ساعة واحدة
خاص: كواليس المشروع السياسي الجديد لقيس الخزعلي.. لماذا اختار النفوذ داخل الدولة العراقية بدلاً من السلاح؟
الثلاثاء، 30 يونيو 2026

كشفت مصادر سياسية وأمنية عراقية لـ"عربي بوست" أن قرار زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، فك ارتباط كتائب الجماعة بهيئة الحشد الشعبي ووضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، لا يمثل استجابة مباشرة لخطة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة، بقدر ما يشكل بداية مرحلة جديدة يسعى خلالها الخزعلي إلى إعادة تموضع جماعته داخل النظام السياسي العراقي، عبر استبدال النفوذ العسكري بالنفوذ المؤسسي.
وبحسب المصادر، فإن الخزعلي يعمل منذ أشهر على تنفيذ استراتيجية تقوم على تعزيز حضور الجناح السياسي للجماعة داخل مؤسسات الدولة، والتخفيف تدريجياً من صورة "قائد الفصيل المسلح"، ما يتيح له التكيف مع الضغوط الأمريكية المتزايدة على الفصائل المسلحة، ويفتح المجال أمام توسيع نفوذ "صادقون" داخل البرلمان والإدارة العراقية.
وترى المصادر أن قرار تسليم السلاح لا يمكن فصله عن هذا التحول، إذ يأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى بناء مشروع سياسي طويل الأمد، يعتمد على التحالفات البرلمانية، والتغلغل في مؤسسات الدولة، وتأسيس قاعدة جماهيرية تتجاوز البيئة التقليدية للفصائل المسلحة، في وقت يطمح فيه الخزعلي إلى لعب دور أكثر تأثيراً في قيادة العراق خلال السنوات المقبلة.
وفي 2 يونيو/ حزيران 2026، أعلنت عصائب أهل الحق فك ارتباط كتائبها بهيئة الحشد الشعبي، مؤكدة في بيان رسمي سحب جميع الترتيبات اللوجستية الخاصة بانتشارها العسكري، ما يتوافق مع متطلبات القوات المسلحة العراقية ومؤسسات الدولة ويخدم "المصلحة الوطنية العليا".
ورحبت قوى داخل الإطار التنسيقي بالخطوة، معتبرة أنها تمثل دعماً لخطة الحكومة الجديدة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن مصدراً أمنياً عراقياً يرى أن القرار يحمل بعداً سياسياً أكبر، قائلاً لـ"عربي بوست": "هذه أولى خطوات الخزعلي للسيطرة على مؤسسات الدولة بدلاً من حمل السلاح، وهو مشروع يعمل عليه منذ سنوات."
بدأت عصائب أهل الحق عام 2006 بوصفها فصيلاً انشق عن جيش المهدي بزعامة مقتدى الصدر، في ذروة المواجهة مع القوات الأمريكية بعد الغزو الأمريكي للعراق.
وتقول مصادر عراقية لـ"عربي بوست" إن الخلاف بين الصدر ونائبه الشاب آنذاك قيس الخزعلي وفر فرصة لإيران لتعزيز حضورها داخل الساحة الشيعية، حيث لعب قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني دوراً محورياً في تشجيع الخزعلي على تأسيس تنظيم مستقل، مع توفير الدعم المالي والعسكري له.
ورغم إعلان مقتدى الصدر عام 2008 وقف العمليات المسلحة وحل جيش المهدي، واصلت عصائب أهل الحق قتال القوات الأمريكية، بينما اعتقلت القوات الأمريكية قيس الخزعلي قبل أن تطلق سراحه عام 2010.
وخلال السنوات التالية، توطدت علاقة الجماعة بالحرس الثوري الإيراني، وأصبحت أحد أبرز مكونات ما يعرف بـ"محور المقاومة"، قبل أن تشارك في القتال إلى جانب نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ثم في الحرب ضد تنظيم "داعش" بعد عام 2014 ضمن تشكيلات الحشد الشعبي.
لكن عام 2014 مثّل نقطة تحول في مسيرة الجماعة، مع تأسيس جناحها السياسي "صادقون" ودخوله الانتخابات البرلمانية ضمن تحالف الفتح. ففي تلك الانتخابات حصل الحزب على مقعد واحد فقط، قبل أن يقفز إلى 15 مقعداً عام 2018، ثم 16 مقعداً في انتخابات 2021، وصولاً إلى 27 مقعداً في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، ليصبح أكبر حزب شيعي يخوض الانتخابات منفرداً من حيث عدد المقاعد.
