2 أشهر
في دمشق الحرة.. فلسطين تعود إلى طاولة السوريين بلا تزييف ولا توظيف
الأربعاء، 17 يونيو 2026
لم تكن الورشة الحوارية التي انعقدت في فندق الشيراتون بدمشق يومي 13 و 14 من حزيران يونيو الجاري ، تحت عنوان : «سوريا وفلسطين : من التاريخ المشترك إلى أسئلة الدولة الجديدة» مجرد فعالية بحثية عابرة أو لقاء أكاديمي تقليدي.
لقد كانت في تقديري حدثاً بالغ الأهمية والدلالة ، وربما من أبرز الفعاليات التي وضعت العلاقة السورية الفلسطينية على الطاولة كما ينبغي أن توضع بعقل أكاديمي باحث، وفاحص، وناقد، وبروح وطنية حريصة على تحويل النقاش إلى مخرجات عملية.
وقد شاركت شخصياً في هذه الورشة بورقة عمل رفقة ثلة من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين المختصين بالشأنين الفلسطيني والسوري وخرجت بانطباع عميق بأننا كنّا أمام منصة حقيقية للحوار، لا منصة للمجاملات، منصة أتاحت نقاشاً معمقاً في العلاقة الفلسطينية السورية على أرض سوريا الحرة، وفي قلب دمشق هذه المرة، دمشق التي نبضت بعشق فلسطين، بعيداً عن شعارات التزييف، وتدليس التوظيف، والمتاجرة الطويلة بالورقة الفلسطينية.
الأهمية الكبرى لهذه الورشة لا تكمن فقط في موضوعها، بل في توقيتها أيضاً، فقد جاءت عشية الاقتراب من انعقاد مجلس الشعب السوري، وبحضور لافت لعدد من أعضائه الجدد.
قيمة هذه الورشة لم تنبع فقط من أهمية الأسئلة التي طرحتها، بل من طبيعة المشاركين فيها، والتنوع الفكري والمعرفي الذي جمع أكاديميين وباحثين وقانونيين وإعلاميين وفاعلين في الشأن العام من السوريين والفلسطينيين..
وكان لافتاً حجم الدفق العاطفي تجاه فلسطينيي سوريا والقضية الفلسطينية، لكن الأهم من العاطفة كان الحديث الواضح عن الرغبة في ترجمتها إلى فعل سياسي وقانوني، يتجلى في قوانين وقرارات داعمة لحقوق الفلسطينيين في سوريا.
لقد اعتدنا، طوال عقود، أن تُستحضر فلسطين في الخطاب الرسمي العربي عموماً ، والسوري خصوصاً ، بوصفها شعاراً عالي الصوت، لا بوصفها ملفاً حقوقياً وإنسانياً وقانونياً يحتاج إلى إدارة عادلة ومؤسسات رشيدة، أما في هذه الورشة، فقد حضرت فلسطين لا كأداة للشرعية، ولا كغطاء للاستبداد، ولا كذريعة لقمع الداخل، بل كقضية شعب وحقوق وذاكرة ومصير مشترك.
كان النقاش شجاعاً حين اقترب من الأسئلة الصعبة: ما الذي جرى للفلسطينيين في سوريا بعد عام 2011؟ كيف تحولت المخيمات من فضاءات لجوء إلى ساحات صراع؟ ما حدود الحقوق التي يتمتع بها الفلسطيني في سوريا؟ وما المطلوب من الدولة السورية الجديدة كي لا يبقى الوجود الفلسطيني عالقاً بين العاطفة السياسية والفراغ القانوني؟
كما أن قيمة هذه الورشة لم تنبع فقط من أهمية الأسئلة التي طرحتها، بل من طبيعة المشاركين فيها، والتنوع الفكري والمعرفي الذي جمع أكاديميين وباحثين وقانونيين وإعلاميين وفاعلين في الشأن العام من السوريين والفلسطينيين، فقد بدا واضحاً أن الهدف لم يكن تسجيل المواقف أو إعادة إنتاج الخطابات التقليدية، بل محاولة بناء فهم أعمق لهذه العلاقة المركبة، بما يساعد على صياغة رؤى أكثر واقعية وعدالة للمستقبل.
