ليس كل من يتكلم باسم الألم صادقاً، ولا كل من يرفع راية الوعي يكون متحرراً من سلطته الخاصة، ففي السنوات الأخيرة، امتدّ احتكار الوعي ليسيطر بصيغة أكثر نعومة وخطورة، ليشمل احتكار ما يُسمّى الفهم الصحيح للعالم وللواقع السياسي على وجه الخصوص.
يتحول النقاش في هذا المناخ الإقصائي من مساحة للتعدد إلى ساحة تصنيف، ويصبح الاختلاف دليل نقص، وما يثير الاستغراب هنا أن هذا النمط لا يأتي دائماً من مواقع السلطة التقليدية، بل يصدر عن أصوات تقدم نفسها بصورة تقدمية، مثقفة أو منحازة للحرية لكنها في ممارستها اليومية تعيد إنتاج شكل آخر من الإقصاء أكثر تهذيباً وأشد قسوة.
لا يتنافس الناس اليوم في سوريا على ما هو أفضل للجميع، بل على من يملك حق تحديد ما هو الأفضل، ذلك أن كلّ فئة تحمل نسختها الخاصة من الوطن وترى نفسها الأحقّ برسمه، فتضيق المساحة بين التصورات المتناقضة وترغب كل فئة أن يُفصَّل الوطن المنشود على قياسها.
في هذه الحالة يصبح من غير الممكن اعتبار الوطن مساحة مشتركة بين المواطنين، بل يصبح مشروعاً شخصياً نظيفاً من خصوم كل فئة، ويتحول هذا النموذج إلى معيار وحيد للشرعية، وبهذا المعنى لا يعود الصراع على سوريا صراعاً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل صراعاً على حق الطموح السياسي بحد ذاته، لتحديد من من يملك الحق بأن يحدّد شكلها سوريا، لغتها، قيمها، وحدود المقبول فيها؟ فيتحوّل النقاش من اختلاف مشروع إلى تنازع على الملكية الرمزية للوطن.
يظهر هذا النمط في أوساط تُعرّف نفسها بوصفها منفتحة وتقدمية، وخصوصاً ضمن بعض الخطابات اليسارية، حيث تُطرح مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، ولكن ضمن قالب واحد شبه مغلق يُفترض أن ينطبق على الجميع، على أن يُوضع مباشرة في خانة التخلّف أو الوعي الزائف من لا ينسجم مع هذا القالب.
قد يرى بعض منا أن جزءا من شعور الاستحقاق هذا مفهوم ومقبول، فهناك من دفع أثماناً باهظة وعاش تجارب لا يمكن المقارنة بها أو تجاهل أثرها العميق على أصحابها، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الألم من تجربة إنسانية إلى مصدر شرعية سياسية مطلقة.
في واقع الأمر يعطي الألم صوتاً عالياً، لكنه لا يمنح حق الاحتكار ولا يبرّر إقصاء الآخرين بطبيعة الحال، وبالتالي لا يحوّل المعاناة إلى تفويض مفتوح لإعادة تشكيل الوطن على مقاس فردي أو فئوي، ومع ذلك يتحوّل التاريخ الشخصي إلى أداة تحديد جماعي، وتتحوّل التجربة الخاصة إلى معيار عام.
وكي نكون منصفين لا يقتصر هذا المنطق على من عانى فقط، فحتى أولئك الذين لم يدفعوا الثمن نفسه، يشاركون في إنتاج الفكرة ذاتها، ليرى كل طرف نفسه الأحق والأقدر والأوضح رؤية والأكثر أهلية لتحديد الاتجاه.
لا يبدو أن الحق في احتكار رسم صورة سوريا ينبع فقط من بوابة الألم، لأن هناك شكلا آخر متنكرا وأكثر خطورة، تتمثله فئة تدعي التفوّق المعرفي لأنها تبنّت منظومات فكرية تعتبرها (أكثر تقدّماً)، وتعتقد نفسها الأقدر على تحديد شكل المجتمع، وحدود المقبول فيه.
في هذا الخطاب لا يبدو من يختلف خصماً سياسياً، ولا شريكاً في النقاش، بل حالة تحتاج إلى تصحيح كي يشبهنا وهنا تتحول العلاقة بين شرائح المجتمع من أفقية قائمة على المساواة في الحقوق والواجبات إلى شاقولية قائمة على التوجيه والتصحيح.
لا يعود الهدف بهذا الشكل توسيع المساحة المشتركة، بل يصبح إعادة تشكيلها وفق نموذج محدد، ليس عبر القمع المباشر، بل عبر ضغط ثقافي ومعياري يُطلب فيه من الآخرين بصيغة غير معلنة، أن يخلعوا تجاربهم ليلبسوا هذا النموذج الجاهز، المفارقة أن هذا الخطاب، الذي يرفع شعارات التعددية، يمارس نوعاً دقيقاً من الإقصاء، فهو لا يطرد المختلفين صراحة، لكنه يضعهم في موقع دائم من النقص، ويجعل وجودهم مشروطاً باقترابهم بما يكفي من الشكل الصحيح وفقاً لمنظومتهم الضيقة.
