8 أشهر
الزراعة السورية بين الجفاف والتجاهل.. أزمة قطاع استراتيجي في مواجهة نموذج ريعي هش
السبت، 15 نوفمبر 2025

في ظل موجة جفاف غير مسبوقة تهدد الأمن الغذائي السوري، تواصل الحكومة المؤقتة الإعلان عن استثمارات في مشاريع عمرانية ضخمة، ومبادرات تقنية رمزية، بينما يتم تجاهل القطاع الزراعي الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوري.
ولعقود مضت، شكلت المحاصيل الزراعية رمزا لاستقلالية الغذاء والاستقرار الاجتماعي في سوريا، وشكلت الزراعة الركيزة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في إنتاج القمح والشعير والزيتون والقطن. وقد كانت البلاد تحقق اكتفاء ذاتيا غذائيا حتى عام 2010، مع أكثر من 1.5 مليون هكتار مزروعة بالقمح. بجانب استيعاب الزراعة لأكثر من ربع القوى العاملة، وتغذيت الاقتصاد الريفي في المحافظات الشرقية والشمالية.
خلالها، نجحت سوريا في تحويل الزراعة إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وفقا لمنصة “الخبير السوري“، وذلك عبر مجموعة من السياسات الداعمة التي عززت الإنتاجية الزراعية بشكل ملموس، مثل تحسين البذور المحلية، خاصة بذور القمح بالتعاون مع مركز “ICARDA”، مما أدى إلى ارتفاع كبير في غلة المحصول. كما تم توفير الأسمدة بأسعار مدعومة والوقود بأسعار منخفضة، مما خفّض تكاليف الإنتاج.
خلافا للسياسات الزراعية السابقة، حيث كان يتم شراء كامل محصول الحبوب من المزارعين، وبسعر مدعوم (مكافأة للطن)، حددت الحكومة السورية الجديدة كمية معينة لشرائها فقط، وحاولت بشتى الوسائل الامتناع عن شراء الفائض عنها، ما حمّل المزارعين خسائر كبيرة، حسب المهندس الزراعي، عبد الوهاب السيد. منوها خلال حديثه لـ”الحل نت”، إلى أن القطاع الزراعي بحاجة ماسة إلى أدوات، موارد، وتوعية مهنية. فالفلاحون لا يزالون يعتمدون على أساليب تقليدية، بعيدا عن التقنيات الزراعية الحديثة، مما يحدّ من الإنتاجية ويعمّق الهشاشة. مشيراً إلى أن الجفاف الشديد لهذا العام فاقم الأزمة الزراعية، لاسيما في ظل غياب دعم حكومي فعلي. “الدعم الزراعي إن وجد، كان يأتي من المنظمات فقط”.
سوريا بلد زراعي.. ولكن تحت التهديد
اليوم، تواجه سوريا أزمة زراعية غير مسبوقة هذا العام، مع موجة جفاف تهدد الأمن الغذائي لـ 16مليون شخص، بينما تفتقر الحكومة إلى استراتيجية متكاملة. مما يعكس علاقة وثيقة بين التغير المناخي والخيارات التنموية الغائبة، عبر تلاقي العوامل الطبيعة القاسية مع إدارة هشّة مشغولة وانقسام مؤسساتي وغياب خطة طوارئ من قبل الحكومة المؤقتة، ما قد يترك السكان في مواجهة كارثة بلا إدارة فعالة.
حسب منظمة الأغذية والزراعة الأممية (فاو)، انخفض إنتاج القمح إلى 38 ألف طن فقط، مقارنة بـ 100 ألف طن سابقا. مقدّرة العجز الغذائي لهذا العام بـ 2.7 مليون طن من القمح، ما يعرض 16.3 مليون سوري لانعدام الأمن الغذائي. وهو ما يدركه المسؤولون الحكوميون. فوفقا لمدير مؤسسة الحبوب السورية، حسن عثمان، سوريا لم تكن مكتفية ذاتيا. لكن السلطات تعمل “على ضمان الأمن الغذائي من خلال استيراد القمح من الخارج وطحنه في مصانعنا”.
