2 أيام
ضرورة تفرضها المتغيّرات الداخلية والإقليمية… هل يُمرّر قانون الحشد الشعبي رغماً عن واشنطن؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

عن أهمية القانون، يقول أستاذ القانون الدستوري في كلية القانون في جامعة بغداد، الدكتور مصدق عادل، لرصيف22، إنّ الحشد الشعبي يحتاج إلى الكثير من التشريعات لأسباب عدة، أولها عدم تطبيق قانون الخدمة والتقاعد على الحشد الشعبي، ما يجعل حقوق عناصره منتهكة وغير منظّمة بقانون واضح، فضلاً عن الأمور الأخرى المتعلِّقة بتقلّد المناصب القيادية ومعالجة الخدمة المدنية للمقاتلين الذين لا يرغبون في اعتبارهم عسكريين وغيرها.
ويتوقّع عادل أنّ القانون الجديد "سوف يضمن كل هذه الحقوق بالشكل الذي يتساوى فيه المقاتلون في هيئة الحشد والضباط مع أقرانهم من العاملين في القوات المسلحة وتحديداً في الجيش العراقي".
ويضيف أنّ تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي من شأنه أن يضمن كذلك مكانة الحشد بين دوائر الدولة والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة من خلال العديد من المسائل، أولاها مسألة الرتب العسكرية وتكييف أوضاع الضباط الذين منحوا هذه الرتب الفخرية لأنه من غير المقبول أن يستمر الضابط في هيئة الحشد بتقاضي الراتب نفسه الممنوح للمنتسب أو المقاتل. والمسألة الأخرى مسألة المركز القانوني لرئيس الهيئة، ويُفترض حسمها بدرجة وزير باعتبار أنّ درجة وكيل وزير مثلما هي الحال اليوم لا تنسجم مع طبيعة المهام التي يجب أن يؤديها وحجمها.
يتفق معه الخبير في مجال القانون الدستوري، وائل منذر، الذي يذكّر في حديثه إلى رصيف22، بأنّ نصوص قانون الحشد الشعبي الحالي لعام 2016 تتسم بالاختصار، لذا لا تتضمن تنظيم أو تفاصيل جميع الآليات الخاصة بعمل هيئة الحشد الشعبي أو مسألة الخدمة العسكرية، وأيضاً مسألة التقاعد، ما يستدعي ملء هذا الفراغ التشريعي بنصوص خاصة بالخدمة والتقاعد، والشروط التي ينبغي أن تتوافر في الشخص حتى يستطيع أن ينخرط في صفوف الهيئة، وما يتعلّق بتنظيم الرتب والصنوف العسكرية الموجودة، وآلية الترقية، والنظام التأديبي لمساواتهم تنظيمياً مع بقية المؤسسات الأمنية والعسكرية داخل الدولة.
تقرأ الباحثة جميل، المتغيّرات السياسية والأمنية التي أعادت طرح مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي إلى الواجهة من جديد من خلال ثلاثة مستويات مترابطة، أولها يرتبط بتحوّل البيئة الأمنية الإقليمية بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بقولها إنّ الحرب لم تكن مجرّد مواجهة بين دولتين، وإنما أعادت تنشيط احتمالات انتقال الصراع إلى ساحات أخرى في المنطقة، ومن أبرزها العراق بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته مع أطراف الصراع ووجود المليشيات والفصائل المسلحة فيه، وانعكست تداعيات هذه الحرب في استهداف مواقع تابعة للحشد والقوات العراقية، وفي مسألة السيادة العراقية ومنع استخدام أراضيه منصةً لأعمال عسكرية ضد دول أخرى.
وناقش مجلس النواب العراقي، في آب/ أغسطس 2026، الاعتداءات التي طالت مقار الحشد والقوات المسلحة، وربطها بمسألة السيادة وبضرورة تطوير القدرات الدفاعية العراقية.
