43 دقائق
من صحراء الكويت.. صورة كويتية تقتنص “المفترس الهادئ” في مسابقة عالمية في لندن
السبت، 19 سبتمبر 2026

من صحراء الكويت إلى قاعات لندن، قطعت صورة واحدة مسافة شاسعة لتضع المصور الفلكي الكويتي علي العبيدلي في صدارة واحدة من أبرز مسابقات التصوير الفلكي في العالم.
فقد فازت صورته التي تحمل اسم "المفترس الهادئ" (The Quiet Predator) باللقب العام للنسخة الـ18 من مسابقة "مصوّر الفلك لعام 2026" (Astronomy Photographer of the Year)، التي ينظمها المرصد الملكي في غرينتش.
وتُظهر الصورة "سديم القرش" أو "سديم الذئب" المعروف باسم "إل إن دي 1235" (LDN 1235)، وهي سحابة كثيفة من الغبار بين النجوم تحجب ضوء النجوم الواقعة خلفها، على بعد نحو 650 سنة ضوئية في كوكبة الملتهب (قيفاوس).
ولم تكتف الصورة بالفوز باللقب العام، بل حصدت أيضا المركز الأول في فئة "النجوم والسدم"، لتصبح بذلك صورة التقطت من سماء العالم العربي حاضرة في المعرض المقام في لندن.
وتكتسب الصورة أهمية خاصة لأنها جعلت الكويتي علي العبيدلي أول فائز عربي باللقب العام في تاريخ المسابقة، التي بلغت عامها الثامن عشر وتعد من أبرز مسابقات التصوير الفلكي الدولية.
والتقط العبيدلي الصورة من محافظة الجهراء في الكويت في أغسطس/آب 2025، باستخدام تلسكوب "أسكار 140" وكاميرا "زد دبليو أو" (ZWO ASI2600MM Pro)، بعد جمع ما مجموعه 28 ساعة و30 دقيقة من التعريضات.
لم تبدأ رحلة علي العبيدلي مع التصوير الفلكي من معدات متقدمة أو مرصد متخصص، بل من زيارة إلى النادي العلمي الكويتي حين كان في الثامنة من عمره. ويتذكر العبيدلي كيف جذبته التلسكوبات الصغيرة المعروضة في متجر الهدايا، قبل أن يقوده شغفه بالسماء، بعد سنوات، إلى البحث المكثف في البصريات ومعدات الرصد.
وبعد عودته إلى الكويت إثر إقامة استمرت 12 عاما خارج البلاد، اشترى تلسكوبه الثاني، وهو تلسكوب عاكس بقطر 12 بوصة، حمله إلى الصحراء في الليلة التالية. وهناك التقط أول صورة فلكية له لكوكب زحل.
لكن النتيجة لم تكن كما أراد؛ إذ أدرك أن تصوير الأجرام السماوية يحتاج إلى أدوات وتقنيات أكثر تخصصا. ويقول إنه سأل نفسه: "لا بد من وجود طريقة أفضل لفعل ذلك".
وفي نحو السادسة صباحا من اليوم نفسه، طلب أول كاميرا كوكبية من شركة "زد دبليو أو"، لتبدأ بعدها رحلة غوصه في عالم التصوير الفلكي المتقدم.
وعبر موقعه المتخصص في التصوير الفلكي "أسترا فارما" (AstraPharma)، يوثق علي العبيدلي أكثر من 700 ساعة قضاها في تصوير السماء، ويضع كل صورة في موضعها الحقيقي على خارطة السماء، موثقا بذلك جانبا من تجربته الطويلة مع الرصد والتصوير الفلكي.
يحمل سديم "إل إن دي 1235" مظهرا يوحي بشكل قرش يسبح في الفضاء، وهو ما ألهم عنوان الصورة. والسديم المظلم ليس جسما مضيئا بذاته، بل منطقة غنية بالغبار بين النجوم، كثيفة بما يكفي لحجب جزء من الضوء القادم من النجوم الواقعة خلفها.
