30 دقائق
اليونان تستعيد عقولها من ألمانيا.. هل تبدأ معركة أوروبية جديدة على الكفاءات؟
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

بعد أكثر من عقد على أزمة الديون التي دفعت مئات الآلاف من اليونانيين إلى الهجرة بحثا عن العمل والاستقرار، تحاول أثينا اليوم استعادة مواطنيها من الخارج، وفي مقدمتهم من هاجروا إلى ألمانيا .
بدأت الموجة الكبرى بعد اندلاع أزمة الديون اليونانية. فمنذ عام 2010 غادر البلاد عدد هائل من اليونانيين، وكان قسم مهم منهم من الشباب وأصحاب المؤهلات الجامعية والمهنية العالية. وكانت ألمانيا من أهم الوجهات التي استقبلتهم. وتختلف التقديرات تبعا للفترة الزمنية والمنهجية المستخدمة في الحساب. فبيانات تستند إليها الحكومة اليونانية تتحدث عن أكثر من 650 ألف مغادر خلال سنوات الأزمة، بينما تشير تقديرات أخرى تشمل شرائح أوسع من السكان في سن العمل إلى أكثر من مليون شخص بين 2010 و2022، وفق موقع "غريك ريبورتر".
وبالنسبة لليونان، لم تكن المشكلة في الأعداد فقط، بل في نوعية من غادروا. فقد خسرت البلاد أطباء ومهندسين وباحثين ومتخصصين ذوي تأهيل مرتفع بعدما أنفقت أصلا على تعليم نسبة كبيرة منهم، لتستفيد اقتصادات أخرى من مهاراتهم.
أما ألمانيا، فكانت واحدة من أبرز المستفيدين. ولكن بعد أكثر من عقد، بدأت حركة السير تأخذ الاتجاه المعاكس.
وبحسب تقرير لموقع تاغسشاو ، شهد عام 2024 نقطة تحول رمزية مهمة، فللمرة الأولى أصبح عدد اليونانيين الذين غادروا ألمانيا أكبر من عدد الذين قدموا إليها، كما يذكر التقرير.
لا يتعلق الأمر بمجموعة هامشية بالنسبة لسوق العمل الألمانية. ففي نهاية عام 2025 كان يعيش في ألمانيا قرابة350 ألف يوناني، وفق البيانات التي استند إليها تقرير تاغسشاو. وينشط كثير منهم في قطاعات تعاني ألمانيا أصلا نقصا في العاملين، وعلى رأسها الصحة وتكنولوجيا المعلومات والمطاعم والخدمات، بحسب موقع "الاقتصاد والصناعة" الألماني.
ويعتبر مراقبون هذا التطور بمثابة إشارة تحذير يمكن أن تتجاوز الحالة اليونانية نفسها. فالتغير الديموغرافي لا يصيب ألمانيا وحدها، وإنما يجعل العمال المؤهلين مطلوبين بشكل متزايد داخل بلدانهم الأوروبية أيضا. وهنا تكمن المشكلة الألمانية.
فبرلين بنت جزءا من استراتيجيتها لمواجهة شيخوخة المجتمع ونقص العمالة على استقطاب المهاجرين والعمال المؤهلين من الخارج. لكن ألمانيا لم تعد تتنافس فقط مع الولايات المتحدة أو كندا أو بريطانيا لاستقطاب الكفاءات، بل أصبحت تواجه منافسة حتى من دول داخل الاتحاد الأوروبي كانت في الماضي مصدرا رئيسيا للعمالة المهاجرة.
الحكومة اليونانية لا تنتظر عودة مواطنيها بصورة تلقائية، بل انتقلت إلى سياسة جذب مباشرة عبر مبادرة ReBrain Greece، التي تهدف إلى ربط اليونانيين العاملين في الخارج بالشركات وفرص العمل داخل البلاد. وتوجد بالفعل منصة رسمية تربط العلماء والباحثين والخبراء اليونانيين في الخارج بالشركات العاملة في اليونان.
ونظمت أثينا فعاليات في مدن أوروبية تضم جاليات يونانية كبيرة، بينها دوسلدورف وشتوتغارت ولندن وأمستردام، وشارك فيها ممثلو شركات تبحث عن موظفين يتمتعون بخبرات اكتسبوها في الخارج، والآن تضع الحكومة اليونانية ميونيخ ضمن أهدافها.
ووفق وزارة العمل اليونانية، يعيش في منطقة ميونيخ ما بين 8500 و9000 يوناني من أصحاب المؤهلات العالية في تخصصات مثل الطب والمعلوماتية والأمن السيبراني والصناعات التحويلية.
فاليونان تفعل اليوم في ألمانيا، بصورة ما، ما فعلته ألمانيا لسنوات في دول أخرى، أي البحث عن العمالة الماهرة في الخارج ومحاولة إقناعها بالانتقال.
