4 دقائق
تحالف الصفقات المحرمة.. القصة الكاملة للعلاقة بين إسرائيل وصرب البوسنة
الخميس، 5 نوفمبر 2026

في سبتمبر/أيلول الماضي، أنهى السياسي الأبرز في جمهورية صرب البوسنة، ميلوراد دوديك، زيارة إلى القدس المحتلة، حيث التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأعلن عقب اللقاء أن جمهورية صرب البوسنة، أحد الكيانين المكونين لدولة البوسنة والهرسك، "يمكنها الاعتماد على إسرائيل كشريك".
مثل اللقاء المحطة الأحدث في علاقة تتشكل منذ أكثر من ربع قرن؛ بدأت بروايات مثيرة للجدل عن صفقات سلاح إسرائيلية محتملة مع الصرب خلال حرب البوسنة في منتصف التسعينيات، ومرت بالدبلوماسية الشخصية التي قادها آري ليفني، اليهودي الذي شغل منصب مستشار لرئيس جمهورية صرب البوسنة، ووصلت إلى الزيارات الرسمية والفعاليات الثقافية والمكاتب التجارية.
تعود إحدى أكثر صفحات العلاقات الإسرائيلية الصربية إثارة للجدل إلى وقت تفكك يوغوسلافيا وحرب البوسنة والهرسك. فلا يزال ملف صادرات السلاح الإسرائيلي إلى صربيا وقوات صرب البوسنة محاطا بالسرية، بعدما امتنعت إسرائيل عن نشر وثائقه الرسمية. ومع ذلك، تظهر في المصادر المفتوحة شهادات ميدانية وتقارير صحفية ووثائق تشير إلى وجود صفقات واتصالات بين الطرفين.
ففي 25 سبتمبر/أيلول 1991، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 713، فارضا حظرا عاما وشاملا على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى يوغوسلافيا. وبعد نحو شهر ظهرت واحدة من أقدم الروايات عن صفقة سلاح عُقدت في إسرائيل. فقد ذكرت دوبريلا غاييتش-غليشيتش، التي عملت في مكتب وزير الحرب في بلغراد، في كتابها الصادر عام 1992 "من مكتب وزير الحرب: الجيش الصربي"، أن المصرفي الصربي يزديمير فاسيلييفيتش أبرم في إسرائيل خلال أكتوبر/تشرين الأول 1991 صفقة كبيرة بقيت تفاصيلها سرية.
تضاف إلى ذلك رواية أخرى نشرتها صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية عام 1999، حيث قالت إن وفدا من وزارة الدفاع الإسرائيلية زار العاصمة بلغراد عام 1992، ووقَّع اتفاقا لتزويد الجيش الصربي بقذائف، لكن التقرير لم ينشر أسماء أعضاء الوفد أو كميات القذائف.
وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 1994، ظهر الناشط الإسرائيلي جويل واينبرغ، الذي كان يعمل مع منظمة إنسانية معنية بالحوار بين الأديان وكان عائدا لتوِّه من سراييفو، في برنامج "السؤال التالي" على القناة الثانية الإسرائيلية، وقال إن ضابطا في الأمم المتحدة طلب منه فحص بقايا قذيفة هاون انفجرت على مدرج مطار سراييفو، بعدما عجز عن تمييز الحروف المطبوعة عليها. وبحسب واينبرغ، كانت الحروف عبرية، وقد تعرَّف إلى الغلاف وأنه جزء من قذيفة هاون عيار 120 ملم، وأنها مستخدمة في الجيش الإسرائيلي. كما أفاد بأنه رأى بنادق آلية من طراز "عوزي" الإسرائيلية الشهيرة في حوزة القوات الصربية.
"سمح صرب البوسنة عام 1992 لأعداد كبيرة من أفراد الجالية اليهودية في سراييفو بمغادرة المدينة مقابل الحصول على إمدادات أسلحة من إسرائيل"
ظهرت مؤشرات مماثلة في التقرير الرسمي الذي أصدره المعهد الهولندي لتوثيق الحرب (NIOD) عام 2002 بعنوان "سربرنيتسا: منطقة آمنة". ففي الملحق الثاني بعنوان "الاستخبارات والحرب في البوسنة 1992-1995: دور أجهزة الاستخبارات والأمن"، وردت تقارير عن تزويد إسرائيل جيش صرب البوسنة بالسلاح: "في أكتوبر/تشرين الأول 1991، توصَّل فاسيلييفيتش إلى اتفاق مع إسرائيل، وجرت المعاملات بعد ذلك عبر الكرواتي بوريس كراسني والشركتيْن الحكوميتيْن يوغو إكسبورت ويوغوسلافيا بوبليك. ووفقا لتقارير صحفية، سمح صرب البوسنة عام 1992 لأعداد كبيرة من أفراد الجالية اليهودية في سراييفو بمغادرة المدينة مقابل الحصول على إمدادات أسلحة من إسرائيل".
