ساعة واحدة
أطياف مايو في شوارع باريس.. احتجاجات طلاب فرنسا تستعيد ذاكرة 1968
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

تستحضر احتجاجات الطلاب في فرنسا ذاكرة مايو 1968وحضور الشباب في الحركات الاجتماعية - غيتي
من مطالب تحسين ظروف الدراسة إلى احتجاجات أوسع على الخدمات والمعيشة، يستحضر طلاب فرنسا تجربة مايو 1968. قراءة في تلك المحطة وما تلاها من مواجهات حول التعليم والعمل، مع التمييز بين تشابه الرموز واختلاف الظروف والنتائج.
لماذا يعود مايو 1968 كلما خرج طلاب فرنسا إلى الشوارع؟
من الجامعات إلى المصانع، ومن مشروع ديفاكيه إلى "عقد العمل الأول".. محطات تشرح حضور الطلاب في تاريخ الاحتجاج الفرنسي.
قبل أسابيع، في سبتمبر/ أيلول الماضي، بدأت احتجاجات طلابية في فرنسا. أغلق طلاب في المرحلة الثانوية مداخل مدارسهم في منطقة إيل دو فرانس، وخرجوا إلى الشوارع، قبل أن تتسع رقعة التحركات لتشمل مدنًا في مختلف أنحاء البلاد.
ندّد الطلاب بالفصول المكتظة، وطول اليوم الدراسي، ونقص المدرسين وعدم تعويض غيابهم، فضلًا عن تردّي بعض المباني المدرسية وظروف التعلّم فيها. ومع اتساع التحركات، برزت أيضًا اعتراضات على منصة القبول الجامعي "باركورسب" وما يرافق إجراءاتها من ضغوط وتفاوت في فرص الالتحاق بالتعليم العالي.
وبالتوازي مع التحرك الطلابي، أعلنت الكونفدرالية العامة للعمل "سي جي تي" دعمها للاحتجاجات. واتسعت المشاركة لتشمل نقابات ومدرسين وطلاب جامعات وأولياء أمور، بعدما بدأت المطالب من داخل المدارس.
ومع تظاهرات 17 أكتوبر/ تشرين الأول، التقت المطالب الطلابية باحتجاجات أوسع على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وبعد أعمال العنف التي شهدتها مدن فرنسية خلال عطلة نهاية الأسبوع، رفض الرئيس إيمانويل ماكرون، في 19 أكتوبر، استقالة وزير الداخلية لوران نونييز.
تجاوزت حصيلة المصابين ألف شخص بحلول السادس من أكتوبر، وفق الأرقام التي أعلنها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ومكتبه آنذاك. وشملت الحصيلة ما لا يقل عن 215 طالبًا و85 من العاملين في المؤسسات التعليمية، إضافة إلى أكثر من 700 من عناصر الشرطة. وهي حصيلة مؤرخة بتلك المرحلة، وليست إجماليًا نهائيًا للاحتجاجات المستمرة.
ووثّقت وكالة "رويترز" في تحقيق نُشر في 10 أكتوبر، عبر مقابلات ومراجعة وثائق قانونية، 28 حالة إصابة مرتبطة باستخدام الشرطة للقوة. وكانت 15 من هذه الحالات ضمن تحقيقات المفتشية العامة للشرطة الوطنية، التي بلغ إجمالي تحقيقاتها المتعلقة بالتعامل مع الاحتجاجات 24 تحقيقًا حينها. وشملت الوقائع استخدام الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع والهراوات واندفاع عناصر شرطة على ظهور الخيل.
وأعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في التاسع من أكتوبر، عن قلقها إزاء أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات وإغلاق المدارس الثانوية.
ودعت المتحدثة باسم المفوضية، شابيا مانتو، إلى الحفاظ على سلمية التجمعات وتجنّب الاستخدام غير المتناسب للقوة، مشددة على ضرورة احترام حق التجمع السلمي. وفي المقابل، رفض وزير الداخلية الفرنسي وصف تعامل الشرطة مع الاحتجاجات بأنه قمع، وقال إن قوات الأمن لا تتدخل عندما يتظاهر الطلاب سلميًا، وفق ما نقلته وكالة الأناضول.
