ساعة واحدة
استرداد الطبقة الوسطى.. المدخل الضروري لإعادة بناء الدولة السورية
الثلاثاء، 16 يونيو 2026
تنظر السوسيولوجيا الحديثة إلى الطبقة الوسطى ليس بوصفها مجرد شريحة دخل اقتصادية، بل باعتبارها فاعلاً اجتماعياً وسياسياً ينتج أنماطاً محددة من القيم والمؤسسات الخاصة ببناء الدولة المعاصرة، فقد أكد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر على أهمية مكانة الطبقة الوسطى من خلال ما تمتلكه من تعليم وخبرات مهنية ورأسمال ثقافي ومعرفي يمنحها استقلالية نسبية عن السلطة والثروة الموروثة، في حين اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي الكسي دو توكفيل أن اتساع الطبقة الوسطى يمثل أحد الشروط الأساسية لقيام المجتمعات الديمقراطية الحديثة، لأنها الطبقة الأكثر ارتباطاً بقيم الاعتدال والعمل المؤسسي والتسوية السلمية للنزاعات، ومن هذا المنظور لا تكمن أهميتها في دورها الاقتصادي فقط، بل في قدرتها على إنتاج ما يسميه علماء الاجتماع بالمجال الوسيط بين الدولة والمجتمع، أي ذلك الفضاء الذي تنشأ فيه النقابات والجمعيات المهنية والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني.
في سوريا تشكلت الطبقة الوسطى السورية بصورتها الحديثة خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، وخصوصاً في خمسينيات القرن الماضي. وضمت آنذاك موظفي الدولة والمعلمين والأطباء والمهندسين والمحامين وأصحاب المهن الحرة، وصغار التجار، والحرفيين، والمثقفين، وكانت هذه الفئة تمثل الحامل الاجتماعي لفكرة الدولة الوطنية الديمقراطية الناشئة، كما لعبت دوراً مهماً في بناء المؤسسات العامة للدولة والمجتمع، وترسيخ التعليم الحديث، وتوسيع المجال المدني، وإنتاج النخب السياسية والإدارية والأكاديمية.
غير أن هذا المسار لم يستمر طويلاً، فمع انقلاب البعث العسكري واستيلائه على السلطة عام 1963 بدأت عملية إعادة تشكيل واسعة لمؤسسات الدولة والمجتمع استناداً الى شعارات الاشتراكية والتنمية، لكنها في الوقت نفسه أضعفت استقلالية الطبقة الوسطى الاقتصادية والاجتماعية. فقد أدى توسع القطاع العام والتأميمات الواسعة إلى ربط شرائح كبيرة من هذه الطبقة بالدولة بوصفها صاحب العمل الرئيسي، في حين أدى التوسع الأمني والرقابي إلى الحد من استقلال المجال العام والمجال المهني.
ومع ترسخ الدولة الأمنية في الحقبة الأسدية، تحولت قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى إلى فئات وظيفية تعتمد في استقرارها وفرصها على القرب والتملق من السلطة الأمنية أكثر من اعتمادها على الكفاءة أو المبادرة المهنية، وبدل أن تكون هذه الطبقة قوة مستقلة قادرة على إنتاج التوازن الاجتماعي والسياسي، أصبحت جزءاً من منظومة الضبط البيروقراطي والأمني التي أحكمت السيطرة على المجتمع.
بدل أن تستفيد الطبقة الوسطى من الانفتاح الاقتصادي، تعرضت لضغوط متزايدة نتيجة لارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة وتآكل الأجور الحقيقية، الأمر الذي أدى إلى انكماشها التدريجي واتساع الفجوة بين أقلية ثرية جداً وغالبية فقيرة جداً تعاني من التدهور المعيشي.
مع بداية عام 2000، دخلت سوريا مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية تحت عنوان "اقتصاد السوق الاجتماعي". لكن هذه التحولات لم تؤدِ إلى بناء اقتصاد تنافسي منتج، بل أسهمت في تعزيز أنماط من الاقتصاد الريعي المرتبط بشبكات النفوذ السياسي والأمني، وبدل أن تستفيد الطبقة الوسطى من الانفتاح الاقتصادي، تعرضت لضغوط متزايدة نتيجة لارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة وتآكل الأجور الحقيقية، الأمر الذي أدى إلى انكماشها التدريجي واتساع الفجوة بين أقلية ثرية جداً وغالبية فقيرة جداً تعاني من التدهور المعيشي.
خلال سنوات الحرب التي تلت ثورة 2011 خسرت سورية جزءاً كبيراً من رأسمالها البشري المعرفي، أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات ومعلمون وصحفيون ورجال أعمال صغار ومتوسطون غادروا سورية أو فقدوا قدرتهم على ممارسة أدوارهم المهنية. أما من بقي داخل سوريا، فقد وجد نفسه في مواجهة تدهور غير مسبوق في مستوى الدخل والخدمات وفرص العمل، الأمر الذي دفع شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى الانزلاق نحو خط الفقر.