هنا، تبرز مسألة مهمة بالنسبة للدولة العراقية، تتعلق بكيفية الحفاظ على مؤسسة الحشد باعتبارها جزءاً من المنظومة الأمنية الرسمية، دون تحويل وجودها أو وجود الفصائل المسلحة المرتبطة بها إلى قناة مستقلة لاتخاذ القرار العسكري.
ووفق الباحثة جميل، يُعدّ هذا أحد الأسباب التي تجعل قانون الهيكلية أكثر أهميةً في المرحلة الحالية، لأنه لا يناقش وجود الحشد فحسب وإنما يناقش بصورة أعمق كيف يُدار هذا الوجود داخل الدولة العراقية.
ظهر ذلك في الخطاب الرسمي العراقي، عندما أكد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، أنّ الحكومة ماضية في تقديم مسوّدة قانون الحشد الشعبي وإقراره بوصفه جزءاً من القوات المسلحة، في حين وجّه النائب الأول لرئيس مجلس النواب، عدنان فيحان، في 12 أيلول/ سبتمبر 2026، الدائرة البرلمانية بإدراج مقترح قانون التعديل الثاني لقانون الخدمة والتقاعد العسكري رقم (3) لسنة 2010 على جدول أعمال الجلسة القادمة.
أما المستوى الثاني من المتغيّرات السياسية والأمنية التي أعادت طرح مشروع القانون، فيتمثّل -والحديث لا يزال للباحثة جميل- في ما تشهده البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق، ولا سيّما في سوريا التي تغيّر الحكم فيها وتواجه توغّلات إسرائيليةً في جنوبها، الأمر الذي غيّر طبيعة البيئة الأمنية على الحدود العراقية السورية.
وتضيف جميل أنّ هذا يجعل العراق يموج في بيئة أمنية إقليمية أكثر تقلّباً ويجعل أيضاً أمن الحدود، ومراقبة حركة الجماعات المسلحة، ومنع انتقال الصراع الإقليمي إلى الأراضي العراقية أكثر أهميةً من السابق. وهذا بدوره يزيد الحاجة إلى وضوح بنية المؤسسات المسلَّحة وعلاقات القيادة والسيطرة داخل الدولة العراقية.
أما المستوى الثالث، فيتعلّق بإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية الإقليمية حيث وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 آب/ أغسطس 2026، اتفاق مكة للدفاع المشترك، مع تطوير التعاون الدفاعي بين الأطراف الثلاثة التي اتجهت لاحقاً إلى مأسسة هذا التعاون بصورة أكبر. كذلك، ركزت قمة الناتو، في أنقرة، في تموز/ يوليو 2026، على "الدفاع الجماعي".
"دلالة هذه التطوّرات بالنسبة للعراق ليست أنها تستهدفه مباشرةً، وإنما أنها تكشف عن بيئة إقليمية ودولية تتجه فيها الدول إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية وترتيبات الردع والأمن الجماعي"، وفق جميل التي تضيف أنّ هذا يستدعي وضوح سلسلة القيادة والسيطرة على القوة المسلحة داخل العراق، بوصفه دولةً تقع في مركز التفاعلات الأمنية بين إيران وتركيا ودول الخليج ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
تعقيباً على المخاوف من أن يؤدي القانون إلى تعزيز نفوذ الفصائل لا مؤسسة الحشد، أو أن يكون الحشد قوةً موازيةً للدولة، تشرح الباحثة الموسوي: "هذا يتعلّق بتفاصيل التطبيق أكثر من عنوان القانون نفسه. فإذا أعاد القانون تعريف العلاقة بين الألوية والقيادة، وفصَلَ العسكري عن السياسي، ومنَعَ الارتباطات التنظيمية الموازية، ووضع السلاح والتمويل والتعيينات والحركة العسكرية تحت رقابة الدولة، فسيقوّي الحشد كمؤسسة على حساب الفصائل. أما إذا احتفظت الفصائل بهياكلها وولاءاتها وقياداتها ومصادر نفوذها السياسي والاقتصادي، بينما أصبحت في الوقت نفسه محميةً بقانون ومموّلةً من الدولة، فالنتيجة ستكون العكس تماماً".