لكن الضرر لم يقتصر على الزراعة فقط، إنما يمتد إلى الثروة الحيوانية بسبب نقص الأعلاف وتدهور المراعي وانتشار الأوبئة في المحاصيل الزراعية. وكان الجفاف قد أدى إلى انخفاض منسوب المياه في الأنهار والآبار، وتراجع الأمطار. على ذلك، حذّر الخبير الزراعي، أكرم الحلبي، من انهيار الإنتاج الزراعي بنسبة 50٪، ونزوح سكان من المناطق الزراعية وتفاقم الفقر. فيما حذّر الخبير نادر مرعي، من تحول الأزمة المائية في سوريا إلى أزمة هيكلية طويلة الأمد، داعيا إلى إعلان حالة طوارئ مائية وتبني خطة متكاملة تجمع الحكومة والمزارعين. وشدد على ضرورة تطوير قواعد بيانات مناخية واقتصادية، واعتماد سياسات مستدامة لإدارة الجفاف.
غياب هذه التدابير يهدد الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، ويكرّس هشاشة القطاع الزراعي في مواجهة التغيرات المناخية والسياسية، حسب مرعي.
مع ذلك، لا تزال الحكومة بعيدة عن ملامسة الأزمة، فيما تصب أغلب جهودها لاستجرار مشاريع استثمارية براقة أو سريعة الربح، كالأبراج وأشباهها، على حساب قطاع استراتيجي وثيق الاتصال بالقطاعات اللازمة لأي نهضة وطنية بعيدة المدى. إذ إن الاستثمار في الأبنية الفاخرة لا ينعكس على الاقتصاد الحقيقي، بل يعمّق الفجوة بين المركز والريف.
كما يشكل تراجع الزراعة في سوريا أحد أخطر مظاهر الخلل البنيوي بعد سنوات الحرب والعقوبات والجفاف، حسب الباحث في شركة “كرم شعار” للاستشارات، ملهم الجزماتي. فالزراعة لم تعد مجرد نشاط اقتصادي، بل باتت محورا أساسيا للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. حيث إن إهمال الزراعة يؤدي إلى انكماش الإنتاج الوطني، وتراجع مساهمتها في الناتج المحلي. وعليه، يزداد الاعتماد على الواردات والمساعدات، مما يضعف السيادة الاقتصادية ويعمّق العجز التجاري.
الجفاف تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين السوريين – (الجزيرة)
يشير جزماتي خلال حديثه لـ”الحل نت”، إلى أن غياب الدعم الفعّال يحدّ من الاستثمار في الأرياف، ويؤدي إلى انهيار الصناعات الزراعية المرتبطة بها، فتتقلص سلاسل القيمة ويصبح الريف عبئا اقتصاديا. كما أن انهيار الزراعة يدفع آلاف الأسر الريفية نحو المدن أو الهجرة، مما يضغط على سوق العمل والخدمات الحضرية. كما تتآكل الطبقة الريفية المنتجة، ويتراجع الانتماء للأرض، وتتسع الفجوة بين المدن الغنية والمناطق المهمشة. وهذا الخلل يراكم توترات اجتماعية صامتة تغذّيها البطالة والفقر وانعدام العدالة.
تاليا، فإن إهمال الزراعة لا يهدد الأمن الغذائي فحسب، بل يضرب أسس التوازن الاقتصادي والاجتماعي. ولا يمكن لأي مشروع تنموي وطني أن ينجح دون إعادة بناء القاعدة الزراعية، وتثبيت سكان الأرياف بسياسات إنتاجية عادلة تعيد للزراعة دورها كمحرّك للاستقرار والنمو، حسب جزماتي.
