40 دقائق
تيغراي وعفر.. هل تتحول الحرب الإثيوبية إلى صراع إقليمي؟
الإثنين، 28 سبتمبر 2026
تدخل المواجهات في شمال إثيوبيا مرحلة أكثر تعقيدا، مع تزامن التحولات الميدانية في إقليمي تيغراي وعفر واتساع دائرة الاتهامات لتشمل دول الجوار، وفي مقدمتها إريتريا والسودان، بما يفتح الباب أمام صراع تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع خصومات القرن الأفريقي.
ففي اليوم السادس من القتال، تقدم الجيش الإثيوبي في جنوب تيغراي بعد سيطرته على مدينة ألاماطا، بينما ظلت السيطرة في عفر متحركة بين الأطراف المتقاتلة. وفي الوقت نفسه، اتهم حاكم عفر الجيش الإريتري بالتدخل المباشر في القتال، في حين نفت الخرطوم اتهامات إثيوبيا لها بدعم جبهة تيغراي.
وتشير خارطة المعارك، وفق ما عرضه برنامج "ما وراء الخبر"، إلى أن الجيش الإثيوبي تمكن من السيطرة على ألاماطا عند المدخل الجنوبي لتيغراي، ومواصلة التقدم شمالا باتجاه ميخوني ومايتشو، بما يفتح أمامه محورا نحو عمق الإقليم وعاصمته ميكيلي.
أما في عفر، فتبدو الصورة أكثر تعقيدا؛ إذ استعادت القوات العفرية بلدة ميغالي، في حين سيطرت جبهة تيغراي وحلفاؤها على إربتي، لتظل خطوط السيطرة موزعة بين الأطراف المتقاتلة.
ويرى باول إجيمي، الخبير بالشؤون الأفريقية، أن التطورات الميدانية لا تزال تحمل قدرا من الغموض، خصوصا مع تبادل الأطراف الادعاءات بشأن السيطرة على مواقع إستراتيجية مثل ألاماطا وميكيلي. لكنه يرى أن النتيجة الأوضح حتى الآن هي تفاقم الأزمة الإنسانية، مع توقف حركة الطيران في مناطق من شمال البلاد وانقطاع الإنترنت، وهو ما انعكس أيضا على العمليات المصرفية.
ويحذر إجيمي من أن المدنيين هم من يدفعون ثمن هذه المواجهة، مشيرا إلى أن الحرب التي كان يفترض أن تنتهي باتفاق بريتوريا عام 2022 عادت مجددا، في ظل صراع على السلطة بين أطراف البلد الواحد.
ولا تخوض جبهة تيغراي المواجهة بمفردها، بحسب ما ناقشه البرنامج، إذ ظهرت اصطفافات جديدة بين قوى كانت في مراحل سابقة على طرفي نقيض.
ويقول زاهد زيدان، الصحفي والمحلل السياسي، إن عددا من قيادات جبهة تحرير تيغراي انسحبوا من المواجهة، وانضم بعضهم إلى الحكومة الفيدرالية، مستشهدا بغيتاتشو رضا والجنرال تاديسي وريدي، الذي كان يقود الحرب ضد الحكومة ثم ابتعد عنها بعد اتفاق بريتوريا، معتبرا أن استمرار القتال ليس في مصلحة المجتمع الإثيوبي أو شعب تيغراي.
وبحسب زيدان، فإن بعض المنتسبين إلى جبهة تحرير تيغراي لديهم طموحات للعودة إلى السلطة في أديس أبابا، لكنه يقول إنه لا توجد، وفق ما لديه، معطيات واضحة تثبت وجود خطط إستراتيجية أو عسكرية تمكنهم من تحقيق ذلك. وبشأن الحديث عن تحالف يضم سبع فصائل، فيوضح زيدان أن الأمر ليس بالبساطة التي يوحي بها وصف "تحالف من سبع جبهات"، مشيرا إلى أن جبهات أوغادين وبني شنقول والعفر أعلنت أنها، رغم معارضتها للحكومة، لا تؤيد القتال المسلح.
في موازاة المعارك، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى إريتريا، وهو تطور يمنح المواجهة بعدا إقليميا أكثر وضوحا. فقد اتهم حاكم إقليم عفر الجيش الإريتري بالمشاركة المباشرة في القتال والسيطرة على نحو ثلث الإقليم، وقال إن الهدف من المعارك هو إبعاد إثيوبيا عن البحر الأحمر وقطع الطريق الذي يربطها بجيبوتي وموانئها.
