ساعة واحدة
كواليس الاتفاق الإيراني الأمريكي: تفاصيل "الساعات الأخطر" التي كادت تطيح بالتفاهم بين طهران وواشنطن
الأربعاء، 17 يونيو 2026

لم يُولد الاتفاق الإيراني الأمريكي، الذي يُنتظر توقيعه بين البلدين بشكل رسمي في مدينة جنيف السويسرية يوم 19 يونيو/ حزيران 2026، بسهولة، بل جاء بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة والأزمات المتلاحقة التي وضعت الطرفين أكثر من مرة على حافة العودة إلى الحرب، وفق ما كشفته مصادر سياسية وأمنية إيرانية لـ"عربي بوست".
وبينما كان الوسطاء الإقليميون يعملون على تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن تمهيداً لإعلان التوصل إلى الاتفاق الإيراني الأمريكي، كانت الخلافات تتصاعد حول البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل العقوبات الأمريكية على طهران، وملف لبنان، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه مضيق هرمز في أي تفاهم مستقبلي بين الجانبين.
وتم التوقيع على مذكرة التفاهم إلكترونياً خلال الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين 15 يونيو/ حزيران 2026، بعد سلسلة تعديلات متبادلة على بنودها استمرت حتى اللحظات الأخيرة، وسط ضغوط كبيرة من داخل المؤسستين السياسية والعسكرية في إيران، واعتراضات متصاعدة من التيارات الرافضة لأي تفاوض مع إدارة ترامب.
وبحسب المصادر، فإن أخطر لحظات التفاوض جاءت في الليلة التي سبقت التوقيع الإلكتروني، حين تزامنت المباحثات مع القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت في 14 يونيو/ حزيران، وهو ما دفع قادة في الحرس الثوري الإيراني إلى المطالبة بوقف المفاوضات والاستعداد للرد العسكري، قبل أن تنجح اتصالات عاجلة داخل طهران وتحركات دبلوماسية مكثفة في إنقاذ الاتفاق الإيراني الأمريكي.
ووصف مصدر سياسي إيراني مطلع الليلة التي سبقت توقيع كل من محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس فريق التفاوض الإيراني، وجيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إلكترونياً على الاتفاق الإيراني الأمريكي، بأنها كانت "ليلة صعبة كادت أن تطيح بالاتفاق تماماً"، في إشارة إلى التطورات التي رافقت قصف إسرائيل للضاحية الجنوبية لبيروت.
وأفادت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" بأن الأسابيع التي سبقت التوقيع على مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن كانت طويلة ومرهقة للغاية، وأن إيران والولايات المتحدة كانتا على وشك استئناف الحرب لولا تدخل الوسطاء الإقليميين لإنقاذ الاتفاق الإيراني الأمريكي.
وقال مصدر أمني مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ومطلع على سير المفاوضات لـ"عربي بوست": "قضينا أسابيع طويلة من أجل التوصل إلى صيغة مناسبة لكلا الطرفين، وبذل الوسطاء القطريون والباكستانيون أقصى جهدهم، ولكن استمر ترامب في التعديل على بنود مذكرة التفاهم، ما دفع طهران إلى تعديل بعض البنود في المقابل".
وبحسب المصدر ذاته، الذي صرح للموقع مفضلاً عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يصر خلال الأسابيع الماضية على معالجة مسألة مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، التي تصل إلى 440 كيلوغراماً بنسبة تخصيب تبلغ 60%.
وأضاف المصدر الأمني قائلاً: "أبلغنا الجانب الأمريكي أن مذكرة التفاهم الأولية لا علاقة لها بالبرنامج النووي، لكن الأمريكيين أصروا على الحصول على ضمانات نووية، وطلبوا موافقة طهران على تسليم مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة".
وفي حديثه لـ"عربي بوست"، قال مسؤول أمني إيراني ثان إن القيادة الإيرانية رفضت بصورة قاطعة تسليم مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة، سواء في الوقت الحالي أو خلال المفاوضات النووية التي يفترض أن تبدأ بعد التوقيع الرسمي والحضوري على مذكرة التفاهم.
وقال المصدر الأمني: "حاول الوسطاء التوصل إلى حل وسط، وفي النهاية وافقت القيادة الإيرانية على إمكانية تخفيف تركيز مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب والاحتفاظ بها داخل إيران". لكن هذا التوجه أثار اعتراضات قوية داخل بعض الدوائر المتشددة في إيران، الرافضة أساساً للتفاوض مع الولايات المتحدة.