أما الدليل الأكثر صراحة على الاتصال المباشر بين إسرائيل وصرب البوسنة، ورد في شهادة ضمن حكم المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة عام 2011. فقد شهد وزير دفاع جمهورية صرب البوسنة السابق، دوشان كوفاتشيفيتش، أن جهاز الموساد اتصل به في مارس/آذار 1995 بشأن وصول مقاتلين إسلاميين أجانب إلى البوسنة. وقد سجَّل راتكو ملاديتش، مجرم الحرب ورئيس أركان جيش صرب البوسنة المتوفى مؤخرا، في مذكراته المؤرخة 11 مارس/آذار، عرضا إسرائيليا للتعاون ضد ما وصفه بـ"الإسلام المتطرف"، وتدريب رجال من قواته في اليونان، وتقديم أسلحة خاصة لنحو 500 رجل وبنادق قنص مجانية، لكن دون أن يُقدِّم دليل على تنفيذ هذا العرض.
وفي عام 2015 أعيدت قضية دعم إسرائيل الصرب بالأسلحة إلى الواجهة. وقدَّم كل من المحامي الإسرائيلي إيتاي ماك والباحث يائير أورون طلبا للحصول على سجلات تراخيص التصدير وقرارات وزارة الدفاع الإسرائيلية المتعلقة بيوغوسلافيا السابقة بين عامي 1990 و1996. ولكن محكمة تل أبيب رفضت الطلب عام 2015، ثم أيدت المحكمة العليا الرفض عام 2016، معتبرة أن النشر قد يضر بالأمن القومي والعلاقات الخارجية. وتضمَّن الطلب المُقدَّم شهادات لنشطاء حقوقيين وصحفيين كانوا متواجدين في البوسنة أثناء الحرب، ومقالات حول تقديم الحكومة الإسرائيلية مساعدات شملت أسلحة لقوات صرب البوسنة.
بعد انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق "دايتون"، افتتحت جمهورية صرب البوسنة مكتبا للتمثيل الاقتصادي في إسرائيل عام 1998. وكان آري ليفني أبرز من اضطلعوا بدور الوساطة في بناء العلاقات بين جمهورية صرب البوسنة وإسرائيل. ولد ليفني عام 1921 في بودابست، ونشأ في مدينة نوفي ساد الصربية، ثم اعتقل أثناء الحرب العالمية الثانية وأرسل إلى العمل القسري، قبل أن يتمكن من الهرب. وقتلت والدته ومعظم أفراد عائلته في المحرقة النازية. وفي عام 1956، انتقل إلى إسرائيل واستقر فيها، حيث عمل في الوكالة اليهودية لمدة 40 عاما، وتولى خلالها مناصب عليا، بينها رئاسة قسم المعلومات ومنصب نائب المدير العام. وبعد تقاعده، انتقل إلى بلغراد عام 1995.
تولى ليفني مهاما إقليمية في بلغراد، ثم في بانيا لوكا، عاصمة جمهورية صرب البوسنة. ومع مرور الوقت، أصبح مستشارا مقربا من دوديك، وعضوا في مجلس شيوخ جمهورية صرب البوسنة وممثلا اقتصاديا لها. وربط ليفني بانيا لوكا بمنظمات إسرائيلية، وأسهم في وضع هذه العلاقة ضمن الإطار الأوسع للعلاقات الصربية الإسرائيلية. وفي بيان صدر عام 2007، أشادت الحكومة الصربية بدوره في تعزيز العلاقات الصربية اليهودية.
وهكذا، تطورت العلاقة منذ أواخر العقد الأول من الألفية وحتى منتصف العقد التالي عبر الدبلوماسية الشخصية. وبدأت زيارات دوديك إلى إسرائيل عام 1999، عندما كان رئيسا لحكومة جمهورية صرب البوسنة. وكانت البوسنة لا تزال في مرحلة ما بعد الحرب، فيما كان دوديك يحاول تقديم نفسه للغرب بوصفه سياسيا صربيا معتدلا، يختلف عن القيادة الصربية القومية التي عرفها الغرب أثناء الحرب. وزار دوديك القدس وكنيسة القيامة، والتقى بطريرك القدس، كما أعلنت وسائل الإعلام في جمهورية صرب البوسنة آنذاك أن خبراء وطلابا سيُرسلون للتدرب في إسرائيل. وبدا الطابع الديني غالبا على الزيارة، لكنها أسست قناة سياسية مستقلة نسبيا بين بانيا لوكا وإسرائيل؛ حتى إن السياسي البوسني البارز حارث سيلايجيتش طلب من وزارة الخارجية توضيحات بشأن طبيعة زيارة دوديك.
