4 أشهر
أين تنتشر "قسد" غرب نهر الفرات وما أبرز تشكيلاتها المسلحة في المنطقة؟
الخميس، 15 يناير 2026
تحتفظ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمواقع متقدمة ورقعة انتشار واسعة في مناطق غرب نهر الفرات، التي تتبع إدارياً لمحافظتي الرقة وحلب، وتشكل امتداداً جغرافياً بالغ الأهمية في المشهد العسكري شمال سوريا، وتمتد هذه المنطقة من دير حافر في ريف حلب الشرقي وصولاً إلى ريف معدان جنوب شرق الرقة، ما يمنح "قسد" نفوذاً على عقدة طرق استراتيجية تربط بين ريفي حلب والرقة.
وقد تحولت هذه الرقعة مؤخراً إلى منطلق للطائرات الانتحارية التي أرسلتها "قسد" لاستهداف مواقع داخل مدينة حلب عقب خسارتها لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية، الأمر الذي لفت انتباه الجيش السوري ودفعه إلى إرسال تعزيزات عسكرية ضخمة نحو المنطقة، في خطوة ينظر إليها على أنها قد تكون تمهيداً لعملية عسكرية واسعة تهدف إلى إنهاء وجود "قسد" هناك وإعادة رسم خريطة السيطرة في غرب الفرات.
سيطرة مستجدة غرب الفرات
مناطق سيطرة "قسد" غرب الفرات لم تكن تقليدية أو قديمة، بل جاءت نتيجة انسحاب قوات النظام المخلوع من الشمال السوري، وخاصة من مدينة حلب وريفها، ومن مركز محافظة الرقة المؤقت في بلدة السبخة وما حولها في الريف الجنوبي للمحافظة. هذا الانسحاب حدث بعد أيام قليلة من انطلاق معركة "ردع العدوان"، حين تمكنت "قسد" من وصل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية مروراً بعدد من أحياء مدينة حلب بمناطق سيطرتها شرق الفرات عبر لسان بري استراتيجي مرّ بمطاري حلب العسكري والمدني وعدد من مناطق شرقي حلب وصولاً إلى مدينة الطبقة في ريف الرقة. لكن هذا الاتصال بين وجودها في حلب والجزيرة السورية كان مؤقتاً، إذ سرعان ما انسحبت إلى مواقعها داخل حلب، فيما أبقت على سيطرتها غرب الفرات، وكانت دير حافر آخر نقاطها هناك.
قالت مصادر محلية متابعة في ريف حلب الشرقي لموقع تلفزيون سوريا، أن هذا التمدد غرب الفرات منح "قسد" فرصة لتثبيت وجودها في مناطق جديدة لم تكن ضمن نطاقها التقليدي، وأتاح لها السيطرة على عقدة طرق مهمة تربط بين ريفي حلب والرقة، كما مكنها من السيطرة على عدة مدن وبلدات رئيسية، أبرزها دبسي فرج، دبسي عفنان، السبخة، دير حافر، ومسكنة وعشرات القرى والبلدات الصغيرة، إضافة إلى ذلك، سيطرت على مطار الجراح العسكري (المعروف بمطار كشيش)، وعدد من محطات الضخ ومشاريع الري على نهر الفرات، ومعمل السكر، وغيرها من المشاريع الحيوية.
وتضيف المصادر: "هذه السيطرة لم تكن مجرد توسع جغرافي، بل شكلت تحولاً استراتيجياً منح قسد نفوذاً على موارد المياه والطاقة والزراعة في محاولة لتعزيز موقعها التفاوضي مع الحكومة السورية، وبالفعل استخدمت المياه للضغط على الحكومة مؤخراً بعدما خسرت الشيخ مقصود والأشرفية، كما منعت عمليات الإصلاح الهادفة لإعادة تشغيل بعض محطات الضخ لتشغيل شبكات الري، وبالأخص في مشاريع مسكنة".