وتظهر في المنطقة نفسها أيضا سحابتان من السدم العاكسة، ما يضيف إلى المشهد تفاصيل ضوئية دقيقة التقطتها صورة العبيدلي.
وقال العبيدلي إن الجمع بين شكل المفترس البحري الذي يطارد السماء فوق الصحراء الكويتية هو ما جذبه في البداية إلى هذه المنطقة، مضيفا أن المشهد يجسد حبه للكون ولصحراء أجداده.
وأوضح أنه يأمل في مواصلة استخدام التصوير الفلكي ليس فقط لإثارة الدهشة، بل أيضا للمساهمة في البحث العلمي وجعل علم الفلك أكثر سهولة وجاذبية ومعنى من خلال التواصل العلمي والتعليم.
أما ستيف مارش، محرر الفنون في مجلة "بي بي سي سكاي أت ناينت" (BBC Sky at Night Magazine) وعضو لجنة التحكيم، فقال إن الصورة تتميز بعرض متقن وتفاصيل شديدة الوضوح وتباين قوي بين الضوء والظلام، مشيرا إلى أن رؤية مجرات بعيدة غنية بالتفاصيل من خلال السديم جعلت الصورة استثنائية في نظره.
تأسست مسابقة "مصوّر الفلك لعام.." ضمن أنشطة المرصد الملكي في غرينتش، وتستقبل صورا من مصورين فلكيين من مختلف أنحاء العالم، بمستويات خبرة مختلفة. وفي دورة 2026، استقبلت المسابقة قرابة 4 آلاف صورة من 769 مشاركا، قبل أن تختار لجنة التحكيم الأعمال التي وصلت إلى المراحل النهائية.
وتشمل المسابقة فئات تغطي المناظر السماوية، والشفق القطبي، والقمر، والشمس، والكواكب والمذنبات والكويكبات، والنجوم والسدم، والمجرات، إلى جانب فئة "الناس والفضاء".
وتنظم المسابقة المتاحف الملكية في غرينتش والمرصد الملكي في غرينتش، برعاية شركة "زد دبليو أو" المتخصصة في معدات التصوير الفلكي، وبشراكة إعلامية مع مجلة "بي بي سي سكاي أت ناينت" ويحصل الفائز العام على جائزة قدرها 10 آلاف جنيه إسترليني ، بينما يحصل الفائزون في الفئات الرئيسية على 1500 جنيه إسترليني .
تفتح المسابقة أمام المصورين من مختلف أنحاء العالم، ولا تشترط مستوى احترافيا محددا. وفي دورة 2026 كان بإمكان المصور البالغ من العمر 16 عاما فأكثر تقديم ما يصل إلى 10 صور، مع رسم مشاركة قدره 10 جنيهات إسترلينية ، بينما كانت المشاركة في مسابقة الشباب مجانية لمن تبلغ أعمارهم 15 عاما أو أقل. وكان التقديم يتم إلكترونيا عبر منصة المسابقة.
وبالنسبة لمن يريد خوض التجربة في الدورة المقبلة، فقد أعلن المرصد الملكي أن التقديم لمسابقة عام 2027 سيفتح في يناير/كانون الثاني 2027. وتعرض الصور الفائزة والمختارة في معرض خاص بالمتحف البحري الوطني في لندن، ما يمنح التصوير الفلكي فرصة للانتقال من شاشات المصورين إلى جمهور واسع يرى الكون من خلال عدساتهم.
وتبرز تجربة العبيدلي أن التصوير الفلكي لم يعد مجرد هواية لالتقاط أجسام جميلة في السماء، بل أصبح وسيلة تجمع بين المعرفة العلمية والصبر والتقنية والفن.
Loading ads...
ومن صحراء الكويت، استطاعت صورة واحدة أن تلفت أنظار لجنة تحكيم دولية إلى جمال خافت يختبئ على بعد مئات السنين الضوئية، لتثبت أن استكشاف الكون يمكن أن يبدأ أيضا من كاميرا وتلسكوب ومكان مظلم على الأرض.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