يريد بعضنا "تفصيل الوطن حسب الطلب"، ليس كاستعارة بل كممارسة فعلية في الخطاب اليومي، فهناك من يريد سوريا علمانية صافية، تُقصي الدين من المجال العام بالكامل، وهناك من يريدها محافظة بالكامل، تُعيد تعريف المجال العام وفق منظومة أخلاقية محددة، وهناك من يراها مشروعاً ثورياً دائماً لا يقبل التسويات، وآخرون يريدونها مستقرة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب العدالة، وعلى اختلاف هذه الرؤى لكنها تشترك في نقطة واحدة أن كلّ منها يفترض ضمنياً أن النسخ الأخرى أقل شرعية أو مؤقتة يجب تجاوزها، وقليلون جداً من هم مستعدون للاعتراف بأن هذه النسخ قد تكون متناقضة، ومع ذلك مضطرة للتعايش.
إن ثنائية "نحن وهم" تخلق فجوة غير قابلة للردم وتعمل على تطبيق إقصاء ناعم أكثر خطورة لأنه قابل للتبرير، ويمكن تغليفه بالمنطق أو الأخلاق، أو حتى بالحرص على المصلحة العامة، لكنه في النهاية يؤدي إلى محاولة صبغ البلاد بلون واحد يشبهنا ونبذ الآخر المختلف.
تتغذى الفرضية آنفة الذكر على وهم النقاء، لأن كلّ طرف يرى نفسه أكثر وعياً وأكثر أخلاقاً، وأكثر فهماً لما يجب أن تكون عليه سوريا، ربما لا يُعلن عن ذلك بصراحة لكنه يتضح في طريقة الحكم على الآخرين، وفي سرعة التصنيف وفي الثقة المفرطة بالتصورات الذاتية.
من الصعب في هذا السياق الاعتراف بالمسؤولية المشتركة لأن كل طرف يرى الآخر مشكلة يجب حلّها، لا شريكاً يجب التفاهم معه وبذلك يتحوّل الخلاف من اختلاف قابل للإدارة إلى صراع لا يحتمل سوى الهزيمة أو النصر.
السؤال المحوري اليوم ليس: "كيف نصل إلى سوريا التي نريدها؟" بل يجب أن يكون: "هل نحن مستعدون للعيش في سوريا لا تشبهنا بالكامل؟" هل يمكننا قبول وطن لا يعكس قناعاتنا بشكل كامل، ولا يرضي تصوراتنا عن العدالة أو الهوية أو النظام؟
إن الاختلاف حول شكل رسم صورة البلاد أمر صحي لكن المشكلة تكمن في أننا نختلف على حق من يُسمح له أن يختلف ويناقش ويطمح، وطالما بقي هذا السؤال مفتوحاً سيبقى كلّ طرف يحاول تفصيل الوطن على مقاسه، وسيبقى الوطن أضيق من أن يتّسع للجميع.
من الصعب أن نرد بشكل واضح على مثل هذا السؤال لأنه يضعنا أمام حدود أنفسنا، ويكشف أن المشكلة ليست فقط في الواقع، بل في قدرتنا المحدودة على احتماله في هذا السياق، ذلك أن الوطن المفصّل حسب الطلب قد يخرج عن كونه حلماً بريئاً أو طموحاً مشروعاً بل قد يصبح عائقاً فعلياً، لأنه يرفع سقف التوقعات إلى درجة يستحيل تحقيقها، ويجعل أي حلّ واقعي يبدو ناقصاً أو خيانة أو تنازلاً غير مبرر.
لا يعني هذا الدعوة إلى التخلي عن الطموح، ولا إلى القبول بأي واقع قائم، بل يعني إعادة تعريف ما نطلبه من الوطن، وقبول احتمال تقبله حتى لو لم يكن مطابقاً للصورة التي نريدها، وبهذا المعنى لا يكون الوطن المكان الذي ننتصر فيه، بل المكان الذي نتعلّم فيه كيف لا نخسر بعضنا بالكامل، وكيف نتقبل التعايش مع ما لا نحب، وما لا نفهم أحياناً.
Loading ads...
من المتوقع اليوم أن لا تكون البلاد في هذه المرحلة عادلة بالكامل لأي أحد، وألا تعطي كلّ طرف ما يريده، وألا تكون على مقاس طرف واحد دون سواه، خاصة وأننا خارجون من كهف لم نتعلم فيه أصول السياسة أو التعايش مع الآخر، وأننا ما زلنا نتلمس الطريق الوعرة، لكن إن نجحت سوريا في أن تكون مكاناً يستطيع فيه المختلفون أن يبقوا من دون أن يضطروا للاختفاء، فهذا بحد ذاته إنجاز كبير، لأن الوطن هو الشيء الصحيح الوحيد الذي لا يقبل القسمة على واحد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

