2 أشهر
نظرة أعمق: تفاصيل تحركات مصرية لمنع خطط التهجير الإسرائيلية وإنقاذ اتفاق وقف حرب غزة
الجمعة، 12 ديسمبر 2025

تسابق القاهرة الزمن في أسابيع مفصلية من حرب غزة، وسط شعور متزايد بأن إسرائيل تحاول استثمار لحظات الهدنة لتكريس وقائع ديموغرافية جديدة على الأرض. ومع تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، كثفت مصر اتصالاتها مع واشنطن والأوروبيين، في محاولة لتثبيت ما تحقق في المرحلة الأولى ومنع انهيار الاتفاق بكامله.
وفي ظل بروز إشارات إسرائيلية تعيد طرح فكرة تهجير الفلسطينيين، والتشكيك في القوات العربية والإسلامية المرشحة للمشاركة في ما يسمى "قوة الاستقرار الدولية" لمراقبة الوضع في قطاع غزة، تجد القاهرة نفسها أمام تحدي حماية دورها في الوساطة، وفي الوقت نفسه منع تشكل خرائط جديدة قد تمتد آثارها إلى أمنها القومي وحدودها الشرقية.
كيف تقيم مصر موقف المقاومة وإسرائيل؟
مصدر مصري مطلع قال لـ"عربي بوست" إن القاهرة ترى أن الفصائل الفلسطينية التزمت حرفياً بما هو مطلوب لتجاوز المرحلة الأولى من الاتفاق، ما دفع مصر لمضاعفة اتصالاتها مع واشنطن والاتحاد الأوروبي.
ويبقى الهدف المركزي، بحسب المصدر، هو إقناع الطرفين بأن نجاح اتفاق وقف حرب غزة مرهون بممارسة ضغط مباشر على إسرائيل التي تعمل على تثبيت وجودها في مناطق واسعة من القطاع، وتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية.
ويضيف المصدر أن إسرائيل تسعى إلى "الوصول إلى نقطة انهيار الاتفاق"، ما سيحمل تبعات خطيرة على أمن المنطقة بأكملها. ويكشف أن القاهرة أوصلت رسائل واضحة للولايات المتحدة تفيد بأن جميع الخيارات تبقى مطروحة إذا واصلت إسرائيل سياسات على الأرض تستهدف الدفع نحو مخطط التهجير.
مصدر "عربي بوست" يوضح أن مصر والوسطاء يرصدون بدقة ما تقوم به إسرائيل ميدانياً:
تكثيف الانتشار خلف الخط الأصفر،
العمل على توسيعه وتحويله فعلياً إلى حدود جديدة تفصل بين مناطق الاحتلال ومناطق وجود الفلسطينيين،
تجريف مساحات واسعة وخلق مناطق فارغة تشبه "منطقة عازلة ممتدة".
وبحسب المصدر، فإن إسرائيل تسعى إلى حصر الفلسطينيين داخل جيوب ضيقة، وتحويل الخط الأصفر إلى واقع ديموغرافي جديد، وهو ما تعتبره القاهرة "خطوة تتجاوز مجرد خرق للاتفاق إلى هندسة سكانية كاملة".
ويرى المصدر أن إسرائيل "توظف اتفاق وقف إطلاق النار لصالحها فقط"، وأن تثبيت وضع ميداني جديد قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق وفوضى بالقرب من الحدود المصرية، إلى جانب خسارة الثقة بين القاهرة والفصائل التي حملتها مسؤولية الدفع باتجاه التهدئة.
خريطة تظهر منطقة الخط الأصفر في غزة والمناطق التي ينتهك فيها الاحتلال الاتفاق/ عربي بوست
وعود غربية ضعيفة وشكوك مصرية
بحسب مصدر "عربي بوست"، فإن القاهرة تواصلت مع أطراف أمريكية وأوروبية لإدانة الانحراف الإسرائيلي عن الاتفاق، مضيفاً أن وعوداً وردت من هذه العواصم بشأن الضغط على تل أبيب، لكن مصر "لا تثق تماماً" في قدرة هذه الضغوط على تغيير سلوك الحكومة الإسرائيلية.