أما الخبير في القانون الدستوري، منذر، فيلفت إلى أنه من الناحية القانونية يجب أن يضمن مشروع القانون تفصيلاً للهيكل الإداري الخاص بمؤسسة الحشد الشعبي، وهو ما من شأنه أن يبيّن مدى خضوع هذه الهيئة للإطار العسكري في وزارة الدفاع، سواء في ما يتعلّق بمراكز تدريب أو كليات عسكرية، بمعنى هل ستكون هناك كلية عسكرية خاصة بها ومراكز تدريب مستقلة ونظام عقوبات عسكرية مخصّص لأعضائها بعيداً عن الوزارة وعندئذٍ ستفرز جهتين عسكريتين بالفعل؟
من جهته، يرفض أستاذ القانون الدستوري، عادل، المخاوف من أن يؤدّي تشريع القانون إلى تحويل الحشد إلى قوة موازية للدولة، مبرزاً أنّ هذا "لا ينسجم لا مع قانون هيئة الحشد رقم 40 لسنة 2016، ولا مع مسوّدة قانون الهياكل الوظيفية المعدّ من قبل هيئة الحشد والذي أرسل إلى رئاسة مجلس الوزراء لعرضه على مجلس الوزراء".
ويشرح: "في القانونين -القانون الأصلي والمشروع المقترح- الحشد تشكيل عسكري يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، وارتباطه في ظلّ وحدة القرار العسكري والسياج المنفرد للقائد العام رئيس مجلس الوزراء يمنع جعل الحشد قوةً موازيةً داخل إطار الدولة، ويجعلها قوةً مكملةً للقوات المسلحة الأخرى في سلّم حماية العراق وبما ينسجم مع طبيعة المهام الممنوحة لكل تشكيل عسكري على حدة".
بدوره، يرى الخبير القانوني منذر أنّ المسار القانوني لمشروع قانون الهيئة سليم بموجب المادة (61/أولاً) من الدستور، والتي تنص على أنّ إقرار القوانين الاتحادية ضمن صلاحيات مجلس النواب، ووفق المادة (9/أولاً) من الدستور التي تنص على أنّ مسألة تنظيم القوات المسلحة تتم بموجب قوانين على أن تخضع من حيث القيادة للسلطة المدنية.
ويقول إنّ مشروع القانون ينبغي أن يكون متوافقاً مع النصوص الدستورية، ما يعني أن يتضمن نصاً صريحاً يتعلّق بكون الحشد الشعبي كمؤسسة عسكرية خاضعة بكامل تشكيلاتها للقائد العام للقوات المسلحة، وفقاً لأحكام المادة (9/أولاً/ب) منه، والتي تمنع تكوين جهات أو ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات المسلحة الرسمية.
ويفترض منذر أنّ مشروع القانون لا يجب أن يمنح صلاحيةً لأي شخص أو جهة خارج نطاق الصلاحيات التي يملكها القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء، سواء في ما يتعلّق بمسألة تحريك القوات أو إعلان حالة التأهب أو الحرب، أو في مسألة التعاقدات الدولية وغيرها.
أما أبرز المواد التي قد تثير إشكالاً دستورياً في مشروع القانون، فيقول منذر إنها التي تنص على منح الهيئة استقلالاً مالياً وصلاحيةً استثماريةً في ممارسة العمل التجاري خارج نطاق الوظيفة المخصّصة للهيئة والسماح بمثل هذا النشاط خارج نطاق الرقابة.
ويشرح منذر إشكاليةً أخرى تتعلّق بوجود نصوص صريحة بعدم ممارسة العمل السياسي، باعتبار أنّ القوى الأمنية والقوى العسكرية لا يجوز لها أن تعمل في المجال السياسي ولا يجوز لأفرادها أن ينتموا إلى أحزاب سياسية لأنّ هذا يتعارض مع حياد المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية.