والنتيجة اليوم أن المجتمع السوري يعاني من اختلال بنيوي خطير، فالفجوة بين القمة والقاع اتسعت بصورة غير مسبوقة، في حين تآكلت المساحة الوسطى التي تشكل عادة عنصر التوازن والاستقرار. وهذا ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل مؤشر على أزمة وطنية أعمق تمس طبيعة الدولة السورية نفسها.
من منظور سوسيولوجي، فإن ما جرى لا يقتصر على تراجع مستويات الدخل أو انهيار القدرة الشرائية، بل يتجاوز ذلك إلى تآكل ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو "الرأسمال الثقافي" الذي تنتجه الطبقة الوسطى ما أضعف قدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاته، كما أسهم انهيار الطبقة الوسطى في تراجع ما يسميه أستاذ السياسة العامة الأميركي روبرت بوتنام "رأس المال الاجتماعي"، أي شبكات التعاون والثقة المتبادلة بين الأفراد والمؤسسات، الأمر الذي انعكس في ضعف المجال العام وتراجع دور النقابات والجمعيات والهيئات الوسيطة بين الدولة والمجتمع.
من هنا، فإن الحديث عن إعادة إعمار سوريا لا يمكن أن يقتصر على إعادة بناء الطرق والجسور والمباني المدمرة. فإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ بإعادة بناء الإنسان وإعادة تكوين الطبقة الوسطى التي تشكل القاعدة الاجتماعية للدولة الحديثة.
وهذا يتطلب قبل كل شيء إصلاحاً جذرياً لمنظومة التعليم، بما يعيد الاعتبار للكفاءة والمعرفة ويربط مخرجات التعليم بحاجات الاقتصاد السوري الفعلي، كما يتطلب دعم المشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الحاضنة الطبيعية لنمو شرائح الطبقة الوسطى، بدل استمرار هيمنة الأنشطة الريعية والاحتكارية.
كذلك، لا بد من تبني سياسات ضريبية أكثر عدالة تسهم في الحد من التفاوت الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة بصورة أكثر توازناً، فالمجتمعات التي تتسع فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء بصورة مفرطة تكون أكثر عرضة للاضطرابات والأزمات المجتمعية وعدم الاستقرار.
إعادة بناء الطبقة الوسطى في سوريا لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها سياسة اجتماعية لتحسين مستويات المعيشة فقط، بل باعتبارها عملية لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي نفسه، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة والكفاءة والعدالة.
ولا يقل عن ذلك أهمية إصلاح الإدارة العامة على أسس الكفاءة والشفافية والمساءلة، بما يتيح استعادة الثقة بالمؤسسات ويمنح الكفاءات الوطنية فرصًا حقيقية للمشاركة في إدارة الشأن العام. كما أن توسيع هامش الحريات العامة، وضمان استقلال النقابات المهنية ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، يشكل شرطاً أساسياً لعودة الطبقة الوسطى إلى أداء دورها الطبيعي بوصفها وسيطاً بين الدولة والمجتمع.
وتؤكد خبرات التحول السياسي والتنمية في العديد من المجتمعات المعاصرة أن بناء الدولة لا يتحقق بالقوة الإدارية أو الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى قاعدة اجتماعية حاملة له، فالطبقة الوسطى هي الفئة الأكثر استعداداً للدفاع عن سيادة القانون واستقلال المؤسسات وتكافؤ الفرص، لأنها تربط مصالحها بالاستقرار طويل الأمد لا بالمكاسب الريعية المؤقتة، ولهذا فإن إعادة بناء الطبقة الوسطى في سوريا لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها سياسة اجتماعية لتحسين مستويات المعيشة فقط، بل باعتبارها عملية لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي نفسه، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة والكفاءة والعدالة.
إن استرداد الطبقة الوسطى في سوريا ليس مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل مشروع وطني متكامل، فهذه الطبقة كانت تاريخياً الحامل الرئيسي لفكرة الدولة السورية الحديثة، وهي القادرة على إعادة إنتاج قيم المواطنة والكفاءة والاستقرار، ومن دونها ستظل سوريا عرضة لمزيد من الاستقطاب والانقسام والتفكك.
Loading ads...
وفي هذا السياق، يصبح استرداد الطبقة الوسطى ضرورة وطنية لا غنى عنها، ليس فقط من أجل التعافي الاقتصادي، بل من أجل إعادة بناء القاعدة الاجتماعية للدولة السورية الحديثة، واستعادة التوازن بين المجتمع والسلطة، وفتح الطريق أمام عقد اجتماعي جديد أكثر عدالة واستقراراً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