الأوراق المقدمة، والنقاشات التي تلتها، لم تكتفِ باستعادة التاريخ، بل حاولت تفكيكه ونقده، وهذا بحد ذاته تحوّل مهم، فالعلاقة السورية الفلسطينية أكبر من أن تُختصر في الشعارات، وأعمق من أن تُدار بعقل أمني أو بمنطق احتكار القرار. إنها علاقة مجتمعية وتاريخية وثقافية وقانونية، تحتاج اليوم إلى إعادة بناء على قاعدة الحرية والكرامة وسيادة القانون.
ولا بد هنا من تسجيل كلمة تقدير مستحقة للمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة بكل مكونات فريقه العلمي والإداري والإعلامي، الذي امتلك الجرأة الفكرية والمهنية لطرح هذا الملف الحساس والمعقد على طاولة البحث والنقاش في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا، فالمركز لم يكتفِ بتنظيم فعالية أكاديمية، بل نجح في بناء مساحة حوارية رصينة اتسمت بحسن الإعداد ودقة التنظيم وجودة اختيار العناوين والمحاور، كما انعكس ذلك في طبيعة الدعوات الموجهة للمشاركين، والتنوع اللافت في الخلفيات الأكاديمية والسياسية والقانونية والإعلامية للحضور. وقد بدا واضحاً حجم الجهد المبذول في تصميم ورشة تجمع بين العمق العلمي والانفتاح على مختلف وجهات النظر، مع حرص حقيقي على إنتاج معرفة قابلة للتحول إلى رؤى وسياسات ومقترحات عملية.
وفي زمن تتراجع فيه مساحات الحوار الجاد، يُحسب للمركز أنه اختار أن يخوض هذا النقاش الشائك بثقة ومسؤولية، وأن يفتح الباب أمام مقاربة جديدة للعلاقة السورية الفلسطينية، تقوم على البحث والتفكير النقدي والسعي إلى استشراف المستقبل بدل الاكتفاء باستعادة الماضي ، كما يُحسب له أنه نجح في جمع هذا الطيف الواسع من الخبرات والكفاءات حول طاولة واحدة، في لحظة سورية دقيقة تحتاج إلى مثل هذه المبادرات الجادة والمسؤولة.
ما ميّز الورشة أيضاً هو حرصها الواضح على ألا تبقى أسيرة التنظير، فقد بدا واضحاً أن المطلوب ليس إنتاج توصيات جميلة بعناوين براقة ثم تُحفظ في الأدراج، بل فتح مسار جاد نحو مراجعة السياسات والقوانين والمؤسسات الناظمة لوجود الفلسطينيين في سوريا، بما يحفظ حقوقهم، ويصون هويتهم الوطنية، ويؤكد في الوقت نفسه أن حق العودة لا يتناقض مع نيل الحقوق المدنية والإنسانية الكاملة في بلد احتضن الفلسطينيين عقوداً طويلة .
وفي هذا السياق كان حضور عدد من أعضاء مجلس الشعب السوري الجدد مؤشراً إيجابياً يستحق التوقف عنده، فالنقاشات التي جرت عكست اهتماماً حقيقياً بالقضية الفلسطينية وبأوضاع الفلسطينيين في سوريا، كما عكست استعداداً للاستماع إلى المقاربات القانونية والحقوقية الجديدة ، والأهم من ذلك أن ما سمعناه لم يقتصر على التعبير عن التعاطف أو التأكيد على عمق الروابط التاريخية، بل تضمن حديثاً واضحاً عن ضرورة ترجمة هذا الاهتمام إلى سياسات وتشريعات وإجراءات عملية تعزز حقوق الفلسطينيين وترسخ مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون ، وبخصوص العدالة فإن حضور ممثل عن هيئة العدالة الانتقالية كان قيمة مضافة لعنوان وقضية تشغل بال جميع السوريين وأشقائهم الفلسطينيين الذين امتزجت دماؤهم في حفرة التضامن وكان رسالة واضحة وحرص شديد على مبدأي التشاركية والشمول.
إن نجاح هذه الورشة لم يكن فقط في الأسئلة التي طرحتها، بل في قدرتها على كسر الصمت حول ملفات ظلت لعقود حبيسة الشعارات والاصطفافات السياسية، وفتحها الباب أمام نقاش حر ومسؤول يليق بسوريا الجديدة ويليق بالقضية الفلسطينية.