ويشير إلى أن التحركات الإسرائيلية، من إعادة طرح ملف التهجير، إلى إعلان الخط الأصفر حدوداً جديدة، إلى السعي لفرض مناطق عازلة، إضافة إلى تعطيل المرحلة الثانية وشروطها المتعلقة بالقوات الدولية، كلها تصب في اتجاه واحد: "إفراغ الاتفاق من محتواه وتحويله إلى غطاء لإعادة هندسة القطاع بالكامل".
وخلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الأمريكي ماركو روبيو، الثلاثاء 9 ديسمبر/كانون الأول 2025، ناقش الطرفان جهود تنفيذ الخطة.
وشدد عبد العاطي على ضرورة تضافر الجهود الدولية لضمان تطبيق قرار مجلس الأمن 2803، وسرعة تشكيل قوة الاستقرار في غزة، والمضي في تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة القطاع، إلى جانب الانتقال إلى المرحلة الثانية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وفي لقاء آخر مع وفد أوروبي برئاسة كريستوف بيجو، أكد عبد العاطي ثوابت الموقف المصري الرافض لأي دعوات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين أو تغيير الوضعين الجغرافي والديموغرافي للقطاع.
وعلى هامش منتدى الدوحة، قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: "نحن الآن في اللحظة الحاسمة… وقف إطلاق النار لا يكتمل إلا بانسحاب إسرائيلي كامل وعودة الاستقرار إلى غزة".
المرحلة الثانية من اتفاق وقف حرب غزة
تتضمن المرحلة الثانية انسحاباً إسرائيلياً إضافياً من المواقع التي ما تزال تسيطر عليها في غزة — وتشكل نحو 53% من مساحة القطاع — إلى جانب نشر قوة دولية وبدء العمل بهيكل الحكم الجديد الذي يشمل "مجلس السلام" بقيادة ترامب.
ويقول مصدر مصري مسؤول إن الإشارات الأمريكية باقتراب الانتقال إلى المرحلة الثانية خلقت صراعاً خفياً بين إسرائيل والوسطاء. ويضيف: "الوسطاء والفصائل التزموا حرفياً بالمرحلة الأولى، بينما تعمل مصر لضمان أن تكون المرحلة الثانية مصحوبة بتحريك ملف إعادة الإعمار، خصوصاً بإعادة تهيئة البنية التحتية في جميع المناطق، سواء الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو لحركة حماس".
لكن هذه الرؤية تواجه عراقيل إسرائيلية عديدة، إذ ترفض تل أبيب، وفق المصدر، توسيع إعادة الإعمار خارج المناطق التي تحتلها، وتطرح "مناورات ومراوغات" لعرقلة أي تطبيق فعلي للاتفاق.
خيام النازحين الفلسطينيين على شاطئ غزة/ الأناضول
ضغط مصري–قطري وملف السلاح
المصدر أوضح أن مصر وقطر تعملان على تعزيز الضغط على واشنطن، وأن التلويح القطري بعدم المشاركة في الإعمار مفهوم بالنسبة للقاهرة، لأنه يعكس الحاجة لوجود ضمانات تمنع تدمير القطاع مجدداً.
وتعمل القاهرة، وفق المصدر، على بلورة تفاهمات مع حماس بشأن مستقبل السلاح، ما في ذلك "تجميد السلاح" أو التوصل إلى صيغة توافقية يُجمع عليها فصائل المقاومة. كما تكثف القاهرة اتصالاتها مع الأطراف الفلسطينية للتوصل إلى توافق حول تشكيل لجنة إدارة غزة تكون مرجعيتها السلطة الفلسطينية.
وفي السياق ذاته، أنهت القاهرة تدريب عناصر الأمن الفلسطينيين الذين سيشاركون في قوة الاستقرار، وهي، بحسب المصدر، "منفتحة على خيارات متعددة" بشأن تشكيل مجلس السلام، بشرط أن تكون مهمته مؤقتة ومرتبطة بالإعداد لإقامة دولة فلسطينية.