في محاولة لاحتواء الأزمة، لجأت السلطات إلى إغلاق مدارس كليًا أو جزئيًا عندما تعذّر ضمان سلامة الدراسة فيها. وفي الخامس من أكتوبر، أفادت "رويترز" بأن ما بين 400 و500 ثانوية كانت مغلقة أو مغلقة جزئيًا، فيما قال وزير التربية إدوار جيفري إن 24 مؤسسة تعليمية تعرضت للحرق أو التخريب.
نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتردّي ظروف الدراسة في صلب مطالب الطلاب الفرنسيين - غيتي
كما خصّصت وزارة التعليم نصف يوم في كل ثانوية، بدءًا من السابع من أكتوبر، للحوار مع الطلاب بشأن صعوباتهم وتطلعاتهم، ضمن مبادرة "وقت الثانويين". وأطلقت مشاورات وطنية عبر منصة "أغورا"، تمتد من الخامس إلى 23 أكتوبر، لتلقي مقترحات تحسين ظروف الدراسة.
وفي رسالة بتاريخ الرابع من أكتوبر، كلّف لوكورنو الوزراء العمل على خمسة مسارات، تشمل تعويض غياب المعلمين، وتحسين المباني المدرسية، وتنظيم اليوم الدراسي، وتوضيح خيارات التوجيه، وإشراك الطلاب في القرارات التي تخصهم، على أن تصدر قرارات أولية قبل نهاية الشهر. وأعلنت الوزارة لاحقًا تعبئة أكثر من ثلاثة آلاف معلم بديل للمؤسسات الأكثر حاجة.
وبموجب مشروع موازنة 2027 الذي قدّمته الحكومة في الأول من أكتوبر، يُفترض أن ترتفع مخصصات التعليم المدرسي، باستثناء مساهمات المعاشات التقاعدية، بنسبة 1.7% إلى نحو 65.53 مليار يورو؛ وهي زيادة تقل عن التضخم المتوقع، وفق "رويترز". وعند احتساب مساهمات المعاشات، تبلغ مخصصات هذه المهمة نحو 90.9 مليار يورو، بزيادة 1.4% مقارنة بموازنة 2026.
تستحضر احتجاجات الشوارع في فرنسا محطات سابقة من تاريخ البلاد، وفي مقدمتها مايو/ أيار 1968، حين اتسعت حركة طلابية لتصبح أزمة اجتماعية وسياسية شاملة.
وفي التحركات الحالية، ظهرت لافتات تحيل إلى تلك الأحداث وشعاراتها. ورصدت مجلة "تايم"، من بينها، شعار "كن شابًا واصمت"، الذي استُخدم أيضًا في احتجاجات 1968. ويكشف استدعاء هذه الرموز عن حضور تلك التجربة في ذاكرة المحتجين، من دون أن يجعل ظروف الحراكين أو مآلاتهما متطابقة.
ماذا جرى في مايو 1968؟
تُعد أحداث مايو 1968 في فرنسا واحدة من أبرز المحطات الاحتجاجية في تاريخ أوروبا الحديث. فقد بدأت بتحركات طلابية، ثم تحولت إلى احتجاجات وإضرابات واسعة شلّت قطاعات من البلاد وهزّت حكم الرئيس شارل ديغول، وتركت آثارًا اجتماعية وثقافية امتدت إلى ما بعد انتهاء المواجهات.
اتسعت احتجاجات مايو 1968 من الجامعات إلى قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي - غيتي
وتنقل مجلة "تايم" عن المؤرخ المتخصص في التاريخ الفرنسي والأوروبي روبرت جيلديا قوله: "لقد كانت أزمة تعليم". ويوضح أن الجامعات كانت تتوسع بسرعة خلال الستينيات، فيما احتفظت ببنية محافظة وهرمية، وأسهم ضعف التواصل بين الأساتذة والطلاب في تنامي الاستياء.