ويشير زاهد زيدان إلى وجود تداخلات بين بعض قيادات جبهة تيغراي والإدارة الإريترية، كما تحدث عن تفاهمات وتحركات إقليمية مرتبطة بالصراع الإثيوبي.
لكن غيري كريستوس غيري سيلاسي، الكاتب والباحث السياسي، يقدم رواية مختلفة جذريا؛ فهو يرى أن جوهر الأزمة داخلي، ويحمل الحكومة في أديس أبابا مسؤولية تأجيج الصراع. كما يشكك في وجود دعم خارجي لجبهة تيغراي، ويقول إن إريتريا والسودان لم يعودا في هذه المرحلة إلى جانب الحكومة الإثيوبية كما كان الحال سابقا.
ويكتسب الحديث عن عفر أهمية إضافية بسبب موقع الإقليم وعلاقته بممر التجارة والإمدادات الذي يربط إثيوبيا بجيبوتي والبحر الأحمر. فبحسب ما عرضه البرنامج، لم يعد القتال في عفر مجرد امتداد للصراع الداخلي، بل أصبح مرتبطا أيضا بحسابات الوصول إلى البحر الأحمر، بعدما اتهم حاكم الإقليم إريتريا بالسعي إلى قطع الطريق المؤدي إلى جيبوتي وموانئها.
ولا تتوقف الاتهامات عند إريتريا، إذ قالت القيادة العسكرية الإثيوبية إن السودان يدعم جبهة تيغراي، وهو ما نفته الخرطوم. ويرى باول إجيمي أن البعد الخارجي بات واضحا في الأزمة، مشيرا إلى أن إريتريا كانت في البداية داعمة للحكومة الإثيوبية، قبل أن تتغير العلاقات، بينما توسعت الاتهامات الإثيوبية لتشمل السودان ومصر أيضا، بدعوى دعم جبهة تيغراي.
لكن إجيمي يعود إلى ما يعتبره أصل المشكلة، وهو الصراع الداخلي بين الإثيوبيين، محذرا من أن التدخلات الخارجية قد تزيد من تأجيج القتال، وتدفع الصراع إلى مسارات يصعب احتواؤها. ويرى أن استمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي يضيف وقودا إلى المواجهة، داعيا إلى العودة إلى اتفاق بريتوريا واستئناف الوساطة، التي يقول إنها تواجه حتى الآن عراقيل وتعثرات.
وتعيد التطورات الحالية اتفاق بريتوريا للسلام إلى الواجهة. فالتحالفات التي تشكلت بعد الاتفاق لم تبق على حالها، وبعض القوى التي قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية أصبحت اليوم في مواجهة معها أو في تقارب مع خصومها. ويطرح هذا التحول سؤالا حول قدرة الاتفاق الذي أنهى حرب تيغراي السابقة عام 2022 على الصمود أمام الاصطفافات الجديدة.
ويرى زاهد زيدان أن هذه الاصطفافات ليست جديدة تماما في التاريخ الإثيوبي، مشيرا إلى تحالفات سابقة جمعت قوى تيغرانية وأمهرية وأورومية ضد نظام منغستو هايله ماريام، لكنها سرعان ما تفككت بعد الوصول إلى السلطة بسبب تضارب الأجندات والصراع على الحكم.
في المقابل، يرى غيري كريستوس غيري سيلاسي أن الحكومة الإثيوبية تستطيع وقف الحرب إذا أرادت، لكنه يتهمها بالرهان على الخيار العسكري، ويشكك في قدرتها على فرض سيطرتها الكاملة على مناطق القتال.
وتكشف التطورات المتزامنة في تيغراي وعفر عن مشهد لا تتحرك فيه جبهة واحدة في اتجاه محدد؛ فالجيش الإثيوبي يحقق تقدما في جنوب تيغراي، بينما تتبدل السيطرة في عفر، في ظل تحالفات جديدة لم تستقر بعد. وفي الوقت ذاته، تنتقل الحرب تدريجيا من اتهامات داخلية إلى اتهامات لدول الجوار، من إريتريا إلى السودان ومصر، مع دخول قضية البحر الأحمر وممر جيبوتي إلى صلب الخطاب المرتبط بالقتال.
Loading ads...
أما الخطر الأكبر، بحسب ما حذر منه باول إجيمي، فهو أن يؤدي استمرار التدخلات الخارجية وتدفق السلاح إلى زيادة صعوبة احتواء الصراع، في وقت تتفاقم فيه الخسائر البشرية والنزوح وتدمير البنية التحتية. ودعا إجيمي إلى العودة إلى طاولة التفاوض بدلا من مواصلة القتال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