وفي حال إقرار القانون في ظلّ وجود إشكالات دستورية فيه، يتوقع منذر أن يؤدّي ذلك إلى الطعن فيه أمام الجهات المختصّة. لكنه مع ذلك لا يُنكر أنه في بعض الأحيان قد يتعارض النص القانوني من الناحية الظاهرية ومن الناحية الفعلية مع الدستور. وفي هذه الحالة، وبما أنه قانون ومشرَّع، يمكن لأي جهة صاحبة مصلحة أن تطعن فيه بعد نشره في الجريدة الرسمية.
وبينما ترى الباحثة جميل أنّ "الارتباط موجود وبدرجة واضحة" بين توقيت طرح مشروعي القانون والنقاش الدائر في العراق حول حصر السلاح بيد الدولة حيث أصبح هذا الأخير جزءاً واضحاً من الخطاب الرسمي والأمني العراقيين منذ نيسان/ أبريل 2026، ترى الباحثة لينا الموسوي، أنّ تمرير قانون الحشد قد يساعد في حصر السلاح بيد الدولة "بشرط أساسي هو أن يكون القانون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تنظيم المجال الأمني، لا بديلاً عن حصر السلاح".
وتشرح: "إذا أدّى القانون إلى وجود قيادة واضحة، وتسلسل عسكري رسمي، ومخازن سلاح خاضعة للدولة، وموازنة ورقابة وأوامر عمليات مرتبطة حصراً بالقائد العام للقوات المسلحة، ومنع أي تشكيل من امتلاك قرار عسكري مستقل، عندها يمكن أن يكون القانون إحدى أدوات حصر السلاح".
ثمّ تستدرك: "أما إذا جرى تثبيت البنية الحالية بكل ازدواجياتها ثم منحها غطاء قانونياً أوسع، فسنكون أمام تقنين للمشكلة بدلاً من حلها. وهنا يجب التمييز بدقة بين الحشد (كمؤسسة رسمية) والفصائل باعتبارها شبكات سياسية وعسكرية لها امتدادات وقرارات مستقلة".
"جوهر المشكلة العراقية ليس سؤال من يحمل السلاح فقط، وإنما من يملك قرار استخدامه أيضاً. فقد تستطيع الدولة تسجيل قطعة السلاح في مخازنها، لكن حصر السلاح الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يصبح قرار الحرب والسلم والتحريك والانتشار واستخدام القوة قرار حصري للمؤسسات الدستورية"، تتابع الموسوي.
يطرح ما سبق تساؤلات حول مصير مشروعي القانون بعد 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، الموعد المحدّد لخروج قوات التحالف من البلاد وحصر السلاح بيد الدولة، وهو الاختبار الأهم للسيادة العراقية.
وفي سياق الاحتمالات السياسية لما بعد 30 أيلول/ سبتمبر، تطرح الباحثة جميل ثلاثة سيناريوهات ممكنة، أولها "سيناريو التسوية" بمعنى التوصّل إلى صيغة عراقية لتنظيم السلاح وإعادة إدماج أو فك ارتباط بعض التشكيلات، بما يسمح للحكومة بعبور الاستحقاق دون أزمة سياسية كبيرة، وثانيها "سيناريو التسويف" ويتعلّق باستمرار الحوار وتأجيل بعض إجراءات التنفيذ، بحيث يبقى مبدأ حصر السلاح قائماً فيما يتحرّك تطبيقه بصورة تدريجية.
أما السيناريو الثالث والأخير فتصفه جميل بـ"سيناريو التصعيد السياسي"، وتحدّده في فشل التسوية وتحول الخلاف حول السلاح إلى خلاف على الحكومة نفسها، بما قد يؤدّي إلى إعادة ترتيب التحالفات البرلمانية أو الضغط على الحكومة سياسياً. وتلفت إلى أنه لا يعني بالضرورة سقوط الحكومة، لكنه يعني أنّ ملف السلاح قد يتحوّل من ملف أمني إلى عامل مؤثّر في توازنات السلطة.