بدأت مقدمات الأزمة في جامعة نانتير، في ضواحي باريس، حيث احتج الطلاب على القواعد الصارمة في الحياة الجامعية والسكن، وطالبوا بإصلاح التعليم، بالتزامن مع التنديد بالحرب الأميركية في فيتنام. ومع تصاعد التوتر، علّقت إدارة الجامعة الدراسة في الثاني من مايو، وانتقلت الاحتجاجات إلى السوربون في الحي اللاتيني. وفي اليوم التالي، تدخلت الشرطة وأوقفت مئات الطلاب، لتندلع مواجهات في الشوارع.
بلغ التصعيد إحدى ذراه ليلة العاشر إلى الحادي عشر من مايو، التي عُرفت باسم "ليلة المتاريس". اقتلع الطلاب حجارة الرصيف وأقاموا حواجز في شوارع الحي اللاتيني، وسط مواجهات عنيفة مع قوات مكافحة الشغب. وأثارت طريقة تعامل الشرطة معهم تعاطف قطاعات من الرأي العام، واتسعت الاحتجاجات لتتجاوز الشأن الجامعي.
سيارات متضررة في شوارع باريس خلال أحداث مايو 1968 - غيتي
لم تتوقف الأحداث عند أسوار الكليات. ففي 13 مايو، شاركت النقابات في إضراب وتظاهرات احتجاجًا على عنف الشرطة، ثم اتسعت موجة التوقف عن العمل واحتلال المصانع في الأيام التالية.
واحتل العمال مصانع كبرى، وتعطلت وسائل النقل ومؤسسات وخدمات عامة. وقدّرت أعداد المشاركين في الإضرابات بنحو عشرة ملايين عامل في ذروتها، ما وضع الحكومة أمام أزمة اقتصادية واجتماعية واسعة.
بحلول أواخر مايو، واجهت السلطة الفرنسية أزمة سياسية حادة. وأسفرت مفاوضات غرونيل بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل عن مكاسب في الأجور، بينها زيادة كبيرة في الحد الأدنى للأجور. لكن تلك النتائج لم تؤدِّ إلى إنهاء الإضرابات فورًا، إذ رفضها عمال في مؤسسات عدة وواصلوا تحركاتهم.
وفي 29 مايو، غادر ديغول باريس في زيارة لم تكن وجهتها معلنة في البداية. وتبيّن أنه توجّه إلى بادن بادن في ألمانيا الغربية، حيث التقى الجنرال جاك ماسو، قائد القوات الفرنسية هناك، قبل أن يعود إلى فرنسا. وتتناول وثائق مؤسسة شارل ديغول وشهاداتها اختلاف الروايات بشأن دوافع تلك الزيارة ودورها في قراره استعادة المبادرة.
وفي اليوم التالي، أعلن ديغول عبر الراديو رفضه الاستقالة وحل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات مبكرة، بالتزامن مع مسيرة حاشدة داعمة له في الشانزليزيه. واستؤنف العمل تدريجيًا خلال يونيو/ حزيران، فيما حقق المعسكر الديغولي وحلفاؤه فوزًا واسعًا في الانتخابات التشريعية التي جرت جولتاها في 23 و30 يونيو.
واجه شارل ديغول أزمة مايو 1968 بحل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات مبكرة - غيتي
لم تسفر الأحداث عن إسقاط النظام، لكنها أسهمت في تحولات اجتماعية وثقافية عميقة. فقد تعرّضت أنماط السلطة التقليدية في الجامعة والعمل والأسرة لنقد واسع، وتوسعت المطالبة بالمشاركة والاستقلالية. وفي التعليم العالي، أعقب الأزمة قانون إدغار فور الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 1968، الذي أعاد تنظيم الجامعات على أسس جديدة.
وفي السنوات التالية، خرج الطلاب الفرنسيون مرارًا إلى الشوارع، بمطالب اختلفت بين إصلاحات التعليم وشروط الدخول إلى سوق العمل والاعتراض على السياسات الحكومية.