وبالتوازي مع هذا الصعود البرلماني، وسعت العصائب حضورها داخل مؤسسات الدولة، فحصلت على وزارة الثقافة في حكومة عام 2018، ثم وزارة التعليم العالي في حكومة محمد شياع السوداني، كما فازت بعد انتخابات 2025 بمنصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، إلى جانب رئاسة اللجنة المالية البرلمانية، التي تعد من أكثر اللجان تأثيراً في رسم السياسة المالية وتوزيع الموازنات على المحافظات.
ويرى المحلل السياسي سجاد مرتضى، المطلع على شؤون الفصائل المسلحة، أن هذا المسار يعكس تحولاً تدريجياً في استراتيجية الجماعة، قائلاً لـ"عربي بوست": "خاضت عصائب أهل الحق طريقاً طويلاً للانتقال من جماعة مسلحة ترفع شعار المقاومة إلى حزب سياسي يعمل بهدوء للسيطرة على مؤسسات الدولة."
ويضيف مرتضى أن الجماعة، في ظل الرفض الأمريكي لتولي الفصائل المسلحة حقائب وزارية، بدأت تعيد ترتيب أولوياتها السياسية، مفضلة تعزيز نفوذها داخل البرلمان والمؤسسات على خوض مواجهة مباشرة حول الوزارات، وهو ما يمهد للمرحلة التالية من مشروع قيس الخزعلي السياسي.
كشفت مصادر عراقية مطلعة أن قرار قيس الخزعلي فك ارتباط "عصائب أهل الحق" بالحشد الشعبي لم يكن سوى جزء من استراتيجية سياسية أوسع، صيغت خلال الأشهر الماضية لمواجهة المتغيرات التي فرضتها الحكومة العراقية الجديدة والضغوط الأمريكية المتزايدة على الفصائل المسلحة.
ويقول قيادي في عصائب أهل الحق، مقرب من الخزعلي، لـ"عربي بوست" إن قرار تسليم السلاح أثار في البداية اعتراضات داخل الجماعة، قبل أن يعقد الخزعلي سلسلة اجتماعات مع القيادات، شرح خلالها رؤيته للمرحلة المقبلة، التي تقوم على الانتقال التدريجي من النفوذ العسكري إلى النفوذ المؤسسي.
ويضيف المصدر أن زعيم عصائب أهل الحق خلص إلى أن استمرار الرهان على السلاح لم يعد يحقق المكاسب السياسية التي حققتها الجماعة خلال السنوات الماضية، خصوصاً مع تشدد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطالبة حكومة علي الزيدي بإبعاد الفصائل المسلحة عن الوزارات والمؤسسات الأمنية.
وبحسب القيادي، فإن أكثر المناصب التي تمسكت بها العصائب خلال مفاوضات تشكيل الحكومة كان منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، في حين اتخذ الخزعلي قراراً بعدم الدخول في معركة الحقائب الوزارية، رغم أن الجماعة كانت تطمح سابقاً إلى الحصول على وزارات سيادية، مثل الداخلية أو المالية.
وبدلاً من ذلك، وضعت قيادة "صادقون" خطة تقوم على التوسع داخل الجهاز التنفيذي للدولة عبر المناصب التي تقل عن مستوى الوزير، مثل وكلاء الوزارات، ونواب الوزراء، ورؤساء الهيئات والقطاعات، وهي مواقع يرى الخزعلي أنها أكثر استقراراً وتأثيراً في إدارة مؤسسات الدولة من المناصب الوزارية التي تتغير مع كل حكومة.
ويؤكد مصدر سياسي من الإطار التنسيقي لـ"عربي بوست" أن هذه المقاربة ليست جديدة في السياسة العراقية، بل تشبه إلى حد كبير الأسلوب الذي اتبعه مقتدى الصدر خلال سنوات طويلة، حين كان يترك الصراع على بعض الوزارات، مقابل تعزيز نفوذ تياره داخل مفاصل الدولة عبر المناصب التنفيذية والإدارية.
