4 أشهر
"صندوق الحكايا".. مبادرة فنية تعيد إحياء ما اندثر من تراث وحرف يدوية
الخميس، 15 يناير 2026
في هذه الورشة الدمشقية المتواضعة، التي تقع داخل شارع خلفي هادئ بحي الشعلان الذي يضج بالحياة، يعمل فريق صغير يضم مصممين ومصممات مجتهدين خلف أبواب موصدة داخل بناء عال شيد قبل قرن من الزمان تقريباً. ومن هذا البناء خرجت مبادرة شعبية فريدة من نوعها (ولعلها الأخيرة أيضاً)، حيث تمتزج الفنون البصرية بالحرف اليدوية، إذ تحيي هذه المبادرة التي تعرف باسم (صندوق الحكايا) الفن المندثر للحفر على الخشب والذي كان له تاريخ طويل في هذا البلد، فقد كانت المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب وحماة مراكز محورية لهذه الصناعة اليدوية في الماضي.
يترأس هذا الفريق المؤلف من ستة مصممين ومصممات فنانة سورية متخصصة بفن الخزف، وهي يمن أبوالحسن، التي أطلقت هذه المبادرة في عام 2014، أي أن مشروعها أبصر النور خلال فترة عصيبة للغاية.
خلال فترة الحرب المدمرة في سوريا، شكلت يمن فريقاً من المنظمين في الوسط الفني ودربتهم وهكذا صاروا يتعاملون عن كثب مع الأطفال والعائلات النازحة في مراكز الإيواء التي أقيمت على أطراف العاصمة السورية، فاستمتع هؤلاء ببعض الأنشطة الثقافية وعلى رأسها مسرح خيال الظل، والقراءة، والطباعة، وسحر السرد القصصي. وتحدثنا يمن عن تلك التجربة فتقول: "كنا في حالة حرب والوضع الاقتصادي كان سيئاً، ولهذا قال لي كثيرون من الناس بأني فقدت عقلي عندما أطلقت هذا المشروع".
رموز فنية مستوحاة من البيئة السورية
منذ البداية، تمسكت يمن بعشقها للسرد القصصي الشفوي والكتابي وبقوته، إذ قبل تأسيس (صندوق الحكايا)، كانت يمن المديرة التنفيذية لمكتبة إيتانا (التي أغلقت أبوابها خلال الحرب، ولكن من المقرر أن تفتتح من جديد) وهذه المكتبة كانت تعرض كتب الأطفال، إلى جانب مجموعة متنوعة من المواضيع الأخرى للكتب المخصصة للكبار، والتي تمتد من التاريخ وصولاً إلى المسرح.
في عام 2016، أصبح بيت يمن مركز العمل الرئيسي لها ولزملائها، ولهذا قررت أن تستأجر شقة أخرى يمكن تنفيذ جميع الأنشطة الفنية فيها، وعن رؤيتها تلك تقول: "كنت أريد القيام بمشروع بناء يشبهني وله علاقة بالفن".
الرسم على القماش
واليوم، يعمل الفريق في بناء مؤلف من عدد من الطوابق، فقد بني جزء منه خلال مرحلة الانتداب الفرنسي ليكون مخصصاً للعمال الفرنسيين، وذلك خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وكان من المقرر هد هذا القسم، ولكن بفضل جهود هذا الفريق، تم إنقاذ هذا المبنى.
والشقة التي تتناثر في كل مكان فيها رموز غريبة، زودت بآلات وبقطع خشبية معدة للحفر، وبأكوام من القماش، وكثير من اللوحات. في حين يتخصص (صندوق الحكايا) بالحفر على الخشب والرسم على الحرير، حيث تطبع التصميمات الجريئة للفريق بشكل يدوي على الملصقات والأقمشة وأغلفة الدفاتر، وأكياس التسوق، وغيرها من المنتجات.
