35 دقائق
الداكل الألماني.. من كلب صيد إلى أيقونة ثقافية ورمز سياسي
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

اشتهر بابلو بيكاسو بمصادر إلهامه الكثيرة، وكان معظمها من النساء اللواتي ارتبط بهن غالباً بعلاقات معقدة ومضطربة. لكن أحد أكثر ملهميه تأثيراً لم يكن امرأة، بل كلبه "لومب" من فصيلة "الداكل" الألماني. والداكل (Dackel) هو الاسم الألماني للكلب المعروف عالمياً باسم الداشهند (Dachshund)، وهي سلالة تتميز بجسم طويل وأرجل قصيرة، وكانت تُستخدم قديماً في صيد الحيوانات التي تعيش داخل الجحور.
وقبل أن يصبح رفيقاً لبيكاسو، كان لومب مملوكاً للمصور الصحفي الأمريكي ديفيد دوغلاس دونكان، الذي زار الفنان الإسباني عام 1967 في فيلته بمدينة كان الفرنسية. ويروي دونكان أن الكلب قفز إلى حضن بيكاسو عند لقائهما الأول، وبدا وكأنه اتخذ قراره بالبقاء إلى جانبه. وبالفعل، عاش لومب مع بيكاسو طوال السنوات الست الأخيرة من حياته.
ولا تُعرف على وجه الدقة الكيفية التي عبّر بها لومب عن رغبته في البقاء مع الفنان الإسباني، لكن العلاقة الاستثنائية بينهما كانت واضحة منذ اللحظة الأولى. ففي يوم لقائهما نفسه، خلد بيكاسو صورة الكلب على طبق خزفي، بينما وثّق دونكان تلك اللحظات والبدايات الأولى لهذه الصداقة الفريدة في مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي أصبحت شاهداً على واحدة من أغرب العلاقات في حياة الفنان الشهير.
يمكن مشاهدة الطبق الخزفي المرسوم وصور دونكان في معرض " الداكل. أيقونة تخرج في نزهة" في قاعة بريمن للفنون، والذي بدأ في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 ويستمر حتى 28 مارس/ آذار 2027.
يظهر لومب في عدة لوحات من "سلسلة لاس مينيناس" لبيكاسو. وقد أعاد بيكاسو تفسير عمل دييغو فيلاسكيز واستبدل كلب الحراسة الكبير الموجود في اللوحة الأصلية بكلب الداكل الذي تبنّاه.
بأذنيها الطويلتين وجسمها الطويل للغاية مقارنة بأرجلها القصيرة نسبيًّا تتمتع الكلاب الألمانية الصغيرة من سلالة "الداكل" بصورة ظلية لا تخطئها العين. تقول آنيت ريكيرت، المنسقة الفنية لمعرض بريمن: "إنه حقًّا كلب ذو شكل أيقوني وهو ما يجعله مثيرا للاهتمام في نواحٍ عديدة".
وإلى جانب بيكاسو قام عدد من الفنانين البارزين بتخليد ذكرى كلب الداكل ومن بينهم آندي وارهول وأوتو ديكس وديفيد هوكني وماكس ليبرمان وروزماري تروكل. وتضيف ريكيرت: "نلاحظ بشكل لافت أن كلب الداكل يظهر في أعمالهم في كثير من الأحيان كمصدر إلهام أو كنموذج أو كشريك في المرسم".
لكن كلب الداكل لا يقتصر دوره على كونه موضوعا للتأمل في تاريخ الفن فحسب. فهو يروي أيضا جزءًا من التاريخ الثقافي، حسبما تقول المنسقة لأننا نربطه "بشيء ألماني".
يُعد الداكل من أقدم سلالات الكلاب الألمانية وقد تم تربيته في الأصل لصيد حيوانات الغرير الأوروبي والثعالب والأرانب. وهو موجود في ألمانيا منذ أكثر من 300 عام إلا أن المعايير الأولى لسلالة الداكل لم تُحدد إلا في عام 1879. وتلا ذلك في عام 1888 تأسيس "نادي الداكل الألماني". ويُعرف "الداكل" أيضاً باسم "تيكل" (Teckel)، وهي تسمية تعود إلى لهجات شمال ألمانيا وما زالت شائعة بين مربي الكلاب والصيادين حتى اليوم. ويُطلق على كلب الداكل في اللغة الإنجليزية اسم "Dachshund" (داشهند)، لكن شكله الطويل جعله يُعرف أيضاً بألقاب شعبية مثل "كلب النقانق" أو "كلب فيينا"، في إشارة إلى الشبه بين جسمه الممتد ونقانق فيينا الشهيرة.
لكن "الداكل" ليس مجرد كلب صيد. فليس هناك سلالة كلاب أخرى تقريبا متجذرة في التاريخ الثقافي الألماني بهذا العمق: فقد كان في بعض الأحيان رمزا للثقل البرجوازي وفي أحيان أخرى أصبح رمزا أولمبيًّا.
