2 أشهر
من دير الزور إلى دمشق.. السوريون يطالبون بالعدالة ويرفضون عودة رموز النظام
الأحد، 21 يونيو 2026
تشهد سوريا خلال الأشهر الأخيرة موجة متصاعدة من الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات الشعبية التي انطلقت من عدة محافظات ومدن سورية، رافعة مطالب واضحة تتعلق بالعدالة الانتقالية ومحاسبة الشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع، ورافضة أي محاولات لإعادة تقديمها في المشهد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي تحت أي مسمى.
هذه التحركات لم تعد محصورة بمدينة أو منطقة بعينها، بل امتدت تدريجياً من دير الزور وإدلب إلى حلب وحمص وحماة وريف دمشق، وصولاً إلى العاصمة دمشق، في مشهد يعكس حالة من التوافق الشعبي حول قضية باتت تحتل صدارة النقاش العام في البلاد، وهي قضية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والفساد خلال العقود الماضية، وعدم السماح بعودة الشخصيات التي ارتبطت أسماؤها بمرحلة حكم النظام المخلوع إلى مواقع النفوذ والتأثير.
ويؤكد المشاركون في هذه الوقفات أن مطلبهم الأساسي لا يتمثل في الانتقام أو تصفية الحسابات، بل في تطبيق مبدأ العدالة وسيادة القانون، باعتباره حجر الأساس لأي عملية انتقال سياسي أو اجتماعي حقيقية. فبعد سنوات طويلة من الصراع وما رافقها من انتهاكات وخسائر بشرية ومادية هائلة، يرى كثير من السوريين أن بناء مستقبل مستقر لا يمكن أن يتم دون معالجة إرث الماضي ومحاسبة المسؤولين عنه عبر مؤسسات قضائية مستقلة ونزيهة.
خلال الفترة الماضية، شهدت عدة مدن سورية وقفات احتجاجية رفعت شعارات تؤكد رفض إعادة تعويم شخصيات كانت جزءاً من منظومة السلطة السابقة أو من الشبكات الاقتصادية والعسكرية المرتبطة بها. وقد حمل المحتجون صوراً ولافتات تطالب بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات والفساد، مؤكدين أن أي مشروع لبناء سوريا الجديدة يجب أن يبدأ من مبدأ العدالة لا من مبدأ التسويات.
تؤكد الهتافات التي رددها المحتجون في أكثر من محافظة أن الشارع السوري لا يرفض المصالحة الوطنية من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن تتحول المصالحة إلى وسيلة لتجاوز ملفات الانتهاكات أو إغلاقها دون تحقيق العدالة وكشف الحقائق
ويرى ناشطون ومراقبون أن ما يميز هذه التحركات هو أنها لا تنطلق من خلفيات سياسية أو حزبية ضيقة، بل من شعور عام لدى شريحة واسعة من السوريين بأن المرحلة الجديدة يجب أن تختلف جذرياً عن المراحل السابقة. فالكثير من العائلات السورية فقدت أبناءها أو تعرضت للنزوح والاعتقال أو خسرت ممتلكاتها خلال سنوات الحرب، ولذلك تنظر إلى أي محاولة لإعادة تقديم شخصيات مثيرة للجدل على أنها تجاهل لمعاناة ملايين السوريين.
وتؤكد الهتافات التي رددها المحتجون في أكثر من محافظة أن الشارع السوري لا يرفض المصالحة الوطنية من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن تتحول المصالحة إلى وسيلة لتجاوز ملفات الانتهاكات أو إغلاقها دون تحقيق العدالة وكشف الحقائق. كما يطالب المحتجون بإطلاق مسار واضح للعدالة الانتقالية يضمن حقوق الضحايا ويمنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
من أكثر الملفات التي أثارت الجدل خلال الأشهر الأخيرة ملف عودة بعض رجال الأعمال المرتبطين بالنظام المخلوع إلى النشاط الاقتصادي والاستثماري داخل سوريا. ويبرز في هذا السياق اسم محمد حمشو، الذي يعد من أبرز رجال الأعمال الذين ارتبطت أسماؤهم بالسلطة خلال العقود الماضية.