ويؤكد المصدر أن اتصال عبد العاطي وروبيو تطرق إلى ضرورة انسحاب عسكري إسرائيلي واسع من معظم مناطق القطاع، وفتح المجال أمام عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية دون قيود مصطنعة، ما في ذلك تجاوز الخط الأصفر، إلى جانب إدخال المساعدات وإطلاق الإعمار.
لكن في المقابل، تلقت القاهرة مطالب أمريكية إضافية تخص الضغط على حماس لنزع سلاحها، وهي نقطة ترى القاهرة أنها "معقدة للغاية" وقد تعرقل الانتقال السلس للمرحلة الثانية.
ويشير المصدر إلى أن هناك استعدادات للإعلان عن جدول تفصيلي للمرحلة الثانية مطلع الشهر المقبل، يتضمن وصول أول وفد من القوة الدولية وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ويرجح أن يؤدي الالتزام بهذه المرحلة إلى انفتاح اقتصادي وتجاري أكبر بين دول عربية وإسرائيل، بشرط انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها.
ومع ذلك، تبقى القاهرة، كما يقول المصدر، "غير مطمئنة لنوايا إسرائيل"، وتستعد للتعامل مع أي محاولة لإعادة الاتفاق إلى نقطة الصفر.
من جهته، مصدر فلسطيني قال إن المرحلة الثانية تواجه خلافات واضحة بين الأطراف، خصوصاً بشأن سلاح المقاومة ودور حماس خلال المرحلة الانتقالية. وتشير واشنطن، وفق المصدر، إلى رغبتها في تفعيل بعض بنود المرحلة الثانية الآن، مثل إعادة الإعمار في المناطق الشرقية وتعيين قائد للقوة الدولية.
لكن الموقف الأمريكي لا يركز على تشكيل لجنة التكنوقراط كما يرغب الوسطاء، بحجة وجود خلافات على بعض الأسماء. ويرى المصدر أن لقاء ترامب المرتقب مع نتنياهو قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة، لكن الظروف "غير ناضجة" للانتقال الكامل.
عضو المكتب السياسي لحماس حسام بدران قال لوكالة "فرانس برس" إن "أي نقاش حول بدء المرحلة الثانية يجب أن يسبقه ضغط من الوسطاء والضامنين، لضمان التطبيق الكامل من الاحتلال لكل بنود المرحلة الأولى".
وتنص المرحلة الأولى على تبادل الرهائن والمعتقلين ووقف القتال ودخول المساعدات، وقد أكدت الأمم المتحدة تسجيل مجاعة في مناطق عدة من القطاع، ويضيف بدران أن كل الجهات المتابعة تُجمع على أن الاحتلال "لم ينفذ التزاماته".
ترامب يضغط وجيش الاحتلال يخشى "حائط برلين"
صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ذكرت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمارس ضغوطاً متزايدة لدفع إسرائيل إلى المرحلة الثانية من خطته. وتقول الصحيفة إن تراجع الجيش الإسرائيلي إلى الخط الأصفر أثار نقاشات حول احتمال تشكيل "حائط برلين جديد" على حدود غزة.
لكن الإدارة الأمريكية، بحسب الصحيفة، لا تتبنى هذا التصور الإسرائيلي، ولا ترى الانسحاب طريقاً نحو فصل دائم. وتضيف هآرتس أن واشنطن فوجئت إيجاباً بالتزام حماس بتنفيذ التفاهمات، ما عزز رغبتها في الدفع نحو استكمال مراحل الانسحاب.
Loading ads...
وفي ظل تعقد الملفات وتشابك المصالح، يبدو اتفاق غزة أمام منعطف حرج. فالمسار الدبلوماسي مستمر لكنه هش، والضغوط متصاعدة، والرهان المصري–القطري–الأمريكي على إنقاذ المرحلة الثانية يواجه مقاومة إسرائيلية واضحة. ومع خطر التهجير وتغيير الديموغرافيا، تبقى القاهرة أمام معادلة دقيقة: منع انفراط الاتفاق… ومنع انفجار غزة مرة أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





