ثمة أمور نادرا ما تتصدر عناوين الأخبار، لكنها باتت تشكل جوهر الحياة في غزة، إنها حقائق قاسية لا تتضح إلا عند التدقيق في تفاصيل الحياة اليومية، كفنجان شاي مثلا. وعلى مدار هذا الأسبوع، تقول "غارديان": وثّقنا الروتين اليومي والمهام العادية لـ5 فلسطينيين عاديين: طفل، وامرأة حامل، ومعلم، ومتزلج، وجدة.
وتضيف الصحيفة البريطانية أنها تتبعتهم من شروق الشمس حتى غروبها، عبر اللحظات الصغيرة العادية التي نادرا ما تظهر في الأخبار الدولية، وأن هدفها من ذلك أن تفهم بشكل مختلف وأعمق كيف يعيش سكان غزة الوقت الحالي.
وفي ما يلي ملخصات لقصصهم:
علاء حسي امرأة فلسطينية حامل في شهرها الأخير، وتحاول أن تعيش حملها وتستعد لولادة طفلها وسط ظروف النزوح والحرب.
أبسط الأشياء، مثل إعداد كوب شاي، أصبحت عملية تحتاج إلى حساب دقيق للوقود، إذ تحصل عائلتها على نحو 6 كيلوغرامات من الغاز كل 3 أشهر، وهي كمية محدودة للغاية.
الغاز ضروري أساسًا للطهي، ولذلك عندما تريد إعداد الشاي تضطر إلى إشعال النار بوسائل أخرى.
وتحمل حياتها أيضًا مأساة شخصية عميقة، فقد فقدت 3 من أطفالها في إحدى عمليات القصف.
والآن تحاول تجهيز مكان آمن لطفلها القادم، لكن المكان الذي تقيم فيه خيمة قائمة فوق الأنقاض بالقرب من المكان الذي قُتل فيه أطفالها.
ولذلك فإن انتظار مولود جديد يجمع بالنسبة إليها بين الأمل والخوف: أمل في بداية حياة جديدة، وخوف من أن تفقد طفلًا آخر.
وتظهر تفاصيل حياتها اليومية كيف أصبحت حتى الاستعدادات الطبيعية للأمومة، مثل تجهيز مكان للنوم والطفل، مهمة صعبة في ظروف النزوح ونقص المواد الأساسية.
رمضان، البالغ 12 عامًا، يعيش مع عائلته في خيمة بين الكثبان الرملية بالقرب من شاطئ النُوَيْري في منطقة النصيرات.
يبدأ يومه بمهام تبدو أكبر من سنه بكثير، فعندما تريد العائلة إعداد الشاي، يبحث رمضان عن أي شيء يمكن أن يشتعل.
الخشب أصبح نادرًا، لذلك يبحث بين الرمال عن أغصان الشجيرات الشوكية، ويستخدم أحيانًا قطعًا من البلاستيك الذي جرفته مياه البحر.
الحصول على الماء يمثل مشكلة يومية أخرى، فلا توجد مياه جارية بصورة طبيعية، ولذلك تعتمد العائلة على وصول شاحنات المياه، وإذا لم تصل الشاحنة، سيتعين عليه أن يمشي بحثًا عن الماء.
وحتى عندما يجد الماء، هناك مشكلة نقله وتخزينه، فقد أتلفت الجرذان عددًا من أوعية المياه الكبيرة التي كانت تملكها العائلة، أما الماء الذي يحمله فيجب أن يكفي للشرب والطبخ وتنظيف الأسنان والتنظيف خلال اليوم.
لكن رمضان لا يحمل فقط أعباء الحياة اليومية، إنه يحمل أيضًا ذكريات الحرب والجوع، فخلال فترة المجاعة السابقة، كان وأخوه يذهبان إلى نقاط توزيع المساعدات بحثًا عن الدقيق أو السكر، ويتذكر رؤية أطفال وصبية يُطلق النار عليهم أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات.
ورغم ذلك، لا تختفي أحلامه تمامًا، فهو يحب مراقبة البحر ويحلم بأن يصبح منقذًا على الشاطئ. وهذا من أكثر جوانب قصته دلالة: طفل يعيش وسط ظروف قاسية، لكنه لا يزال يحتفظ بصورة لمستقبل مختلف.
منصورة إبراهيم محمد عبد الدايم فقدت منزلها، وأصبحت تعيش في الجزء الخلفي من شاحنة مسطحة، لم يعد مفهوم "المنزل" بالنسبة إليها غرفة لها جدران وأبواب، بل مساحة مؤقتة تحاول أن توفر فيها الحد الأدنى من الأمان لعائلتها.
حياتها اليومية مرتبطة بالنزوح وفقدان الاستقرار، ومع ذلك تحاول الحفاظ على شيء لا علاقة له بالطعام أو الماء أو المأوى: الذاكرة والتاريخ.