وفي شباط/فبراير من العام 2025، بدأت "قسد" بدمج المناطق الجديدة التي سيطرت عليها غرب الفرات إدارياً مع مناطق نفوذها شرق الفرات، بعدما استولت على مقار ومكاتب مجلس محافظة الرقة المؤقت في السبخة، الذي كان يتبع للنظام المخلوع، وكان المحافظ حينها عبد الرزاق خليفة من مدينة خان شيخون بريف إدلب، والذي اختفى منذ ذلك الوقت، كما استولت على معدات المجلس من شاحنات وجرافات وغيرها، لتوظفها في مشاريعها الإدارية والخدمية، وسرعان ما شكلت عدة مجالس محلية لإدارة المدن، أهمها مجالس السبخة ودير حافر ومسكنة، وهي المناطق الثلاث الأكبر من حيث عدد السكان والكتلة العمرانية.
ولمحاولة كسب ود الأهالي وخلق حاضنة اجتماعية، وظفت "قسد" عدداً من أبناء المنطقة في المديريات الخدمية التابعة للمجالس، مثل المياه والكهرباء والبلديات، وأدخلت بعض وجهاء ومشايخ العشائر في هياكلها الإدارية والعسكرية لتأمين غطاء اجتماعي في منطقة يغلب فيها الطابع العشائري، وهذا النهج عكس استراتيجية "قسد" في دمج السيطرة العسكرية مع إدارة مدنية شكلية، تهدف إلى تثبيت نفوذها، خاصة في مناطق لا وجود للأكراد فيها، إلا بنسبة قليلة لا تكاد تذكر.
أبرز تشكيلاتها المسلحة
ترك النظام المخلوع المنسحب من السبخة وعموم ريف الرقة الجنوبي، ومن دير حافر وقرى شرق حلب الواقعة على طريق حلب – الرقة، مجموعات عشائرية مسلحة كانت تقاتل في صفوف ميليشياته، بالإضافة إلى مجموعات من فلول النظام المخلوع التي بقيت في المنطقة إبان دخول "قسد"، ومع تمدد الأخيرة إلى المنطقة جرى دمجهم ضمن التشكيلات العسكرية التابعة ل"قسد"، وبحسب مصادر محلية في ريف الرقة الجنوبي، أهم التشكيلات العسكرية التابعة لقسد والمنتشرة في محافظة الرقة ومناطق غرب الفرات:
. قوات مجلس الباب العسكري (مجموعة من العناصر ينحدر معظمهم من قرى ريف منطقة الباب بريف حلب الشمالي الشرقي).
. قوات مجلس منبج العسكري (مجموعات عسكرية تنحدر من منطقة منبج شمال شرقي محافظة حلب، وانسحبت منها أواخر العام 2024)
. قوات مجلس الطبقة العسكري (مجموعات تنحدر من الطبقة وريفها بريف الرقة)
. لواء الشمال الديمقراطي الذي يتزعمه عيسى الطه "أبو عمر الإدلبي" الذي ينحدر من منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب، وعناصر اللواء خليط من العرب معظمهم من ريف إدلب، والكرد من مناطق ريفي حلب والرقة.
. قوات جبهة الأكراد، والتي أسسها في العام 2017 شيرو علي، والذي قتل في منبج أواخر العام 2024، خلال العمليات العسكرية لفصائل الجيش الوطني سابقاًُ (عناصر قوات جبهة الأكراد ينحدر معظمهم من قرى منطقة سد الشهباء بريف حلب الشمالي، ومن منطقة عفرين، ومن عين العرب/كوباني).
. قوات جيش الثوار، وهو خليط من المقاتلين العرب والكرد، وينحدرون من مناطق ريفي حلب والرقة، ويتزعمه إدارياً، عبد الملك برد "أبو علي برد" ويقود الجيش عسكرياً علاء حميجو، وتأسس جيش الثوار في العام 2015 في ريف حلب، وكان يضم عدة تشكيلات وألوية عسكرية، وبعد انضمامه في صفوف "قسد" التي تأسست بعد عام تقريباً لقتال تنظيم "داعش" انفضت عن الجيش عدة تشكيلات عسكرية.
. مجموعات مسلحة تم تجنيدها خلال العام المنصرم في المنطقة التي تسيطر عليها "قسد" غرب الفرات، وتضم عناصر من العشائر المحلية، وعناصر من فلول النظام.