في حال مرَّ القانون، ترجّح الموسوي دخول العراق "مرحلةً انتقاليةً طويلةً من إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والحشد والفصائل"، بحيث يكون الاختبار التالي أكثر صعوبةً: هل تستطيع الحكومة تنفيذ بنود القانون على القوى المسلَّحة فعلياً؟ وتستطرد الموسوي بأنّ "تمرير القانون سيكون إيجابياً إذا أصبح مدخلاً لتحويل الحشد تدريجياً من مظلّة تضم تشكيلات متفاوتةً في الولاء والبنية إلى مؤسسة عسكرية أكثر تجانساً وانضباطاً".
في الوقت نفسه، تحذّر من أنّ تمريره من دون إصلاح حقيقي قد يخلق مفارقةً خطيرةً من حيث "تصبح ازدواجية القوة جزءاً من النظام القانوني بدلاً من أن تكون حالةً استثنائيةً يفترض إنهاؤها".
أما إذا فشل تمرير القانون مرةً أخرى، فتتوقّع الموسوي أن تزداد الأزمة حيث "قد يُقرأ هذا الفشل من جانب بعض القوى بوصفه استهدافاً للحشد وحقوق منتسبيه، بينما تراه قوى أخرى دليلاً على عجز الدولة عن معالجة واحد من أكثر ملفاتها الأمنية حساسيةً". من شأن هذا الوضع أن يُبقي على المشهد الرمادي فتبقى الحشد مؤسسةً ممولةً رسمياً، لكنها لم تصل بعد إلى الشكل النهائي لعلاقتها ببقية مؤسسات الدولة.
"لا أعتقد أنّ استمرار التعطيل حلّ، ولا أعتقد أيضاً أنّ مجرد تمرير القانون حلّ"، تقول الموسوي، مردفةً أنّ "المطلوب هو قانون قوي للدولة، لا مجرد قانون قوي للمؤسسة". أما السيناريو "الأكثر ترجيحاً" لمستقبل العلاقة بين الدولة والفصائل، في رأيها، فيستبعد المواجهة العسكرية الشاملة بين الطرفين، كما يستبعد حلّ الفصائل بقرار واحد، ولا سيّما أنّ "التوازنات الداخلية والإقليمية تجعل هذا السيناريو مرتفع الكلفة على الجميع".
في المقابل، ترجح الباحثة الموسوي "مسار استيعاب تدريجي وتفاوضي حيث يُنقل مزيد من السلاح والمقاتلين إلى الأطر الرسمية، ثم إعادة تنظيم بعض التشكيلات، مع منح ضمانات وحقوق لمن يندمج، وفي المقابل تضييق المجال تدريجياً أمام الاحتفاظ بسلاح وقرار عسكري مستقلين".
لكن نجاح هذا السيناريو يتوقف على قدرة الدولة على الانتقال من سياسة إدارة التوازن بين القوى المسلحة إلى سياسة بناء احتكار فعلي للقوة، وفق رأيها.
ويؤكد عضو لجنة الامن والدفاع النيابية، النائب جواد كاظم الساعدي، الأمين العام لحركة الجهاد والبناء، لرصيف22، وجود إرادة سياسية جادّة لإقرار قانون الحشد الشعبي داخل مجلس النواب العراقي على مستوى القوى السياسية، وكذلك على المستوى التنفيذي، وداخل البرلمان وفي الحكومة أيضاً.
ويضيف الساعدي: "الحشد الشعبي جزء لا يتجزأ من الأجهزة الأمنية، إذ يمثّل إحدى ركائز المنظومة الأمنية في البلاد، ولا بدّ من تنظيم وضعه ونيل أفراده حقوقهم ومستحقاتهم. وهذا ليس فضلاً منّا أو من الدولة لأنّ الحشد صنع استحقاقاته بدماء عناصره وبمشاركته الفاعلة في الانتصار على تنظيم داعش".
