تتحرك روسيا في الملف السوري بوتيرة متصاعدة منذ آب الماضي، لكن الأسابيع الأخيرة حملت إشارات أوضح على رغبتها في إعادة ترسيخ موقعها داخل بنية القرار في دمشق. اللقاء العسكري الذي حضره نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف في دمشق، إلى جانب الجولة العسكرية الروسية الأخيرة في الجنوب السوري، كشفا عن انتقال التحركات الروسية من مستوى التواصل الاعتيادي إلى مستوى يقترب من إعادة تنظيم النفوذ وتحديد مسارات التعاون الجديدة.
وفي حين قد تُعدّ المقاربة الروسية الحالية مثالاً واضحاً على ما يسميه علماء الاستراتيجية بـ"منع الفراغ"، أي منع المساحات التي خرجت من سيطرة النظام السابق من التحول إلى ساحات غير منضبطة أو مفتوحة على سيناريوهات غير متوقعة، غير أن موسكو تعيد صياغة هذا المفهوم في سياق مختلف تماماً، حيث يتحول الفراغ هنا من فراغ أمني أو عسكري إلى فراغ مؤسساتي.
حيث يتمثل الفراغ الذي تخشاه موسكو في غياب رؤية اقتصادية واضحة، تشتت القرار في ملف الطاقة، وتغير قواعد التفاوض حول العقود السابقة. في حين تتم الاستجابة الروسية لهذا الفراغ عبر العودة التدريجية إلى مستويات التنسيق العسكري، والتي تُعتبر المدخل الطبيعي إلى أي تعاون اقتصادي لاحق.
وقد تبدو موسكو أنها تعمل على الوصول إلى صيغة تعيد دمج حضورها داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة، سواء عبر تعزيز قنوات التنسيق العسكري أو من خلال فتح مسارات موازية في الملفات الاقتصادية الحساسة، وعلى رأسها الطاقة وإعادة الإعمار، لذا فقد تكون التحركات الروسية التي بدت متفرقة خلال الأيام الماضية أخذت شكلاً أكثر انتظاماً، في ظل تخطيطها لاستغلال حاجة دمشق إلى دعم تقني في القطاعات المتضررة، ورغبة موسكو في تثبيت دورها داخل المرحلة التي تُعاد فيها صياغة البنى التنفيذية.
في حين لا يتعامل الروس مع المرحلة الراهنة باعتبارها مجرد فرصة لإحياء نفوذ سابق، إنما باعتبارها إعادة هندسة لشكل هذا النفوذ. وفي هذا السياق، تبرز مقاربة روسية ترى أنّ النفوذ الفعّال لم يعد قائماً على الامتداد العسكري المباشر بقدر اعتماده على فرضية "الاندماج المؤسسي" داخل الإدارة السورية. أي أن تكون روسيا جزءاً من عمليات اتخاذ القرار في مؤسسات محددة، خصوصاً تلك التي ترتبط بقطاعات استراتيجية مثل الطاقة والمواصلات والبنى التحتية.
هذا التحول ينسجم مع ما تُسمّيه دراسات النفوذ السياسي "النفوذ منخفض التكلفة"، والذي تقوم فكرته على تخفيض حضور القوة المباشرة وزيادة مشاركة الأجهزة الفنية والبيروقراطية، بما يسمح لروسيا بالبقاء لاعباً مؤثراً من دون الحاجة بالضرورة إلى كلفة عسكرية واسعة.
إن السياق الذي تتحرك فيه موسكو اليوم لا يمكن أن يشبه مرحلة النظام السابق، فدمشق الجديدة تعمل ضمن بيئات داخلية وسياسية متعددة الطبقات، ما يجعل أي حضور خارجي مرتبطاً بميزان دقيق بين الضرورات التقنية والحساسيات السياسية. ومع ذلك، تبدو روسيا مصممة على الاحتفاظ بموضع ثابت في هذه البنية، خصوصاً في الملفات التي تمنحها نفوذاً عملياً مثل تقييم البنى التحتية، ومتابعة العقود التي جرى توقيعها في السنوات الماضية.
في حين يظهر أن العودة الروسية التي تتشكل الآن تعتمد على التدخل في لحظات مفصلية داخل مؤسسات الدولة، حيث تستفيد موسكو من أن دمشق لم تحسم بعد شكل إعادة هيكلة قطاعاتها المتضررة، ما يمنحها هامشاً واسعاً لاقتراح ترتيبات جديدة أو تثبيت اتفاقيات مؤجلة. ويظهر من طبيعة اللقاءات الأخيرة أنّ موسكو تتحرك على محورين: تعزيز التنسيق العسكري، وفتح الطريق أمام دور اقتصادي يعيد ربطها بمسار إعادة الإعمار حين يبدأ فعلياً.
وتشير التحركات الروسية إلى استخدام الاقتصاد بوصفه مساراً موازياً للعلاقة العسكرية، وهذا الأسلوب يقترب من مفهوم "النفوذ المرن" الذي يتداخل فيه الفني بالسياسي، بحيث تصبح الحاجة التقنية وسيلة لإعادة تشكيل موقع موسكو في الدولة.
فدمشق، التي كانت تواجه أزمات متتابعة في الطاقة، تجد نفسها خلال المرحلة الجديدة مدفوعة إلى البحث عن شريك قادر على توفير دعم فني عاجل. وروسيا تدرك أن استغلال هذه الحاجة قد يُشكّل مجالاً سياسياً بحد ذاتها، وأن الدخول في هذا الملف يمنحها تأثيراً يتجاوز حدود الجانب التقني، وهذا الأسلوب هو ما تصفه نظريات العلاقات الدولية بمبدأ "الحضور غير الصدامي" الذي يحقق نفوذاً حقيقياً دون وضع موسكو في مواجهة مباشرة مع الأجنحة السياسية داخل الملف السوري.
Loading ads...
ولكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه يدور حول قدرة روسيا على تحويل هذه التحركات إلى موقع مستقر داخل الدولة السورية الجديدة، فاحتمالات التقلب السياسي الداخلي، وتداخل مراكز القرار، والضغوط الاقتصادية الكبيرة، تجعل أي نفوذ خارجي عرضةً للاختبار بشكل دائم. ومع ذلك، تبدو موسكو مقتنعة بأن الحضور المبكر في إعادة تنظيم مؤسسات دمشق يمنحها أفضلية يصعب تجاوزها في المراحل اللاحقة، خاصة في ملف الطاقة الذي يشكّل البوابة الأكثر قدرة على تثبيت نفوذ طويل الأمد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