وتحكي لأحفادها قصصًا عن تاريخهم، وكأنها تحاول أن تمنع الحرب والنزوح من قطع الصلة بين الأطفال وماضي عائلتهم ومجتمعهم، فوجودها كجدة يجعل قصتها مختلفة عن قصة الطفل رمضان أو الأم علاء: هي لا تحاول فقط البقاء، وإنما تحاول أيضًا نقل الذاكرة إلى الجيل الأصغر.
محمود سيدام أستاذ جامعي، وحياته اليومية تدور حول محاولة مواصلة التعليم في بيئة دُمّرت فيها البنية التعليمية.
التحدي يبدأ من أبسط الأدوات، لا توجد بيئة جامعية طبيعية يمكن للطلاب والأساتذة العمل فيها، فنقص الورق والدفاتر والمواد التعليمية يجعل التعليم التقليدي بالغ الصعوبة.
لذلك يستخدم سيدام لوحًا شمسيًا لتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل جهاز الحاسوب المحمول، ويحاول تحميل المحاضرات ومشاركتها مع الطلاب عبر واتساب.
كما يستخدم وسائل بديلة لتقييم الطلاب، مثل العروض الشفوية، بدلًا من الامتحانات والواجبات المكتوبة التي تحتاج إلى الورق والموارد المعتادة، وبذلك أصبحت عملية أكاديمية عادية، مثل تحميل محاضرة أو إجراء اختبار، سلسلة من المشكلات التقنية واللوجستية.
قصته تبرز شيئًا يتجاوز الاحتياجات الأساسية: الحاجة إلى استمرار التعليم نفسه، حتى عندما تصبح الحياة اليومية مكرسة للبقاء.
رجب الرفاعي، البالغ 30 عامًا، يقود فريق غزة للتزلج، وهو مشروع رياضي وشبابي أمضى نحو 5 سنوات في إدارته.
بالنسبة إليه، التزلج ليس مجرد رياضة، كان الفريق يجمع الأطفال والشباب ويمنحهم مساحة للعب والتعبير عن أنفسهم. وخلال الحرب، أصبح اللقاء الأسبوعي وسيلة للأطفال النازحين للحصول على لحظات من الترفيه والهروب من واقع الحرب.
لكن مكان التزلج نفسه دُمّر، ومع ذلك لم يتوقف الفريق، بدأ أعضاؤه يتزلجون بين الأنقاض، ويصورون حركاتهم فوق الخرسانة المهدمة والهياكل المعدنية.
المشكلة التالية كانت المعدات نفسها، فألواح التزلج لا تدوم إلى الأبد، والعجلات والمحامل وطبقات الخشب تتلف، ومع عدم توفر ألواح جديدة، لجأ الفريق إلى استخراج المعدات من أنقاض مبنى تعرض للقصف وإعادة استخدامها.
تمكنوا من إنقاذ عدد قليل من الألواح، وعادت الفتيات إلى ممارسة التزلج، لكن المعدات المتبقية نفسها تقترب من نهاية عمرها، وهنا تكمن أهمية قصة رجب في التقرير: التزلج ليس من ضروريات البقاء، لكنه يمثل شيئًا يجعل الحياة حياةً وليست مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة، اللعب، والهواية، والفرح، والتعبير عن الذات.
التقرير يحاول نقل صورة مختلفة عن غزة بعيدًا عن أرقام القتلى والقصف وحدها. فهو يتتبع يومًا عاديًا لكل شخص، ليُظهر كيف وصلت الأزمة إلى أصغر تفاصيل الحياة:
كوب الشاي يحتاج إلى وقود وماء وسكر، والماء يحتاج إلى البحث والنقل والتخزين، والطفولة أصبحت مرتبطة بجمع الحطب والماء وتجارب الجوع، والحمل والأمومة يجريان وسط الخوف والنزوح والفقد.
كما أن البيت قد يتحول إلى مؤخرة شاحنة، والجامعة قد تصبح حاسوبًا يعمل بالطاقة الشمسية ورسائل عبر واتساب، والرياضة قد تتحول إلى التزلج فوق أنقاض المباني.
وحتى الأشياء التي تبدو ترفًا: الكتب، الموسيقى، الألعاب، الرياضة والهوايات تصبح جزءًا من السؤال الأكبر: كيف يحافظ الإنسان على إحساسه بحياة طبيعية؟
Loading ads...
وبهذا فإن القصص الخمس لا تقدم 5 حكايات منفصلة فقط، بل ترسم خريطة ليوم فلسطيني عادي في غزة: الاستيقاظ، البحث عن الماء والوقود والطعام، محاولة العمل أو الدراسة، رعاية الأسرة، ثم محاولة إيجاد لحظة صغيرة من الحياة الطبيعية قبل حلول المساء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