ويعلق مسؤول أمني مقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية قائلاً لـ"عربي بوست": "ترى هذه الدوائر أن مخزونات اليورانيوم تمثل إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية في التفاوض مع الولايات المتحدة، وأنه لا ينبغي التخلي عنها مقابل مذكرة تفاهم يعتبرونها هشة وقابلة للانهيار أو الانتهاك في أي وقت".
ووافقت الولايات المتحدة في المقابل على تخفيف تدريجي للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، مقابل موافقة طهران على تخفيف تركيز مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، على أن يرتبط ذلك بمدى التقدم الذي تحرزه المفاوضات النووية خلال فترة الـ60 يوماً التي تبدأ مع التوقيع الرسمي على المذكرة في جنيف.
مع تقدم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حاولت إسرائيل ـ بحسب المصادر الإيرانية ـ عرقلة الاتفاق الإيراني الأمريكي. فقد هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقصف أهداف تابعة لحزب الله، في وقت كانت فيه طهران تصر على تضمين لبنان ضمن وقف إطلاق النار المنصوص عليه في مسودة مذكرة التفاهم.
وفي الأسبوع الأول من يونيو/ حزيران 2026، نفذت إسرائيل تهديداتها، ما دفع طهران إلى التدخل دفاعاً عن حليفها اللبناني، وشن هجوم على إسرائيل للمرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل/ نيسان.
وقالت المصادر الإيرانية إن قادة الحرس الثوري شعروا آنذاك بأن لا جدوى من التفاوض مع الولايات المتحدة، واعتبروا أن استهداف مواقع تابعة لحزب الله جرى بموافقة أمريكية ضمنية، وهو ما دفع الاتفاق الإيراني الأمريكي إلى حافة الانهيار مجدداً.
بحسب مصدر سياسي إيراني مطلع على سير المفاوضات، تدخل الوسطاء القطريون سريعاً لمنع انهيار المحادثات، وعملوا على نقل الرسائل بين طهران وواشنطن. لكن التوتر استمر بعدما أسقطت إيران مروحية أباتشي أمريكية، وقالت لاحقاً إن عملية الإسقاط تمت عن طريق الخطأ، فيما ردت الولايات المتحدة بقصف عدة أهداف عسكرية في جنوب إيران.
في هذا السياق، قال المصدر السياسي الإيراني المطلع إن المؤسسة العسكرية الإيرانية رأت في الضربات الأمريكية محاولة لإضعاف منظومة الدفاع الجوي الإيرانية تمهيداً للعودة إلى الحرب.
وأضاف أن قادة عسكريين مارسوا ضغوطاً كبيرة على فريق التفاوض الإيراني لإنهاء المحادثات والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة العسكرية، إلا أن جهود الوسطاء الإقليميين واتصالات مكثفة أجراها قادة دول مجلس التعاون الخليجي مع ترامب لإقناعه بالتراجع عن تهديداته بقصف جزيرة خرج الإيرانية، ساهمت في إعادة الأمور إلى مسارها التفاوضي.
في يوم 14 يونيو/ حزيران 2026، استهدفت إسرائيل مجدداً مقرات تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما وصفه مسؤول أمني إيراني مقرب من المؤسسة العسكرية بأنه "اللحظة الأخطر في كامل مسار التفاوض".
وقال لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه: "حينها أمر الحرس الثوري فريق التفاوض الإيراني بإبلاغ الأمريكيين وقف المفاوضات، كما أصدر أوامر بتجهيز الصواريخ استعداداً لقصف إسرائيل". وأضاف: "لكن ما أنقذ الاتفاق هو تدخل سريع من قاليباف وبزشكيان، اللذين عقدا اجتماعاً عاجلاً مع عدد من قادة الحرس الثوري وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي في محاولة لاحتواء الموقف".
ورأى محمد باقر قاليباف ومسعود بزشكيان أن إسرائيل تسعى إلى إفشال المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وأن أفضل رد على ذلك هو الاستمرار في المسار الدبلوماسي وعدم منح تل أبيب فرصة تعطيل الاتفاق. وبحسب المصادر الإيرانية، جرى إقناع القادة الأمنيين والعسكريين بالتراجع عن موقفهم مقابل الحصول على تنازلات إضافية من الجانب الأمريكي.