في خريف عام 1986، شهدت الشوارع والجامعات الفرنسية موجة واسعة من الاحتجاجات على مشروع لإصلاح التعليم العالي. وقدّمه آلان ديفاكيه، أستاذ الكيمياء الذي كان يشغل منصب الوزير المكلّف بالبحث والتعليم العالي في حكومة جاك شيراك.
سعى المشروع إلى توسيع صلاحيات الجامعات في القبول وتحديد رسوم التسجيل، وهو ما اعتبره معارضوه تهديدًا للمساواة في الوصول إلى التعليم الجامعي، ومقدمة لتعميق التفاوت بين الطلاب والمؤسسات.
طلاب داخل جامعة السوربون خلال احتجاجات عام 1986 على مشروع إصلاح التعليم العالي - غيتي
وبلغت الأزمة منعطفًا مأساويًا عقب مقتل الطالب مالك أوسكين تحت ضربات رجال الشرطة، ليلة الخامس إلى السادس من ديسمبر/ كانون الأول. وأثارت وفاته غضبًا واسعًا، في وقت قدّم فيه ديفاكيه استقالته، قبل أن تعلن حكومة شيراك سحب المشروع بالكامل في الثامن من ديسمبر.
عادت الاحتجاجات الطلابية إلى الواجهة في ربيع عام 2006، على خلفية "عقد العمل الأول"، الذي طرحته حكومة دومينيك دوفيلبان لتشجيع توظيف الشباب دون السادسة والعشرين. وكان العقد يتيح إنهاء علاقة العمل خلال السنتين الأوليين بإجراءات أقل تقييدًا من القواعد المعتادة للفصل.
واعتبر الطلاب والنقابات أن هذا الترتيب يضعف الأمان الوظيفي للشباب، فنظموا تظاهرات واسعة وأغلقوا جامعات. وانتهت المواجهة بتراجع السلطة عن العقد، واعتماد البرلمان في أبريل/ نيسان نصًا يستبدله بتدابير لدعم تشغيل الشباب الذين يواجهون صعوبات في دخول سوق العمل.
في 17 نوفمبر 2018، انطلقت احتجاجات "السترات الصفراء" اعتراضًا على زيادة الضرائب على الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة. واكتسبت الحركة اسمها من سترات السلامة التي يرتديها السائقون، ثم اتسعت مطالبها لتشمل القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية للحكومة.
وتزامن تصاعد هذه الاحتجاجات في ديسمبر مع تحركات لطلاب المدارس الثانوية ضد إصلاحات التعليم والبكالوريا ونظام القبول الجامعي "باركورسب". والتقت بعض الشعارات والمطالب، مع احتفاظ التحرك الطلابي بأسبابه التعليمية الخاصة.
تزامنت احتجاجات "السترات الصفراء" أواخر 2018 مع تحركات طلابية ضد إصلاحات التعليم - غيتي
وأتاح هذا التزامن توسيع الاعتراض على السياسات الحكومية، وربط مخاوف الطلاب بشأن الدراسة والمستقبل المهني بمطالب فئات أخرى تحتج على تكاليف المعيشة والتفاوت الاجتماعي. لكنه لا يعني أن الطلاب جميعًا انخرطوا في حركة واحدة أو تبنّوا برنامجًا موحدًا.
يظل الشارع الفرنسي ساحة لاختبار قدرة الدولة على الاستجابة للمطالب التعليمية والمعيشية. وتمنح ذاكرة مايو 1968 الطلاب مرجعًا للاحتجاج، لكن تجارب العقود التالية تظهر نتائج مختلفة:
إصلاحات اجتماعية وتعليمية، وسحب مشاريع حكومية، أو استمرار الخلاف بعد انحسار التظاهرات.
Loading ads...
ومن هنا، يُقاس أثر الحراك الحالي بما سيغيّره في المدارس والجامعات، وبقدرته على تحويل اتساع التضامن إلى استجابة لمطالبه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