كما كان آخر قياصرة ألمانيا، فيلهلم الثاني، من عشاق الداكل المتحمسين وكان يمتلك عدة كلاب من هذه السلالة. تسبب اثنان من كلابه وهما "فادل" و"هيكسل" في حادثة دبلوماسية صغيرة عام 1908: فخلال زيارة إلى قصر كونوبيشتي، المقر الريفي لوريث العرش النمساوي فرانز فرديناند يُقال إن الكلبين من فصيلة الداكل قاما باصطياد إحدى طيور الفاسان الذهبية الثمينة. وأثارت الحادثة ضجة كبيرة في أوساط النبلاء الأوروبيين وانتهت باعتذار رسمي من القيصر.
خلال الحرب العالمية الأولى، تحوّل كلب "الداكل" إلى رمز يرتبط بألمانيا في المخيلة الشعبية. فكان يُستخدم في الملصقات الدعائية والرسوم الساخرة للدلالة على ألمانيا، تماماً كما كانت بريطانيا تُمثَّل بكلب "البولدوغ" وفرنسا بكلب "البودل". ومع تصاعد المشاعر المعادية لألمانيا في الولايات المتحدة آنذاك، تراجعت شعبية هذا الكلب، حتى إن بعض مالكيه فضّلوا تجنب تسميته المأخوذه من الألمانية "داشهند"، وأطلقوا عليه بدلاً من ذلك اسم "Liberty Hound" أي "كلب الحرية".
خلال الحرب العالمية الثانية، برز كلب الراعي الألماني بوصفه السلالة المفضلة في ألمانيا النازية، بينما لم يحظَ "الداكل" بالمكانة نفسها. وتوضح أمينة المعرض آنيت ريكيرت أن شكل "الداكل" وطبيعته لم يكونا منسجمين مع الصورة التي كان النظام النازي يسعى إلى إظهارها عن القوة والهيبة. وتقول: "لم يكن هذا النوع من الكلاب مما يرغب النازيون في الظهور معه بوصفه رمزاً يمثلهم". وبدلاً من ذلك، كانوا يفضلون الكلاب الكبيرة ذات المظهر القوي والمثير للرهبة، وفي مقدمتها كلب الراعي الألماني الذي كان أدولف هتلر يظهر معه، ولا سيما كلبته الشهيرة "بلوندي". كما حظيت كلاب الدوبيرمان أيضاً بشعبية بسبب مظهرها القوي والصارم.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، تحول كلب "الداكل" إلى رمز يعكس صورة ألمانيا الجديدة. فقد اكتسب الكلب "فالدي" شهرة عالمية بعدما اختير تميمة رسمية لدورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها ميونيخ عام 1972. وكان "فالدي" الذي صممه أوتل آيشر وإيلينا شفايغر يمثل قطيعة واعية مع الرموز والصور المرتبطة بالحقبة النازية. فبدلا من نسر الرايخ والصرامة البروسية جسدت التميمة الأولمبية قيم الانفتاح والتفاؤل والبهجة وروح الحياة.
واهتم أوتل آيشر بشكل خاص بالألوان المستخدمة في تصميم "فالدي". فقد تجنب اللون البني المرتبط بالنازية، كما ابتعد عن ألوان العلم الألماني التقليدية: الأسود والأحمر والذهبي، مفضلاً بدلاً من ذلك الألوان الباستيلية الفاتحة. وتوضح أمينة المعرض آنيت ريكيرت أن الهدف كان تقديم صورة مختلفة لألمانيا، وتقول: "كان هناك سعي إلى إبراز ألمانيا منفتحة ومبهجة وديمقراطية ومتنوعة، وهي صورة ما زلنا نعمل على ترسيخها حتى اليوم".
إلا أن القيمة الرمزية السياسية لكلب الداكل لم تختفِ تماما. فحسب ريكيرت تحاول الجماعات اليمينية المتطرفة مرارا استغلاله كرمز قومي خفي على سبيل المثال على ربطات العنق أو الجوارب. وفي الوقت نفسه تشكلت حركات مضادة مثل "الداكل ضد اليمين". لكن ما يهم المنسقة في معرضها بشكل أساسي هو جانب آخر من هذه السلالة: الداكل كرمز للود وحب الحياة وروح الدعابة. ولذلك فإن أجزاء من المعرض متاحة أيضا للكلاب الصغيرة وقد صُممت بعض الأعمال الفنية والعروض خصيصا للزوار ذوي الأرجل الأربعة.
وترى آنيت ريكيرت أن ردود الفعل على المعرض تنسجم مع الصورة الودية التي يتمتع بها كلب الداكل. وتقول إنه لا يكاد يمر يوم دون أن تتلقى رسائل تتعلق بهذه السلالة، سواء كانت صورا أو أعمالا فنية أو معلومات عن فعاليات مخصصة لها. تضيف: "لم يسبق لي أن أشرفت على معرض حظي بهذا القدر من الترحيب والتفاعل المتنوع حتى قبل افتتاحه. والأمر يبدو غريباً بعض الشيء."
Loading ads...
أعده للعربية: م.أ.م/ صلاح شرارة
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