بالطبع لا تراهن الحكومة اليونانية على الحنين إلى الوطن لوحده كعامل جذب. فإحدى أهم الأدوات المستخدمة لإغراء العائدين هي المعاملة الضريبية الخاصة. فالمؤهلون الذين ينقلون إقامتهم الضريبية إلى اليونان وفق الشروط المحددة يمكن أن يحصلوا على تخفيض بنسبة 50 في المئة على ضريبة الدخل من العمل لمدة سبع سنوات. وفي 2026 توسع نطاق النظام ليشمل أيضا مؤهلين يعودون للعمل في القطاع العام اليوناني.
كما تعمل السلطات على تسهيل الاعتراف بالمؤهلات والشهادات الأجنبية، وهي نقطة مهمة بالنسبة لمن أمضوا سنوات طويلة في الجامعات والمستشفيات والشركات الألمانية.
وتقول الحكومة إن النتائج باتت واضحة. ووفق بيانات المركز الأوروبي للإحصاء التي تستشهد بها الحكومة اليونانية، عاد نحو422,688 شخصا من أصل 659,547 ممن غادروا خلال سنوات الأزمة حتى 2023، أي نحو 64 في المئة. وتورد مصادر أحدث أرقاما أكبر مع توسيع الفترة حتى 2024، تصل إلى نحو 473 ألف عائد من زهاء 735 ألف مغادر. ولذلك يجب التعامل مع الأرقام وفق الفترة الزمنية التي تغطيها كل إحصائية.
تظهر الدراسات المتعلقة بالعائدين أن القرب من الأسرة والأصدقاء ونوعية الحياة يلعبان دورا كبيرا في قرار العودة. وبحسب مركز التوثيق الوطني اليوناني فإن 82% من العائدين أشاروا إلى القرب من العائلة والأصدقاء باعتباره دافعا مهما، فيما تحدث 63% عن جودة الحياة، كما يلعب الطقس دورا، إضافة إلى الوضع السياسي والضرائب والبيروقراطية في ألمانيا، باعتبارها من العوامل التي تدخل في حسابات من يفكرون بالمغادرة.
صحيح أن الاقتصاد اليوناني تحسن بصورة كبيرة مقارنة بسنوات أزمة الديون، وأن البطالة انخفضت وأن النمو أصبح أقوى مما كان عليه خلال الأزمة. لكن ذلك لا يعني أن الفجوة في ظروف العمل والدخل مع الاقتصادات الأوروبية الأكثر ثراء قد اختفت. بل إن اليونان نفسها تعاني نقصا حادا في العمالة.
فتقديرات منشورة في نهاية 2025 تحدثت عن نقص يقارب 250 ألف عامل في قطاعات مختلفة خلال 2026، منها الزراعة والسياحة والبناء والصناعة. وحددت الحكومة سقفا يزيد على 94 ألف وظيفة يمكن شغلها بمواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي في 2026، في مؤشر على المفارقة: اليونان تستعيد عمالها من ألمانيا بينما تبحث هي نفسها عن عمال من دول أخرى.
ولكن الحديث عن عودة ناجحة بصورة مطلقة يخفي مشكلات حقيقية، أبرزها انخفاض الرواتب وضعف الفرص أمام بعض أصحاب المؤهلات العالية. ووفق ما أورده تقرير موقع تاغسشاو، فإن قرابة ستة من كل عشرة من العائدين يقولون إن وضعهم المالي صعب أو صعب نسبيا.
القصة إذن أكبر من اليونان. فألمانيا تعاني نقصا هيكليا في تخصصات عديدة، من الرعاية الصحية والهندسة إلى المهن التقنية. وفي مارس/آذار 2026 وحده قُدرت الفجوة في تخصصات الرياضيات والمعلوماتية والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا بنحو 133,900 متخصص.
والخطر طويل الأمد هو أن الدول التي اعتادت ألمانيا استقدام العمال منها تواجه أيضا شيخوخة السكان ونقص القوى العاملة. وبالتالي ستصبح أكثر حرصا على الاحتفاظ بشبابها، بل وعلى إعادة المهاجرين الموجودين بالفعل في ألمانيا.
وهذا يغير طبيعة النقاش الألماني حول الهجرة. فالسؤال لم يعد فقط: كيف تجذب ألمانيا مزيدا من العمال الأجانب؟ بل أصبح أيضا: كيف تقنع الذين يعيشون ويعملون فيها بالفعل بعدم الرحيل؟
ما تفعله اليونان قد يكون نموذجا لما ينتظر ألمانيا خلال السنوات المقبلة. فالاقتصادات الأوروبية تدخل مرحلة يصبح فيها العامل الشاب والمؤهل موردا نادرا، بينما تتزامن الشيخوخة السكانية مع حاجة متزايدة إلى الأطباء والممرضين والمهندسين والمتخصصين الرقميين والحرفيين.
Loading ads...
وفي هذا السباق، لا تكفي قوة الاقتصاد أو ارتفاع الأجور وحدهما. وإنما أصبحت نوعية الحياة والضرائب والبيروقراطية والسكن والاندماج الاجتماعي والاستقرار السياسي والقرب من العائلة عوامل تحدد أين يريد أصحاب الكفاءات أن يعيشوا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الملك يلتقي رئيس الوزراء العراقي في نيويورك
منذ 14 دقائق
0



