4 أشهر
هل نبرئ داعش بتبرئتنا أخواتها.. عندما يكون المثقف جزءاً من المشكلة
الأربعاء، 14 يناير 2026
من الطبيعي والمتفق عليه أن داعش مثلت فكراً متشدداً تكفيرياً يقصي الآخر بالعنف، كما يقصي الآخر المسلم والإسلامي كذلك، وتقيم عليهم حدّ الردة بما أنها تؤمن بذهنية الإخراج من الجماعة والملّة. غير أن كثيراً من المنتسبين – لا القادة ولا القيادة ببرامجها وتمويلها ورعايتها الدولية – وُضعوا في ظروف وخيارات ضيقة، وتم دفعهم دفعاً ليكونوا خنجراً في ظهر الثورة السورية. سنعود قليلاً إلى الوراء، حيث نظمت إيران، وبالتعاون مع نظام الأسد، تفجيرات لتحشيد الشيعة في العراق وخلط الأوراق خدمةً لأميركا نفسها، وإشغال العراقيين ببعضهم في حرب أهلية دفع ثمنها السنّة كحاضنة للمقاومة، وكذلك جزء من الشيعة في نظام البعث السابق، وفصائل الصوفية النقشبندية إثر ظهور التوجه الديني لدى بعض قوى المقاومة، وفصائل البعث المقاومة بقيادة عزت الدوري. تم ضرب كل فصائل المقاومة الوطنية ضد الأميركيين ليبقى التوجه الإسلامي المتطرف، مقابل ميليشيات إيران والحشد الشيعي الذي سُمّي حشداً شعبياً. ورأينا كيف تم اقتحام المدن والمساجد وذبح أهلها من قبل تلك الميليشيات، وهو ما دفع الكثير من أبناء المحافظات الغربية الأنبار والموصل للانتماء أو الاحتماء بتنظيم الدولة، بما أن الموت قادم والقتل قائم على قدم وساق.
سورياً يختلف الأمر كثيراً؛ حيث الثورة وفصائلها، وتوجهات إسلامية تستوعب الكثير من الثوار الشباب منتشرة بكل مكان، لكن جزءاً من ثوار الحسكة ودير الزور وجدوا أنفسهم بعد تغوّل تنظيم الدولة على كل الفصائل ومحاربتها ومحاصرتها تحت شرط البيعة أو الهجرة؛ فهاجر من هاجر، وبايع من عجز عن الخروج، وصُفّي من صُفّي. كان ذلك خياراً وحيداً قبالة خيارين آخرين: إما الاستسلام لنظام الأسد أو الوقوع تحت بساطير الميليشيا الجديدة (PKK)، التي أحرقت الشجر والحجر ودمرت وجرفت قرى بأكملها، ظهرت في تقرير أمنستي الدولية تحت عنوان "لم يبق لنا مكان نذهب إليه"، وحينها أوضح التقرير بما لا يدع مجالاً للشك وبصيغة قانونية معتمدة أممياً أن قوات حزب العمال ارتكبت جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية.
لعل أمراً سهل الملاحظة أن الساحل، المبتلى بإرث الأسد وشركاء جرائمه وتمويلهم وتسليحهم وارتباطاتهم، كان أكثر تنوعاً في المواقف والأعلى في الانخراط ببرنامج الدولة لسبب بسيط هو قوة الحماية التي تؤمنها سلطة الدولة في تلك المناطق.