ذلك أن الزراعة هي ركيزة الاقتصاد المستدام، والاستثمار فيها يحقق عوائد مضاعفة تمتد إلى قطاعات متعددة، حسب موقع “أسامينا”. حيث يقلل زيادة الإنتاج المحلي من الاعتماد على الاستيراد، ويوفر العملة الصعبة، ويدعم الصناعات المرتبطة بالمحاصيل، إضافة لخلق فرص عمل في سلاسل التعبئة والنقل والتوزيع. ويُعد الأمن الغذائي جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، ما يجعل الاستثمار الزراعي أداة استراتيجية لتقليل هشاشة الدولة أمام الأزمات العالمية. فيما تعتمد قطاعات الصناعة والتجارة والسياحة على المنتجات الزراعية، مما يجعل دعم الزراعة مصلحة وطنية مشتركة.
بدوره، يتلاقى يونس الكريم، وهو خبير اقتصادي بالشأن السوري، مع جزماتي بالعديد من النقاط. وخلال حديثه لـ “الحل نت”، يشير الكريم إلى أن تجاهل الزراعة يؤدي إلى مخاطر تمتد من أزمة الغذاء إلى تآكل السيادة الاقتصادية. ويمثل تهديدا متعدد الأبعاد، تتصاعد آثاره لتطال الأمن الغذائي، وسوق العمل، والاستقرار السياسي، والبنية الاقتصادية الوطنية.
على المدى القريب، سيؤدي الاعتماد على استيراد الغذاء إلى ارتفاع أسعاره، وتاليا لاستنزاف احتياطي القطع الأجنبي. إلى جانب تراجع التشغيل في الأرياف، التي كانت تستوعب 22% من اليد العاملة عام 2010. مع تلاشي القطاعات المرتبطة بالزراعة، مما يفاقم خسارة القوى العاملة في الريف والمدينة معا، ويزيد الضغط على قطاعات أخرى، ويُحدث انكماشا في سوق العمل.
كذلك، قد تصبح سوريا رهينة للابتزاز الدولي مقابل الغذاء، ما يهدد الاستقرار السياسي والغذائي، قال الكريم. وأضاف: “وسيؤدي لارتفاع فاتورة الصحة والتعليم نتيجة الفقر وسوء التغذية، وتزايد نسبة الهجرة بحثا عن موارد مالية. مع تراجع القدرة الشرائية، وخروج الصناعة من المعادلة الاقتصادية، نظرا لارتباطها التاريخي بالزراعة. وتاليا تحول البلاد إلى ساحة للصناعات الأجنبية، ما يعمّق التبعية ويستنزف الموارد الوطنية”.
خطوات حكومية متفرقة دون رؤية متكاملة
الزراعة ليست قطاعا معزولا، بل هي المدخل الأساسي للصناعة الغذائية، والتجارة الداخلية والخارجية. لذا، فإن تراجع الإنتاج الزراعي أدى إلى انكماش في الصناعات التحويلية، مثل الطحين، الزيوت، الألبان، ما أثر على سلاسل التوريد. ذلك أن كل دولار يُستثمر في الزراعة يخلق ثلاثة وظائف في قطاعات أخرى، بينما الاستثمار في الأبراج مثلا يخلق عزلة اقتصادية. لكن لغاية الآن لم تطلق الحكومة أي خطة لربط الزراعة بالصناعة، أو لتأمين الأسواق الداخلية والخارجية للمنتجات الزراعية.
حيث اكتفت وزارة الزراعة بإجراءات إسعافية، مثل توزيع بذور مقاومة للجفاف، دون معالجة بنيوية لأزمة المياه والطاقة. كما تم إطلاق بعض المشاريع الطموحة المتفرقة مثل إنتاج الغراس المثمرة، دون وجود خطط استراتيجية متكاملة. فيما أطلقت منظمة “فاو” بالتعاون مع وزارة الزراعة السورية المرحلة الثانية من مشروع “تعزيز القدرة على الصمود المحلي BLRS))”، مستهدفة دعم 144 ألف عائلة في سبع محافظات حتى مارس 2028. وتشمل التدخلات تأمين مدخلات زراعية متنوعة لتحسين الإنتاج النباتي والحيواني، وإعادة تأهيل شبكات الري، وتعزيز الموارد المائية. كما يتضمن المشروع دعم أنشطة مدرة للدخل عبر برنامج “نبتة”، وتقديم إرشادات بيئية، وتمكين المرأة، في إطار مقاربة تنموية شاملة تهدف إلى تعزيز المرونة المجتمعية في مواجهة الأزمات الزراعية والبيئية.
