ساعة واحدة
لبنان تحت اختبار الإرادات.. حين تتحول التسوية إلى ساحة صراع
الأحد، 3 مايو 2026
لم يعد من الممكن قراءة سلوك الإدارة الأميركية الحالية بوصفه امتداداً تقليدياً لما سبقها. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يدير السياسة الخارجية وفق منطق التدرّج أو التوازنات الدقيقة، بل بمنهج يقوم على الصدمة والضغط الأقصى، مدفوعاً باعتبارات داخلية لا تقل وزناً عن حساباته الدولية. الرسائل التي يوجّهها، حتى في شكلها الإعلامي، ليست مجرد استعراض، بل تعكس توجهاً سياسياً حاداً، عبر دفع الخصوم إلى حافة الانهيار قبل فتح باب التفاوض.
في هذا السياق، لا تبدو المواجهة مع إيران مجرد ملف خارجي، بل أداة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي الأميركي. فمع تراجع شعبية ترامب وتزايد التململ داخل قاعدته، خصوصاً بسبب كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية، يبدو أن الرئيس الأميركي اختار الهروب إلى الأمام، مستفيداً من هامش واسع يمنحه له النظام الرئاسي في إدارة السياسة الخارجية. بمعنى آخر، كلما ضاقت خياراته داخلياً، ازداد اندفاعه خارجياً.
هذا الاندفاع يترجم عملياً عبر استراتيجية مركبة: حصار اقتصادي خانق، ضغط عسكري غير مباشر، ورفض تقديم أي تنازل مجاني. العرض الإيراني بفتح مضيق هرمز مقابل فك الحصار لم يكن قابلاً للنقاش من وجهة نظر واشنطن، لأن الهدف لم يعد فقط تعديل السلوك الإيراني، بل كسره وإعادة تشكيله. لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها خطراً مزدوجاً: فهي ترفع احتمالات الانفجار العسكري، وتفتح المجال أمام لاعبين إقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل، لاستثمار التصعيد.
هنا تحديداً يدخل بنيامين نتنياهو على الخط. فالرجل الذي يرى في التصعيد فرصة لإعادة تثبيت موقعه، يسعى إلى جرّ واشنطن نحو خيارات أكثر عدوانية، ليس فقط في إيران، بل أيضاً في لبنان. بالنسبة له، أي تهدئة طويلة تعني استنزافاً سياسياً وعسكرياً، فيما الحرب السريعة قد تعيد خلط الأوراق لمصلحته.
في موازاة ذلك، تتكشف مؤشرات ميدانية لا يمكن تجاهلها، من بينها تعزيز البنية العسكرية الأميركية في شرق المتوسط، خصوصاً في قبرص، بما يعكس استعداداً لسيناريوهات طارئة تتجاوز حدود الاشتباك الحالي. هذه التحضيرات لا تعني بالضرورة أن الحرب حتمية، لكنها تؤكد أن خيارها مطروح بجدية على الطاولة.
وسط هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع الحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للاهتزاز. فالتوتر العسكري المستمر، والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، يعيدان تثبيت معادلة خطيرة: هدنة بلا ضمانات، وتصعيد قابل للانفجار في أي لحظة.
لكن الأخطر ربما لا يكمن فقط في الجبهة الجنوبية، بل في الداخل اللبناني نفسه. فالسجال المتصاعد بين رئاسة الجمهورية و«حزب الله» لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يعكس صراعاً أعمق حول طبيعة الدولة ودورها. لأول مرة منذ عقود، يظهر هذا التباين بهذا الوضوح حول مسألة مفصلية: هل يذهب لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أم يتمسك بشروطه التقليدية القائمة على وقف النار والانسحاب أولاً؟
هذا الخلاف لا يمكن فصله عن الضغوط الخارجية. فواشنطن تدفع باتجاه ترتيبات أمنية طويلة الأمد، قد تتطور لاحقاً إلى تفاهمات أوسع، فيما ترى قوى داخلية أن أي تنازل في هذا الاتجاه سيؤدي إلى إعادة صياغة التوازنات الداخلية لمصلحة الخارج.
ورغم حدّة هذا الاشتباك، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بانفجار داخلي وشيك. فهناك إدراك مشترك، وإن كان غير معلن، بأن كلفة الصدام الداخلي ستكون كارثية. لذلك، يبدو أن الاتجاه الغالب هو نحو الاحتواء، ولو عبر تسويات مؤقتة أو تدخلات من أطراف مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق.
إلا أن هذا “الاحتواء” لا يعني استقراراً فعلياً، بل أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة. فالتوتر سيبقى قائماً، والاحتكاكات ستتكرر، وربما تتصاعد تدريجياً، خصوصاً إذا شهدت الجبهة الإيرانية تطورات دراماتيكية.
في هذا الإطار، يصبح لبنان ساحة انعكاس مباشر لأي تحول في المواجهة الأميركية–الإيرانية. فطهران، التي تستعد لأسوأ السيناريوهات، لا تبدو مستعدة لتلقي ضربة ثم الذهاب إلى التفاوض، بل تلوّح بخيارات رد واسعة قد تشمل تفعيل جبهات متعددة. وهذا يعني أن أي تصعيد كبير لن يبقى محصوراً جغرافياً، بل سيتردد صداه فوراً في لبنان.
أما على مستوى التفاوض، فالصورة تبدو أكثر تعقيداً. إسرائيل ترفع سقف شروطها إلى حد غير مسبوق، عبر احتفاظ بمناطق محتلة، استمرار العمليات العسكرية حتى خلال التفاوض، وربط أي انسحاب بتفكيك كامل لبنية حزب الله، في المقابل، يتمسك لبنان بوقف شامل للنار كمدخل لأي مسار تفاوضي، فيما تحاول واشنطن فرض صيغة “خطوة مقابل خطوة” كحل وسط.
لكن المشكلة أن هذه الصيغة، وإن بدت تقنية، تحمل في جوهرها تحوّلاً استراتيجياً: انتقال لبنان من موقع الرافض لأي تطبيع، إلى موقع المنخرط تدريجياً في ترتيبات أمنية قد تفتح الباب لاحقاً أمام مسارات سياسية أوسع.
Loading ads...
في الخلاصة، لا يقف لبنان اليوم على حافة حرب فقط، بل على مفترق مسارات. فهو عالق بين اندفاعة أميركية لا تعترف بالقيود، وحسابات إسرائيلية تدفع نحو التصعيد، وتوازنات داخلية هشة تحاول تجنّب الانفجار. إنها مرحلة “توتر مضبوط”، لكنها مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث يكفي خلل صغير في الإقليم ليُسقط كل قواعد اللعبة دفعة واحدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