وتدخل ترامب شخصياً لمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، ولضمان استمرار التفاهم الذي كان على وشك الاكتمال. وفي نهاية المطاف، وافق قادة الحرس الثوري على عدم الرد العسكري على إسرائيل، ما سمح بإتمام التوقيع الإلكتروني على الاتفاق الإيراني الأمريكي بعد ساعات قليلة.
بحسب المصادر الإيرانية المطلعة، فإن الفقرة الأولى من البند الأول في مذكرة التفاهم تنص على إعلان فوري لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
وقبل استهداف إسرائيل مقرات حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 14 يونيو/ حزيران، كان هذا هو النص الأصلي للفقرة الأولى من البند الأول ضمن مذكرة التفاهم التي تتكون من 14 بنداً.
لكن المصدر الأمني المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يقول إنه بعد أحداث تلك الليلة، طالبت طهران بصياغة أكثر وضوحاً لمسألة وقف إطلاق النار.
ووافقت واشنطن على إضافة عبارة "ضمان وحدة وسلامة أراضي لبنان وسيادته"، وهي عبارة ترى طهران أنها تعني عملياً انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في جنوب لبنان.
لكن المصدر نفسه يحذر من أن هذه النقطة قد تتحول مستقبلاً إلى مصدر توتر جديد بين إيران وإسرائيل، قائلاً: "إذا لم توافق إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان، فهذا يعني أن مذكرة التفاهم لم تُنفذ وفق البنود المتفق عليها، وسيتعين على طهران التعامل مع هذا الخرق".
وبالإضافة إلى ملف لبنان، طلبت إيران تعديلاً آخر في الساعات الأخيرة من المفاوضات يتعلق بإنهاء الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وبحسب المصادر الإيرانية المطلعة على سير المفاوضات، كان النص الأصلي ينص على رفع الحصار تدريجياً طوال فترة الـ60 يوماً، لكن طهران طالبت بأن يتم رفعه بصورة كاملة فور التوقيع الرسمي على المذكرة في 19 يونيو/ حزيران، وهو ما وافقت عليه إدارة ترامب.
في المقابل، طلبت واشنطن من إيران إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية وإزالة الألغام بصورة فورية. وكانت طهران قد وافقت في البداية على إعادة فتح المضيق مع الإصرار على فرض رسوم عبور وتأمين على السفن، لكنها وافقت في نهاية المطاف على فتحه مجاناً طوال فترة الـ60 يوماً، على أن يتم بحث ترتيبات إدارته النهائية خلال المفاوضات اللاحقة.
وأثار هذا البند انتقادات داخلية من بعض التيارات الأصولية الإيرانية، إذ قال الخبير السياسي وحيد عباسي، المقرب من دوائر المتشددين في إيران، لـ"عربي بوست": "هناك معارضة داخلية لفكرة التفاوض مع إدارة ترامب من الأساس، لأن بعض التيارات ترى أنه لا يمكن التفاوض مع قاتل الزعيم الأعلى لإيران علي خامنئي".
وأضاف عباسي أن هذه التيارات تعتبر أن موافقة إيران على فتح مضيق هرمز مجاناً خلال فترة الـ60 يوماً تمثل تنازلاً سياسياً قد يكون من الصعب التراجع عنه لاحقاً إذا فشلت مذكرة التفاهم.
في المقابل، يرفض مؤيدو الاتفاق هذه القراءة، إذ قال دبلوماسي إيراني رفيع المستوى لـ"عربي بوست": "وافقت واشنطن على رفع العقوبات بشكل كامل عن إيران إذا تم التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي خلال فترة الـ60 يوماً، وفي المقابل طلبت فتح حركة الملاحة مجاناً في مضيق هرمز. هذه ليست تنازلات مجانية، بل معادلة خطوة مقابل خطوة".
وفي نهاية المطاف، ترى المؤسسة الحاكمة في إيران أن مذكرة التفاهم تمثل إطار عمل ملزماً، لكنه قائم في الوقت نفسه على قدر كبير من الحذر والشك تجاه مدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ تعهداتها.
Loading ads...
ويختتم المصدر الأمني المقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية حديثه لـ"عربي بوست" قائلاً: "هذه تجربة لاختبار إمكانية نجاح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. نحن نعمل وفق استراتيجية خطوة مقابل خطوة، بحيث يقابل كل التزام أمريكي إجراء إيراني مماثل، ولا يتم تنفيذ أي خطوة إلا بعد التأكد الكامل من تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته بصورة قابلة للتحقق".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