المنطقة العسكرية المغلقة واحتمالات التصعيد
مع تحويل هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، المنطقة الواقعة بين دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي إلى منطقة عسكرية مغلقة، وذلك في ظل ما وصفته القيادة العسكرية بتصاعد تحركات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتنظيم "PKK" إلى جانب فلول النظام المخلوع في تلك الرقعة الجغرافية، يبدو أن المنطقة المحددة لا تشمل كامل المساحة التي سيطرت عليها "قسد" عقب سقوط النظام المخلوع غرب الفرات، إذ تشير التقديرات إلى أن حدود المنطقة العسكرية المغلقة تنتهي عند بلدة دبسي فرج جنوب شرق مسكنة، وهي نقطة استراتيجية على ضفاف الفرات.
هذا الإعلان يعكس استعدادات ميدانية لاحتمال شن الجيش عملية عسكرية واسعة، ويوحي بوجود سيناريوهين رئيسيين، الأول تقسيم المنطقة إلى محوري عمليات، بحيث يستهدف المحور الأول المنطقة المحددة باللون الأحمر بين دير حافر ومسكنة انطلاقاً من حلب والريف الجنوبي والشرقي للمحافظة، وهي الأكثر نشاطاً لتحركات "قسد" فيما قد ينطلق المحور الثاني في وقت لاحق من دير الزور والبادية باتجاه الغرب، بهدف تطويق المنطقة وإحكام السيطرة عليها من أكثر من اتجاه.
وتقول مصادر عسكرية في حلب لموقع تلفزيون سوريا، أن تحويل المنطقة إلى "منطقة عسكرية مغلقة" يعني عملياً فرض قيود صارمة على التحركات العسكرية لـ"قسد" وإعادة رسم خريطة العمليات بما يتيح للجيش حرية المناورة ومنع التهديدات من المنطقة التي انطلقت منها الطائرات الانتحارية، خاصة أن المنطقة تضم عقدة طرق رئيسية تربط بين ريفي حلب والرقة، إضافة إلى قربها من مواقع حيوية مثل مطار الجراح العسكري (كشيش) ومحطات الضخ ومشاريع الري على نهر الفرات.
قال الكاتب والمحلل السياسي علي تمي لموقع تلفزيون سوريا إن المؤشرات الحالية تدل على أن الجيش العربي السوري يدفع بتعزيزات عسكرية ضخمة نحو منطقة دير حافر في ريف حلب الشرقي، في خطوة تهدف إلى استعادة كامل منطقة غرب الفرات ووضعها تحت سيطرة الحكومة بشكل كامل، وأوضح تمي أن هذه التحركات العسكرية تأتي في سياق منع تهديدات "قسد"، كما تسعى الحكومة إلى إنهاء حالة التمدد التي فرضتها "قسد" وفلول النظام المخلوع في تلك المنطقة الحيوية على ضفاف الفرات.
وأضاف تمي أن شهر شباط/فبراير القادم قد يكون مفصلياً، إذ يعتقد أنه في حال لم يتم تطبيق اتفاق العاشر من آذار، فإن الجيش سيتجه إلى عمل عسكري شامل وصولاً إلى معاقل "قسد" في الجزيرة السورية، وأشار إلى أن هذه الاحتمالات تعكس جدية الحكومة في استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، وعدم السماح ببقاء مناطق خارج سيطرتها، خاصة تلك التي تتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية مثل مناطق غرب وشرق الفرات.
Loading ads...
انسحاب النظام المخلوع من مناطق واسعة في ريفي حلب والرقة، هو ما أتاح لـ"قسد" السيطرة على عقدة جغرافية مهمة ومواقع حيوية ذات قيمة اقتصادية غرب الفرات، وهذا التمدد ترافق مع محاولات لدمج السيطرة العسكرية بإدارة مدنية شكلية عبر تشكيل مجالس محلية واستقطاب وجهاء العشائر، لكنه في الوقت ذاته لا يعني أن "قسد" متمكنة وقادرة على التمسك بالمنطقة في حال هاجمها الجيش السوري الذي حولها مؤخراً إلى منطقة عسكرية مغلقة، إعلان الجيش يعكس بالضرورة الاستعداد الجدي ما قبل المواجهة المباشرة في ظل انتشار تشكيلات مسلحة متنوعة ضمن "قسد"، والتي تضم خليطاً من المقاتلين الكرد والعرب والعشائر المحلية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