ولا ينفي الساعدي أنّ بعض بنود مشروع القانون كانت محل ملاحظات من قبل "أطراف خارجية ضاغطة"، منبهاً إلى اعتراض الجانب الأمريكي على وجه التحديد قائلاً إنّ واشنطن قد تعرقل مسألة تأسيس شركة المهندس التي كانت مطروحةً، على الرغم من أنها تمتلك سنداً قانونياً لتصويت مجلس الوزراء عليها في الدورة السابقة، مضيفاً أنّ واشنطن تعترض على ضمانها وتضمينها مع الأكاديمية ضمن قانون الحشد، ويستدرك: "هذا المسار ماضٍ أيضاً، وفق ما سمعته من قيادة الأركان في هيئة الحشد".
ويلمّح الساعدي إلى وجود درجة عالية من التوافق على القانون، منبهاً: "قد يعترض البعض لكن هذا الاعتراض لا يشكّل ضغطاً كبيراً، فالإرادة الأقوى والأغلب هي التي تؤيد تمرير هذا القانون".
"حسب تحليلي وتوقّعي الشخصي، لن يتأخر مشروع القانون كثيراً ولا أعتقد أنّ تضمين شركة المهندس أو كلية الأركان سيشكّل عائقاً رئيسياً في تشريعه. فربما تكون وجهة نظر بعض الأطراف مرتبطةً بحسابات مستقبلية، لكننا نلمس اليوم إرادةً قويةً ومجمّعةً من الاتجاهات التنفيذية والتشريعية كافة على تمشية وتمرير القانون".
متغيّر آخر لا ينبغي إغفاله، وفق الباحثة جميل، يتمثّل في اتساع مساحة الضغط الأمريكي على بغداد من المجال الأمني والسياسي إلى المجال المالي والاقتصادي. فالعلاقات العراقية الأمريكية ليست عسكريةً فحسب، بل يجعل النظام المالي العراقي، وعوائد النفط، وإدارة التدفّقات بالدولار، العلاقة مع النظام المالي الدولي، والولايات المتحدة تحديداً، علاقة وازنة في قدرة بغداد على إدارة اقتصادها.
وتمتلك واشنطن أدوات نفوذ مهمةً في إدارة تدفّقات عوائد النفط العراقي والنظام المالي المرتبط بها، وقد هدّدت في مراحل سابقة بتقييد الوصول إلى الأموال العراقية للضغط على بغداد.
مع ذلك، تنبّه جميل إلى أنّ الضغط الأمريكي لا يعني أنّ واشنطن هي التي أعادت القانون إلى مجلس النواب، لأنّ المعطيات المتاحة تشير إلى اعتراضات أمريكية على بعض بنود مشروعَي القانونين ومخاوف من تمريرهما، كما تشير الباحثة جميل.
أما عادل، فيرى أنّ المخاوف الأمريكية مرتبطة بالدور السياسي والإقليمي للحشد، وهي أقرب إلى اعتبارات سياسية منها إلى اعتبارات واقعية باعتبار أنّ تكييف أوضاع مقاتلي الحشد، خاصةً أنّ العديد منهم قد أكملوا السنّ القانونية للإحالة إلى التقاعد وأُضيفت إليهم خمس سنوات كـ"خدمة جهادية" أسوةً بـ"أمر دمج الميليشيات وتنظيم القوات المسلحة رقم 91 لسنة 2004"، من شأنه أن يمنح الحقوق التقاعدية لمن خدموا العراق ودافعوا عنه في وجه تنظيم داعش الإرهابي وساهموا في تحرير البلاد.
ويستطرد بأنّ المخاوف الأمريكية اليوم مرتبطة بخريطة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وفي العراق خصوصاً، ولا علاقة لها بمنظومة الحشد ولا بالهيكل التنظيمي له أو بقانون الخدمة والتقاعد لمقاتلي الهيئة.
