع.
ويحذر حلمي من أن الشارع في غزة سينظر بعين الريبة إلى أي مشروع إعمار يتم استخدامه كأداة لإعادة التهجير أو فرض أمر واقع جديد، خاصة أن رفح بمساحتها المحدودة وبنيتها التحتية المنهكة لا يمكنها تحمل ضغط سكاني متزايد من دون رؤية عمرانية شاملة وحلول اقتصادية جادّة توفر فرص عمل وخدمات أساسية، بدلاً من خلق جيوب سكانية مكتظة تعيش على حافة الفقر والاحتقان الدائم.
ويرى المحلل السياسي أيضاً أن الدور الدولي في هذه الخطة ما يزال محاطاً بعلامات استفهام، متسائلاً: هل ستقبل الأمم المتحدة والجهات المانحة بدعم نموذج إعمار لا يرتبط بأفق سياسي واضح، ولا يضمن حقوق الضحايا وعودة السكان إلى مناطقهم الأصلية؟ أم أن الأمر لن يكون أكثر من تنفيذ لرؤية أمريكية–إسرائيلية أحادية تُفرض على الأرض، ثم يُطلب من المجتمع الدولي تمويلها تحت عنوان "الاستجابة الإنسانية العاجلة؟.
وفي خلاصة قراءته للمشهد، يعتقد حلمي أن المقترح، رغم إمكانية نجاحه تقنياً في إعادة إعمار رقعة جغرافية محدودة في المدى القصير، يفتقر حتى الآن إلى الشرعية السياسية والشعبية، وقد يتحول إلى عامل توتر وانفجار جديد إذا لم يُدمج في خطة وطنية فلسطينية شاملة، تضمن وقف العدوان ورفع الحصار وعودة السكان إلى بيوتهم، وتمنع استخدام ملف الإعمار كأداة للهندسة الديموغرافية أو تشديد السيطرة الأمنية على شعب أنهكته الحرب والحصار.
Loading ads...
وبين الرغبة الدولية المعلنة في "إحياء الحياة" في غزة، ومحاولة الاحتلال استثمار الإعمار لخدمة أجندته الأمنية، تبدو رفح على أعتاب مرحلة مفصلية: إما أن تكون بوابة لبدء تعافٍ حقيقي يحترم حقوق الناس وكرامتهم، أو محطة جديدة لإعادة إنتاج المأساة في ثوب عمراني جديد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