لوحات المرسم في (صندوق الحكايا)
وهذه الرموز الدقيقة المنتقاة بعناية والتي تستخدم مع تصميمات العلامات التجارية مستوحاة من النباتات والحيوانات، كالحمام والديوك بما أنهما من العناصر الأصيلة في البيئة الطبيعية السورية، وهنالك حضور قوي لتصميم الحروف الأبجدية بأشكال طريفة وبتأثر واضح بخطوط الكتابة العريقة في المنطقة. أما اللغة البصرية لصندوق الحكايا فقد ولدت بعد تفكير طويل من رحم ورشات عديدة ونقاشات جماعية أجراها المصممون، فضلاً عن دور الفنانين السوريين من ذوي الخبرة، مثل طلال عبد الله ويوسف عبدلكي اللذان صمما شعار الطائر الخاص بصندوق الحكايا، إذ عبر الإسهام في رسم هوية ورشة دمشق من البداية تماماً، حدد الرسم الأصلي الذي قدمه عبدلكي بالقلم الرصاص شكل الطائر الذي تمثل أجنحته وريشه أجزاء من لوحة الرسم.
نقوش مستوحاة من الحمائم
ومؤخراً، افتتح المصممون والمصممات دورات لاحتراف الحفر والطباعة والرسم، حيث تعاملوا من خلالها مع طلاب الهندسة المعمارية والفنون الجميلة، وعن تلك الدورات تقول يمن: "إننا نتعلم ونعلم، فكل معرفة نكتسبها ننقلها إلى غيرنا مباشرة، ولهذا أشعر بأن ذلك من أهم الأمور التي نقوم بها".
تشهد عمليات الحفر على الخشب تراجعاً في سوريا، بعد أن رحل عنها العدد القليل المتبقي من الحرفيين المتخصصين في هذا المجال، وهي في ذلك تشبه ما حصل لغيرها من الحرف اليدوية التقليدية في العالم والتي تراجعت أمام مد العولمة التي بالغت بالاعتماد على الرقمنة، وعن ذلك تقول يمن: "إنها تندثر في أماكن مثل حلب وحماة، غير أننا نبحث عن هويتنا، ولهذا عدنا إلى عالم الحفر والحكايات الشعبية والصناعات التي بدأت تختفي".
لوغو (صندوق الحكايا)
إن الروح التي تهيمن على (صندوق الحكايا) تتجلى بالحفاظ على التراث الثقافي السوري اللامادي، وخاصة الحكايا الشعبية التي تعود أصولها لمحافظات سورية مختلفة، ولذلك أسس الفريق منذ عام 2018 أرشيفاً بحثياً يضم أكثر من ثلاثمئة حكاية (بينها حكاية طاهر وزهرة التي تعتبر النسخة السورية لقصة روميو وجولييت)، وتلك القصص تغوص عميقاً لتسبر غور الشخصيات البشرية والمشاعر الإنسانية. ولهذا كان من بين مشاريعهم المهمة كتاب آسر يقدم للقارئ 12 قصة شعبية ترافقها صور فنية مطبوعة تعبر عن موضوع ومغزى كل قصة من تلك القصص.
من أعمال المشروع
على الرغم من استمرار التحديات الداخلية التي تشهدها مرحلة ما بعد الأسد، يتوجه هؤلاء المصممين المبدعين إلى تلك الورشة الصامدة كل يوم، حيث يعملون على تقديم تلك الصناعة الفريدة التي تحيي التراث وتربطه بالحداثة بطريقة إبداعية، ولهذا تقول يمن: "في بعض الأحيان أسأل نفسي: إن لم تقم الحرب، فهل كنت سأصل إلى هذه المرحلة، أم أنني كنت سأتجه نحو وجهة أخرى؟ إذ لو لم تقم الحرب ولم تبلغ الأمور هذا السوء في سوريا، لم تصبح تلك الأمو أولوية بالنسبة لنا في اعتقادي، لأنني شعرت خلال مرحلة من المراحل بأن كل شيء يزول ويتلاشى، ولهذا سارعت للملمة ما تبقى".
Loading ads...
المصدر: AD Middle East
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