ورغم أن بعض الجهات تدعو إلى الاستفادة من رؤوس الأموال السورية في عملية إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، إلا أن شريحة واسعة من السوريين ترى أن أي عودة لشخصيات اقتصادية مثيرة للجدل يجب أن تسبقها مراجعة شاملة لملفاتها القانونية والمالية، وأن يتم التعامل معها وفق معايير الشفافية والمساءلة لا وفق النفوذ أو العلاقات السابقة.
ويستند المعترضون إلى تاريخ طويل من الاتهامات والتقارير التي تناولت دور بعض رجال الأعمال في الاستفادة من قربهم من دوائر السلطة خلال سنوات حكم النظام المخلوع. كما يشير كثير من الناشطين إلى أن محاولات بعض هذه الشخصيات الظهور عبر المبادرات الخيرية أو المشاريع التنموية لا تبدد المخاوف الشعبية المتعلقة بماضيها، بل تزيد من النقاش حول ضرورة الفصل بين العمل الخيري وبين المساءلة القانونية عن أي ملفات أو اتهامات قائمة.
وفي السياق نفسه، أثارت عودة بعض الشخصيات العسكرية أو قادة المجموعات المسلحة السابقة إلى الواجهة العامة حالة واسعة من الجدل. فقد شهد الشارع السوري خلال الأشهر الماضية موجات من الغضب عقب ظهور شخصيات ارتبطت بفصائل أو مجموعات عسكرية عملت إلى جانب النظام السابق في مناسبات رسمية أو لقاءات عامة.
كما أثار ظهور بعض هذه الشخصيات إلى جانب مسؤولين حكوميين أو مشاركتها في مشاريع اقتصادية واستثمارية ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثير من السوريين أن مثل هذه الخطوات تتناقض مع مطالب العدالة والمحاسبة التي نادت بها الثورة السورية على مدى سنوات.
ويعتقد عدد من الناشطين أن إعادة دمج شخصيات مثيرة للجدل في الحياة العامة دون توضيح وضعها القانوني أو دون وجود آليات واضحة للمحاسبة قد يؤدي إلى تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الجديدة، ويخلق شعوراً لدى الضحايا بأن تضحياتهم ومعاناتهم يتم تجاهلها أو تجاوزها.
رغم اختلاف المناطق والانتماءات السياسية والاجتماعية للمشاركين في الاحتجاجات، إلا أن هناك نقطة مشتركة تجمع معظم الأصوات التي خرجت إلى الشارع، وهي المطالبة بإطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية.
فالعديد من الخبراء يعتبرون أن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات قضائية، بل عملية متكاملة تشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وجبر الضرر للضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية، وإصلاح المؤسسات التي ساهمت في إنتاج الاستبداد والانتهاكات.
يبدو أن الرسالة الشعبية أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لا عودة إلى الماضي، ولا مكان لرموزه في مستقبل البلاد قبل أن تأخذ العدالة مجراها الكامل
ومن هذا المنطلق، يرى المحتجون أن سوريا أمام فرصة تاريخية لتأسيس دولة جديدة تقوم على القانون والمواطنة والمساءلة، بعيداً عن شبكات المصالح والنفوذ التي هيمنت على البلاد لعقود طويلة. كما يؤكدون أن أي استقرار دائم لن يتحقق إذا شعر الضحايا بأن حقوقهم قد جرى تجاهلها أو المساومة عليها.
واليوم، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات من الشرق السوري إلى شماله وغربه وجنوبه، يبدو أن الرسالة الشعبية أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لا عودة إلى الماضي، ولا مكان لرموزه في مستقبل البلاد قبل أن تأخذ العدالة مجراها الكامل. فالسوريون الذين دفعوا ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع لا يطالبون سوى بدولة تحترم القانون، وتحاسب من ارتكب الانتهاكات أو استفاد من الفساد، وتمنع إعادة إنتاج المنظومة التي كانت سبباً في واحدة من أكثر المآسي تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث.
Loading ads...
وبينما تستمر النقاشات السياسية والاقتصادية حول شكل المرحلة المقبلة، يبقى الشارع السوري متمسكاً بمطلب يعتبره أساسياً لأي عملية بناء أو إصلاح: لا استقرار بلا عدالة، ولا مصالحة حقيقية بلا محاسبة، ولا مستقبل لسوريا الجديدة إذا عاد الماضي ليحكمها بأسماء مختلفة ووجوه جديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