ويقول المصدر: "الخزعلي يسير على خطى أستاذه الأول مقتدى الصدر. فالوزير قد يغادر منصبه بعد أشهر، لكن وكيل الوزارة أو رئيس الهيئة يبقى سنوات، ولذلك فإن السيطرة على هذه المواقع تمنح نفوذاً أكبر من السيطرة على الوزارة نفسها."
ويراهن زعيم عصائب أهل الحق أيضاً على أن هذا المسار لن يواجه الاعتراض الأمريكي نفسه الذي يواجهه إسناد الوزارات إلى الفصائل، وإن كان نجاحه سيبقى مرتبطاً بمدى استعداد رئيس الوزراء علي الزيدي لقبول هذه الصيغة خلال توزيع المناصب داخل الحكومة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد المصادر العراقية أن الخزعلي اختار دعم حكومة علي الزيدي بصورة علنية، باعتبارها تمثل فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الطرفين. ويقول القيادي في العصائب إن زعيم الجماعة يعتقد أن الزيدي قادر على إدارة مرحلة سياسية مختلفة، ويؤيد خطواته في مكافحة الفساد والإصلاح المالي، وحتى مشروع حصر السلاح بيد الدولة، آملاً أن ينعكس هذا التقارب على توسيع حضور "صادقون" داخل مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.
لا تقتصر استراتيجية الخزعلي على إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، بل تشمل أيضاً إعادة تشكيل القاعدة الاجتماعية التي يعتمد عليها مشروعه السياسي. فبحسب مصادر عراقية، يعمل زعيم العصائب منذ سنوات على تطوير حزب "صادقون" ليصبح حزباً سياسياً تقليدياً قادراً على مخاطبة شرائح أوسع من جمهور الفصائل المسلحة.
ويقول المحلل السياسي سجاد مرتضى لـ"عربي بوست" إن تولي "صادقون" وزارة التعليم العالي في حكومة محمد شياع السوداني وفر للحزب فرصة لبناء علاقات مع الأكاديميين والنخب الثقافية والإدارية، وهي شريحة يسعى الخزعلي إلى استقطابها ضمن مشروعه السياسي الجديد.
ويضيف مرتضى أن الخزعلي لم يعد يركز فقط على جمهوره التقليدي، وإنما يعمل على استقطاب سياسيين شباب، وكفاءات أكاديمية، ووجوه مهنية، بهدف تأسيس قاعدة انتخابية تختلف عن تلك التي اعتمدت عليها الفصائل المسلحة خلال العقدين الماضيين.
ويتفق مع هذا الطرح قيادي في "صادقون"، يؤكد لـ"عربي بوست" أن الحزب يحتاج إلى "دماء جديدة" من الشباب والمثقفين، وأن هدفه لم يعد تمثيل البيئة الشيعية فقط، بل التحول إلى حزب يخاطب مختلف مكونات المجتمع العراقي.
ويضيف أن الحزب يعمل أيضاً على توسيع حضوره بين رجال الأعمال الشباب، والكوادر الجامعية، والمؤسسات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز دوره الخدمي في المحافظات، في محاولة لبناء صورة جديدة تقوم على العمل السياسي والخدمي، بدلاً من الصورة التقليدية المرتبطة بالعمل المسلح.
بالتوازي مع إعادة هيكلة دور "عصائب أهل الحق" داخل الدولة، تشير مصادر سياسية عراقية إلى أن قيس الخزعلي يعمل أيضاً على بناء شبكة تحالفات جديدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية داخل البيت الشيعي، في محاولة لتعزيز موقعه كفاعل سياسي وطني، لا كزعيم لفصيل مسلح فقط.
وتقول المصادر لـ"عربي بوست" إن الأشهر الأخيرة شهدت تقارباً بين الخزعلي ورئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، إضافة إلى رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، ضمن تفاهمات هدفت إلى تنسيق المواقف خلال مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.
ويرى قيادي في حزب "صادقون" أن هذه التحالفات تعكس قناعة لدى الخزعلي بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكات عابرة للطوائف والقوميات، وأن صعود جيل جديد من السياسيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء علي الزيدي، يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الحياة السياسية العراقية بعيداً عن الاستقطابات التقليدية.
في المقابل، يقدم مصدر من الإطار التنسيقي قراءة مختلفة، معتبراً أن زعيم عصائب أهل الحق يسعى من خلال هذه التحالفات إلى بناء توازنات جديدة داخل المشهد السياسي على حساب القيادات التقليدية.