في دمشق الجديدة، يجب أن تخرج فلسطين من أسر التوظيف السياسي إلى فضاء الشراكة الأخلاقية والقانونية، ويجب أن ينتقل الحديث عن فلسطينيي سوريا من لغة التعاطف إلى لغة الحقوق، ومن الوعود العامة إلى النصوص القانونية، ومن العاطفة النبيلة إلى السياسات العادلة.
لهذا أرى أن هذه الورشة لم تكن حدثاً عادياً بل كانت بداية نقاش وطني مطلوب، وربما تأسيسي، حول معنى أن تكون فلسطين حاضرة في سوريا الحرة لا بوصفها لافتة، بل بوصفها التزاماً أخلاقياً وسياسياً وقانونياً .
وكانت فرصة نادرة لكي يقول السوريون والفلسطينيون معاً إن العلاقة بينهما يجب أن تُبنى من جديد، لا على الوصاية ولا على الاستخدام، بل على الاحترام والحقوق والمصير المشترك.
لقد نبضت دمشق بفلسطين في هذه الورشة، لكن نبضها هذه المرة كان مختلفاً: صادقاً، وحراً، ونقدياً وجريئاً، ومسؤولاً.
ومن الإنصاف القول إن نجاح هذه الورشة لم يكن فقط في الأسئلة التي طرحتها، بل في قدرتها على كسر الصمت حول ملفات ظلت لعقود حبيسة الشعارات والاصطفافات السياسية، وفتحها الباب أمام نقاش حر ومسؤول يليق بسوريا الجديدة ويليق بالقضية الفلسطينية.
فإذا كانت العقود الماضية قد شهدت توظيفاً سياسياً للقضية الفلسطينية أضرّ بفلسطين كما أضرّ بسوريا، فإن المرحلة الجديدة تفرض مقاربة مختلفة ، مقاربة تنطلق من الحقوق لا من الشعارات، ومن الشراكة لا من الوصاية، ومن احترام الإنسان والقانون لا من الاستثمار في القضايا العادلة لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
لقد أعادت هذه الورشة التأكيد على حقيقة طالما حاولت السياسة إخفاءها ومفادها: أن العلاقة بين السوريين والفلسطينيين أعمق من الأنظمة والسياسات، وأنها علاقة صنعتها الجغرافيا والتاريخ والدم والمصير المشترك، ومن قلب دمشق الحرة، بدا واضحاً أن الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة تُبنى على الحقيقة والعدالة والاحترام المتبادل، بحيث تبقى فلسطين حاضرة في وجدان السوريين بوصفها قضية حق، ويبقى الفلسطينيون في سوريا أصحاب حقوق كاملة وكرامة مصونة إلى أن يتحقق حقهم في العودة إلى وطنهم.
ذلك هو المعنى الحقيقي الذي خرجت به من هذه الورشة، وذلك هو الأمل الذي رأيته في وجوه المشاركين والحضور أن تتحول هذه الحوارات من نقاشات فكرية إلى سياسات عامة، ومن أوراق بحثية إلى خطوات عملية، بما يليق بتاريخ الشعبين السوري والفلسطيني ومستقبلهم المشترك.
وإذا كانت هذه الورشة قد نجحت في شيء أساسي، فهو أنها أعادت فتح باب النقاش المسؤول حول واحدة من أكثر القضايا حساسية وتشابكاً في الحياة السورية والفلسطينية، بعيداً عن المزايدات والأحكام المسبقة. ومن هنا فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن فقط في ما قيل داخل قاعاتها، بل في ما يمكن أن تؤسس له من أفكار ومسارات وسياسات خلال المرحلة المقبلة.
إن سوريا الجديدة التي ينشدها السوريون، وفلسطين التي يحملها الفلسطينيون في وجدانهم وذاكرتهم وحقهم التاريخي، تستحقان مثل هذه المساحات الحرة من الحوار والتفكير والنقد البناء ولذلك فإن هذه الورشة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل خطوة مهمة على طريق طويل يحتاج إلى مزيد من الشجاعة الفكرية والإرادة السياسية والعمل المشترك.
Loading ads...
أخيراً وبكلمة.. آمل فعلاً أن أكون قد أوفيت هذه الورشة جزءاً من حقها بلا مجاملة أو مبالغة وبموضوعية ومهنية تليق بالجهد الذي بُذل لإنجاحها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