وفي عودة إلى ذهنية الإلغاء والإقصاء والإخراج من الملّة، نزيح القراءة قليلاً نحو بؤرتين أو ثلاث في سوريا الآن: قسد وانكشاف أهدافها أو تسويق غاياتها بأنها رافعة الحقوق الكردية، ليذهب أغلب المثقفين ويُمعنوا في اختزال الصوت الكردي بقسد ومثقفيها ومطبليها، ويُخرجون من الملّة – الكردية – كل من يخالفهم. ولم يعد ذلك نشازاً بل بات شائعاً على شتى الفضائيات ووسائل الإعلام، بما فيهم من ظهر على الإخبارية السورية منذ أيام؛ لينزع الأصل الكردي لناشطة وقفت ضد مشروع قسد، واستنفار العديد من الناشطين الذين أعلنوها بصراحة في الشارع والبيت والمدرسة: "الشعب الكردي يخضع للتطهير العرقي"، والتلطي خلف المظلومية الكردية، ويصرخون "لقد تعدّوا علينا لأننا كرد"، وينكرون في الوقت نفسه على كردي آخر أن يؤيد دمشق والجهود الوطنية السورية. ثمة سؤال يطرح نفسه: بما أن قسد قد أرسلت علناً مساعدات إنسانية للمناطق الساحلية والسويداء، فلماذا لم تفكر في إرسال مساعدات إنسانية لأكراد حيّي الشيخ مقصود والأشرفية وهم جمهورها وفقاً لما تسوّقه؟
يسري ذلك الأمر على محاصرة كل الوطنيين من البيئة العلوية الذين يؤيدون بناء الدولة، والفلول ومحاربتهم العلنية لكل من يقف ضدهم ويؤيد الدولة الجديدة، منها التعدي على بيت المعارض نصر داهود سعيد في منزله وتهديده ومحاصرته في رزقه وعمله. في الجانب الآخر، الهجري وإخراجه كل من يعارضه من الملّة والجماعة، وتصفية مخالفيه بحجة خيانة الجماعة، بالتوازي مع أصوات مثقفين عُرفوا بوقوفهم مع الثورة وأيّدوا تظاهرات الساحل وبرروا الشعارات الطائفية والمطالب الانفصالية. إن الداعشية فكرة ونهج اتبعته كل جماعة ما دون الدولة تريد حصة منها وترتبط بأعدائها. تميّز به كل منتمٍ لحلف شذّاذ الأقليات – وليس قواعدها – المتمترسين خلف سلاحهم وآمال الدعم الدولي والصهيوني، وصار يخطط لها الكثير ممن أعلنوا حربهم على الدولة الوليدة تحت شعارات حقوق الجماعة لا حقوق المواطن الفرد بعيداً عن انتمائه، قبالة مجموعة أخرى من أبناء تلك الجماعات ينشطون في الانخراط في برامج الدولة السورية؛ مع رفضهم أن يُعرَّفوا تبعاً لانتمائهم ما دون الدولتي، تبعاً لفكرهم وقناعاتهم. ولعل أمراً سهل الملاحظة هو أن الساحل المبتلى بإرث الأسد وشركاء جرائمه وتمويلهم وتسليحهم وارتباطاتهم، كان أكثر تنوعاً في المواقف والأعلى في الانخراط ببرنامج الدولة لسبب بسيط هو قوة الحماية التي تؤمنها سلطة الدولة في تلك المناطق؛ ومن هنا تبدو خطة الهجرية السياسية في عزل السويداء عن الدولة السورية ناجعة له في اختطاف الطائفة واحتكار قرارها.