تراجع الزراعة في سوريا لم يُعد مجرد إهمال لقطاع إنتاجي، حسب جزماتي، بل بات انعكاسا لتحول عميق في مفهوم التنمية ذاته، من نموذج إنتاجي طويل الأجل إلى نموذج ريعي رمزي يركز على المظاهر السريعة للعافية الاقتصادية. حيث تميل السياسات العامة الحالية إلى مشاريع سريعة العائد كالعقارات الفاخرة والبنية التحتية والاتصالات، لا لإعادة بناء القاعدة الزراعية والصناعية.
هذه المشاريع تستخدم لإظهار التعافي، لا لتحقيقه فعليا، ما يعكس انزياحا عن التنمية الإنتاجية نحو تنمية شكلية قائمة على الريع. ويأتي ذلك في ظل العجز المالي وغياب الدعم الدولي لإعادة الإعمار، لذا تبحث الدولة عن استثمارات مغرية لرأس المال الأجنبي. لكن هذه الاستثمارات تخدم النخبة الحضرية وتبقى منفصلة عن دورة الإنتاج، مما يكرّس الركود الهيكلي ويضعف التماسك الاقتصادي.
فالنموذج الريعي يعيد إنتاج التفاوت بين المركز والأطراف، ويقصي الفئات غير القادرة على دخول أسواق الريع. وبذلك، يتحول الاستثمار من أداة لإعادة توزيع الثروة إلى وسيلة لتركيزها، ما يخلق اقتصادا مزدوجا، قطاع حديث مربح لكنه ضيق النطاق، وقطاع واسع لكنه هش وغير منتج.
ويتطلب النهوض بالقطاع الزراعي في سوريا يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، إلى جانب مراجعة جذرية للسياسات العامة، وعلى رأسها السياسات الزراعية. ووفقا لمنصة “الخبير السوري”، فإن الخطوة الأولى تبدأ بتعزيز الدعم الحكومي المباشر للمزارعين، وتحديث تقنيات الزراعة المستخدمة لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية المتفاقمة.
بالمقابل، إهمال القطاع الزراعي في الاستراتيجيات الاقتصادية، يدفع المواطنين نحو المضاربات العقارية، حسب الكريم، وهي سوق غير مستقرة ولا تخلق قيمة إنتاجية مستدامة. مشيرا إلى أن الحكومة الحالية حديثة التشكيل، وتفتقر إلى خطط زراعية سابقة. كما أنها تسعى لإرضاء الشارع عبر تأمين موارد مالية سريعة، فاتجهت نحو الاستثمار العقاري وقطاع الطاقة. حيث إن الاستثمارات الزراعية تتطلب أفقا زمنياً أطول (3–5 سنوات)، وهو ما لا يتماشى مع أولويات الحكومة الراهنة.
Loading ads...
وتشكل أزمة الزراعة اختبارا لشرعية الحكومة الجديدة، وشرطا أساسا لأي مشروع سياسي أو اقتصادي مستقبلي. إنقاذ الزراعة السورية يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الإغاثة إلى التنمية، وتجمع بين الدعم الدولي والإصلاح المحلي، بين الاستثمارات الاستراتيجية وحماية الفلاحين الصغار. فبدون أرض مثمرة وغذاء كاف، لن يكون لأي مشروع سياسي أو اقتصادي في سوريا أساس للبقاء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