في غضون ذلك، يرى أستاذ الدراسات الإستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إحسان الشمري، أنّ الحكومة العراقية، خصوصاً بعد ضغط الإطار التنسيقي، أصبحت تعتقد أنّ إقرار قانون جديد للحشد الشعبي قد يكون بوابةً لحلّ الأزمة مع الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة. ولذلك، تجد في قانون جديد للحشد الشعبي بوابةً لإعادة الهيكلة من جانب، ومن جانب آخر قبولاً داخلياً، وأيضاً يخفّف عنها حجم الضغوط الداخلية وحتّى الخارجية.
ويضيف الشمري أنّ مضي الإطار التنسيقي بالتنظيم يفتح الطريق أمام الحكومة الحالية التي تجد في تشريع القانون لحظة انتقال وترجمة لوعودها، مرجّحاً أن تستثمر الحكومة في هذا القانون وتتمسّك به.
وفي ما يتعلّق بالولايات المتحدة الأمريكية، يقول الشمري إنها تعتقد أنّ على الحكومة العراقية والإطار التنسيقي التوجّه نحو الاستجابة لاشتراطاتها، وتجد أنّ قضية دمج الفصائل مع المؤسسة الأمنية لا تمثّل الحدّ المقبول لشرطها الذي يتجه نحو تفكيك منظومة الفصائل المسلحة. ويضيف أنّ واشنطن تجد في دمج الفصائل المسلحة من خلال مقترح مشروع القانون المطروح التفافاً أو مناورةً من القوى السياسية الشيعية الحليفة لإيران.
وعن الدور الأمريكي وتأثيره الميداني، يعتقد الشمري أنّ الولايات المتحدة الأمريكية مؤثرة للغاية، مدلّلاً على ذلك بمجلس النواب العراقي في دورته الخامسة حيث كان الرأي الأمريكي هو الأكثر فاعليةً في عدم تمرير قانون الحشد الشعبي. "أتصور أنّ الولايات المتحدة، في ظلّ الوضع العراقي وفي ظلّ بعض الاستجابات لها خصوصاً في قضية تشكيل الحكومة ومنع الفصائل المسلحة من أن تكون ضمن مؤسسات الدولة، تعطي مؤشّراً واضحاً على أنّ الرفض الأمريكي سيكون أكثر فاعليةً"، يضيف.
ويردف الشمري أنّ "الحكومة العراقية تبدو متخوفةً من أنّ أي مسار قد يولّد تصادماً مع واشنطن ستكون له آثار وتداعيات على مستوى العقوبات أو حتى العزلة. كما أنّ القوى السياسية الأخرى، من الكتل السنّية والكردية، ستتجه نحو عدم إغضاب واشنطن، ما يعني أنّ الأزمة ستنحصر في الإطار التنسيقي تحديداً. وأعتقد أنّ الإطار قد لا يذهب إلى لحظة التصادم أو الاشتباك المباشر مع واشنطن".
أما الشمري، فيذهب إلى أنّ القوى السياسية لن تمرّر القانون بعيداً عن تسوية مع واشنطن، لافتاً إلى أنّ "الحكومة العراقية سوف تضطلع بمهمة إقناع واشنطن بصيغة القانون الجديد وبتنظيم الفصائل وسلاحها حيث إنّ الأمر متوقّف من وجهة نظري على مستوى التأثير الحكومي على إدارة البيت الأبيض، ومدى اقتناع دوائر صنع القرار في واشنطن بتمرير القانون أو قضية تنظيم السلاح، وبخلاف ذلك أتصوّر أنّ هذا التمرير قد يتعثّر".
Loading ads...
ختاماً، تشدّد الباحثة الموسوي على أنّ "العراق خلال السنوات المقبلة سيواجه سؤالاً تأسيسياً هو: هل تكون المؤسسات الأمنية هي التي تستوعب الجماعات المسلحة وتغيّر قواعد عملها، أو تدخل الجماعات المسلحة المؤسسات مع الاحتفاظ بقواعدها القديمة؟"، مستنتجةً: "إذا تحقّق الاحتمال الأول، يمكن أن يتحوّل قانون الحشد إلى جزء من عملية بناء الدولة. أما إذا تحقّق الثاني، فسوف نكون أمام تعدّد لمراكز القوة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