يقول صديق كردي من أبناء الثورة: "لو مرت سيارة عابرة في إحدى القرى الكردية المتداخلة مع قرى عربية في شمال الحسكة، ودهست السيارة دجاجة بيت كردي، لتحشد المنحرفون من ضحايا الأحزاب وصرخوا: ميليشيا الجنجويد العربية تمارس تطهيراً عرقياً وتقتل أسباب الحياة لدينا". مثقف آخر كتب عند تحرير رأس العين بأن هناك "عملية جينوسايد بحق الكرد تُرتكب في رأس العين"، ورغم أن العرب غالبية في تلك المدينة، لكن تم تكريدها لمسمى آخر على طريقة البعث الكردي المقتفي آثار البعث العربي. مثقف كردي وناشط صاحب تجربة في الانتماء لحزب العمال الكردي التركي (PKK) ومنسحب عنه قال في بودكاست سوري إن عبد الله أوجلان أشرف على قتل ما يقارب 15 ألف كردي ممن يخالفونه نهجه. وقد وقف مثقفنا ضد حزب العمال ثم قسد فيما بعد، وبعد نشاط سنين ثارت ثائرته وانخرط في حمى مماهاة الصوت الكردي والمصلحة الكردية مع قسد لمجرد أنها صارت تتلطى خلف شعارات قومية كردية، وهي التي فعلت ما فعلت بعظمة لسانه. المضحك أن مثقفنا صاحب مقولة ميليشيا الجنجويد والدجاجة نفسه قال: "يبدو أن قسد لعبتها صح وحشدت بعض مثقفينا أو اشترتهم، وصاروا يتهافتون عليها تحت شعار القومية الكردية والمظلومية"، والمبكي في الآن نفسه أنه ما لبث مثقفنا نفسه أن انضم إلى جوقة أنصار قسد المنسحبين من كثير من منظمات المجتمع المدني التمثيلية كاتحاد الكتاب السوريين واتحاد الصحفيين.
تذهب المقولة الكردية ذات الطابع الإنساني وذات البعد العصبوي بشكل مُدغم إلى خلق حالة انكماش وتقوقع وإنكار لمسيرة التعايش مع الآخر من كل محيطهم، واعتبار كل ما هو غير كردي عدواً لهم.
ونسحب هذا القول على انتهازيي الفكر الطائفي من الهجرية السياسية، إلى فلول النظام، والمرجعية الدينية للشيخ الأسدي غزال غزال القابع تحت جبة خامنئي وثلته. قد يبدو الأمر لدى عناصر الجماعة المحتشدة مفهوماً باعتبارهم جزءاً من مشاريع بُنيت عليه من عصبية مرسومة ومظلومية مفتعلة حديثاً، لكن الغرابة في انصياع وتفرغ كثير من المثقفين للدخول في حمى التحشيد لدرجة أنهم صاروا جزءاً منها. السؤال الذي يطرح نفسه لتكون المقاربة أكثر دقة والمقارنة مفيدة: أن مثقف الساحل الذي انخرط في برامج الحكومة يعاني من التهديد من قبل الفلول، بالمقابل مثقفو السويداء طالت الكثير منهم التهديدات والتصفيات نظراً لكونهم واقعين تحت سلاح أولئك، في حين أن مثقفي النسق الكردي المطبل لقسد يعيش أغلبهم في أوروبا وخارج دائرة الخوف من سطوتها وسلاحها، ويحترفون كل ما هو حشدي وقطيعي وتحريضي ضد العرب من جهة، وضد الكرد ممن يخالفهم.
Loading ads...
ختاماً، ثمة مقولة يتداولها الكرد: "لا صديق للكرد إلا الجبال"، تيّمناً بمقطع من قصيدة محمود درويش يقول فيه: "ليس للكردي إلا الريح". تذهب المقولة الكردية ذات الطابع الإنساني وذات البعد العصبوي بشكل مُدغم إلى خلق حالة انكماش وتقوقع وإنكار لمسيرة التعايش مع الآخر من كل محيطهم، واعتبار كل ما هو غير كردي عدواً لهم. وهذا سلوك يفسره عالم الاجتماع جورج زيمل بقوله: "إن وجود الخصم هو شيء ضروري بدرجة كبيرة لتماسك جماعة ما وصناعة العصبية"، ما يوصلنا إلى تفسير تلك المقولة الكردية مقلوبةً بأن الكرد أكثر الشعوب قدرة على صناعة الأعداء، شرط أن نطبق تلك المقولة على نخبهم القومية الانفصالية، لا نخبهم الوطنية ولا عامتهم المُغرر بها، لتكون مفاصلة ومفارقة لمحيطها الاجتماعي الذي تتشارك معه الحياة والخبز وبناء الوطن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