ويقول لـ"عربي بوست" إن زعيم العصائب يراهن على شراكة تجمعه بالحلبوسي ممثلاً للمكون السني، وبافل طالباني ممثلاً للمكون الكردي، ليكونوا معاً نواة جيل سياسي جديد ينافس الزعامات التي هيمنت على المشهد العراقي منذ عام 2003.
وتشير المصادر إلى أن هذا التنسيق السياسي ظهر بوضوح خلال جلسات التصويت على الحكومة، إذ أسهم تحالف الخزعلي مع الحلبوسي وطالباني في تعطيل تمرير عدد من مرشحي خصومهم السياسيين، من بينهم نوري المالكي الذي أخفق في الحصول على وزارتي الداخلية والتعليم العالي، كما حال دون حصول حزب "عزم" بزعامة مثنى السامرائي على وزارتي التخطيط والثقافة، ومنع الحزب الديمقراطي الكردستاني من الفوز بوزارة الإعمار والإسكان، بعد تصويت نواب هذا التحالف ضد مرشحي تلك القوى.
لا يقتصر مشروع زعيم عصائب أهل الحق على إعادة ترتيب التحالفات الداخلية، بل يمتد أيضاً إلى تحسين صورته خارج العراق، في ظل العقوبات الأمريكية التي ما تزال تلاحقه منذ سنوات.
ففي عام 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قيس الخزعلي على خلفية اتهامه بالمشاركة في قمع احتجاجات تشرين، قبل أن تدرجه وزارة الخزانة الأمريكية في يناير/ كانون الثاني 2020 على قائمة "الإرهابيين العالميين"، كما صنفت "عصائب أهل الحق" منظمة إرهابية أجنبية.
ويرى مصدر أمني عراقي مطلع أن التحولات الأخيرة التي يقودها الخزعلي تستهدف أيضاً تغيير هذه الصورة، قائلاً لـ"عربي بوست": "يسعى الخزعلي إلى تقديم نفسه بوصفه سياسياً ترك العمل المسلح، ويريد أن يُنظر إليه كشخصية قادرة على إدارة الدولة، لا كقائد لفصيل مسلح."
ويضيف المصدر أن التحالف مع محمد الحلبوسي قد يساعد في تحسين علاقاته مع عدد من الدول العربية، بينما يعمل بافل طالباني وشقيقه قوباد طالباني على تسويق صورة أكثر اعتدالاً للخزعلي لدى الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية، في محاولة لفتح قنوات اتصال جديدة قد تسهم مستقبلاً في تخفيف الموقف الغربي منه.
وتكشف مصادر عراقية مقربة من "عصائب أهل الحق" أن الخزعلي يدرس أيضاً الاستعانة بشركات علاقات عامة في الولايات المتحدة، بهدف تحسين صورته لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب، وإقناعها بأن انتقال "العصائب" إلى العمل السياسي يمثل تحولاً حقيقياً، وليس مجرد مناورة مرحلية، ما قد يخفف من الاعتراض الأمريكي على مشاركة "صادقون" في مؤسسات الدولة.
ويرى مسؤولون ومراقبون تحدثوا لـ"عربي بوست" أن قرار "عصائب أهل الحق" تسليم سلاحها لا يمثل نهاية دور الجماعة، بل بداية مرحلة جديدة في مسارها السياسي. فالمشروع الذي يقوده قيس الخزعلي لا يقوم على الانسحاب من المشهد، وإنما على إعادة صياغة أدوات النفوذ، عبر الانتقال من الاعتماد على القوة المسلحة إلى توسيع الحضور داخل البرلمان، والإدارة، والتحالفات السياسية، والقاعدة الاجتماعية.
Loading ads...
ويختصر مصدر أمني عراقي هذا التحول بقوله: "الخزعلي لا يحاول التخلي عن النفوذ، بل تغيير وسيلته." ويضيف أن طموح زعيم العصائب لا يقف عند تعزيز موقع "صادقون" داخل الدولة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء مسار سياسي قد يؤهله مستقبلاً للمنافسة على رئاسة الحكومة، إذا نجح في إقناع الداخل العراقي والخارج بأن مشروعه الجديد يقوم على المؤسسات لا على السلاح.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





