3 أشهر
المهن البسيطة في دمشق.. "ألف ليلة وليلة" من الحكايات الغريبة والمعاناة
الخميس، 22 يناير 2026
للوهلة الأولى، يظنها الناس فائضة عن الحاجة، وآخرون يعتقدون أنها "شغلة من لا شغل له"، والبعض الآخر يخفف من شأن أصحابها، لأنهم "دون المستوى الاجتماعي"، لكن المهن البسيطة، تخفي خلف كواليسها الكثير من المعاناة والحكايات المفاجئة، كأنها ألف ليلة وليلة..
البداية، من تلال الزبالة المكومة في الكثير من شوارع ريف دمشق، حيث قبائل كاملة من الأطفال والشباب والنساء، يعملون على نكشها، بغية فرز النايلون عن التنك، والقناني عن الحديد وبقايا النحاس، من أجل بيع كل بضاعة لتاجر محدد يعمل بهذا النوع أو ذاك. ويحار المرء، وهو يشاهد أولئك العمال، منهمكين بالتنقيب بين الأكياس والنفايات، ويتساءل: هل من الممكن أن يؤمنوا قوت يومهم من هنا؟ وما الذي دفعهم لامتهان هذه الشغلة التي ينفر منها الجميع؟.
ينتبه إلينا "خالد" عندما تلتقطه الكاميرا، وهو ينكش في كومة الزبالة بجرمانا، ويهرع طالباً منا حذف الصورة فوراً، لأنه "لا ينقصه فضائح"، ويضيف بأن "عيشته زفت، وشغله زفت، وعلاقاته الاجتماعية زفت"، فنحاول أن ننبش في دفتر معاناته قليلاً، علّه "يفضفض" بعضاً مما يثقل كاهله..
يقول خالد: "اختفى أبي قبل عشر سنوات، وتركنا نحن 5 أطفال مع أمي، نواجه مصيرنا الصعب.. لقد عملنا في جميع المهن، بدءا من تعزيل البيوت، إلى العتالة، وصولاً للبيع على البسطات، لكن هذه مهنة النكش في الزبالة كانت هي المناسبة، لأنها لا تتطلب رأسمالاً، ويمكن البدء فيها لأي كان".
نسأل خالد، كيف يؤمن لقمة العيش من هذا المكان؟ فيرد بأن البلاستيك يباع بأسعار معقولة، وكذلك علب التنك الخاصة بالمشروبات الغازية، أما إذا وجد المرء أشرطة من النحاس، فهو قد عثر على كنز حقيقي!.
يجمع خالد حصيلة يومه الطويل، في آخر النهار، ثم يذهب به إلى المجمعات الكبرى حيث يمكن بيع كل نوع لمشتر معين.. ويضيف: "إذا كان الحصاد دسماً، أكلنا طعاماً دسماً، وإلا فسنحمل أملنا لليوم الثاني، عساها تكون المحصلة أفضل".
ترك خالد المدرسة في الصفوف الابتدائية، وكسائر أخوته، كان مشغولاً بماذا ستأكل الأسرة هذا اليوم؟ ويقول: "مرةً، جاء أحد الخيّرين، وأعطاني كيساً فيه فروج مشوي! وظننت أن في الأمر مقلباً، لكنه أصرّ وقال إنه نذر ذلك.. لقد كان يوماً مميزاً جداً".
يعود خالد، ليؤكد علينا أن نمسح الصورة، فنخبره بأن وجهه لن يظهر، فيهدينا ابتسامة بسيطة، ثم يكمل عمله في "النكش عن الحياة" بسرعة..
نساء سوريات يبعن الخبز
مشهد النساء اللواتي يبعن الخبز عند أفران ابن العميد، بات مألوفاً، فكل ربطة تربح 2000 ليرة، وإذا ما تيسر البيع مع إحداهن، فيمكن أن تبيع أكثر من 15 ربطة، ما يؤمن شيئاً من مصروف اليوم!.
ورغم أن العمل ليس عاراً، لكن الصورة هنا محرّمة، حتى إن معظم النساء يلجأن إلى ارتداء النقاب كي لا يعرفهن أحد.. نشتري ربطة من إحداهن، ونسألها ما الذي يدفعها للعمل في بيع الخبز أمام الفرن؟ فتقول، بعد أن تحذرنا من التقاط أية صورة: "أعمل أنا وزوجي طيلة ساعات النهار، كي نؤمن قوتنا اليومي، خاصة أن أحد أبنائنا من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهو يحتاج لعناية ودواء وتدريب على الحياة، لكننا لا نملك ثمن كل ذلك". وتضيف: "والله، جلست منذ يومين على حافة الرصيف، ورحت أبكي، لأنني لم أتمكن من بيع جميع ربطات الخبز.. لقد كثرت البائعات وبات تصريف كميات كبيرة من الخبز أمراً صعباً. في تلك اللحظة توقفت بقربي سيارة، وسألني السائق: لماذا تبكي يا خالة، فقلت له السبب، فأعطاني ثمن جميع ربطات الخبز ولم يأخذ أياً منها".
إحدى النساء، زوجها مقعد وعاطل عن العمل، وأخرى مات زوجها في معارك الغوطة أيام الثورة، وإحداهنّ عزباء تعيل أباها وأمها كبار السن..
نقلب صفحة من "ألف ليلة وليلة" المعاناة، ونتابع السير باتجاه مفرق ابن النفيس، فتبوح شهرزاد بحكاية مختلفة، تعود لسنوات طويلة خلت، عندما جاءت إلى العاصمة من إحدى البلدات البعيدة، هرباً مع حبيبها، لكنه "طلع ابن حرام"، كما تصفه، فقد تركها وأخذ الأطفال، لأن أهله لا يتقبلونها، وتضيف: "منذ عشرين عاماً وأنا أواجه مصيري لوحدي، فلا أستطيع العودة إلى دار أهلي، ولا أتمكن من تحمل هذه المشاق، إلا بطلوع الروح".
تتعرض تلك النسوة، بائعات الخبز، للكثير من المضايقات، لكنهنّ "أخوات رجال"، كما تقول إحداهن.. إنه القتال من أجل "اللقمة" التي تصفها "شهرزاد" الهاربة، بأنها "مغمّسة بالدم"!.
Loading ads...
كتاب "ألف ليلة وليلة" المهن البسيطة، يبوح بروايات لا تخطر على بال أحد، هكذا تقول قصص ماسحي زجاج السيارات، والأطفال المستنشقين للاصق الشعلة الذين يتسولون ثمن "الأندومي" في حديقة "المنشية"، وبائعي قناني المياه للسيارات العابرة عند إشارات المرور!. ترى، ما الذي يدفع البشر إلى كل هذا الهول؟ تقول شهرزاد، العاشقة المخذولة: "هولٌ أشدّ منه"!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

منتخب سوريا للرجال بكرة القدم يواجه البحرين في مباراة ودية
منذ ثانية واحدة
0