سجل عام 2010 إحدى أبرز زيارات دوديك إلى إسرائيل، في ظل توتر العلاقات التركية الإسرائيلية إثر حادثة "مافي مرمرة"، ضمن أسطول الحرية المتجه لكسر الحصار عن غزة. والتقى دوديك الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان. وكان أبرز ما طرحه خلال اللقاء مستقبل البوسنة، وانتقاده تدخل المجتمع الدولي والممثل السامي، وتحذيره من تنامي الدور التركي في البلقان. كما أوضح أن مواقف البوسنة في مجلس الأمن لا تعبر بالضرورة عن موقف قيادة جمهورية صرب البوسنة، وأن الجانب الصربي لم يكن وراء قرارات دولية عدّها مناهضة لإسرائيل.
"تطورت العلاقة منذ أواخر العقد الأول من الألفية وحتى منتصف العقد التالي عبر الدبلوماسية الشخصية"
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2011، زار وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بانيا لوكا والتقى دوديك. وعقب اللقاء، أعلن دوديك أن الممثلين الصرب في مؤسسات البوسنة سيعارضون دعم طلب فلسطين الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وكان العضو الصربي في رئاسة البوسنة، نيبويشا رادمانوفيتش، ينتمي إلى حزب دوديك. وقد عارض رادمانوفيتش موقف العضوين الآخرين المؤيدين للطلب الفلسطيني، ما حال دون التوصل إلى موقف موحد داخل رئاسة البوسنة. وبسبب هذا الخلاف، امتنعت البوسنة لاحقا في العام نفسه عن التصويت على قبول فلسطين عضوا في منظمة اليونسكو. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2012، عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على منح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو"، أيد العضوان البوشناقي والكرواتي القرار، فيما عارضه رادمانوفيتش، فامتنعت البوسنة والهرسك عن التصويت.
في السنوات اللاحقة، اتخذت العلاقة منحى آخر مع افتتاح مركز "آري ليفني الثقافي اليهودي"، الذي يضم كنيس "إيلونا فايس" (سمي على اسم والدة ليفني)، في بانيا لوكا عام 2014. وكان هذا المركز أول مؤسسة ثقافية يهودية من نوعها في البلقان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأسهمت فعالياته، ومنها مراسم إحياء ذكرى "دونيا غرادينا"، الموقع الرئيسي للإعدامات والمقابر الجماعية لضحايا معسكر "ياسينوفاتس" الفاشي خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب المعارض وفعاليات إحياء ذكرى الهولوكوست، في الحفاظ على استمرارية العلاقات، حتى خلال الفترات التي تراجعت فيها اللقاءات السياسية.
اندلعت أزمة مكتب جمهورية صرب البوسنة في القدس المحتلة في ربيع عام 2017، عندما نفت وزارة الخارجية الإسرائيلية الصفة الرسمية التي كانت حكومة جمهورية صرب البوسنة تضفيها على مكتب تمثيلها الاقتصادي. وأبلغت الوزارة سفارة البوسنة والهرسك بأن المكتب أُغلق رسميا في 31 ديسمبر/كانون الأول 2013، ولم يُعَد افتتاحه، وأن شركة خاصة يديرها آري ليفني أعادت تسجيله. كما أكدت أن ليفني ليس دبلوماسيا إسرائيليا ولا ممثلا رسميا معتمدا.
وأثار هذا الكشف تساؤلات داخل برلمان جمهورية صرب البوسنة بشأن الأموال العامة التي ظلت تُخصص للمكتب وطبيعة أنشطته. في المقابل، رفض ليفني وحكومة جمهورية صرب البوسنة هذه الرواية، مؤكدين أن المكتب لم يكن يوما بعثة دبلوماسية، بل هيئة معنية بتمثيل المصالح الاقتصادية والثقافية والرياضية. وكشفت الأزمة عن غموض مؤسسي في طبيعة العلاقة بين التمثيل الحكومي والنشاط التجاري الخاص، فضلا عن اعتماد الصلات مع إسرائيل بدرجة كبيرة على الدور الشخصي الذي اضطلع به ليفني.
بدأت مرحلة جديدة من العلاقات مع تعيين غاليت بيليغ سفيرة غير مقيمة لإسرائيل لدى البوسنة والهرسك، على أن يكون مقر إقامتها في العاصمة الألبانية تيرانا. وبعد تقديمها نسخا من أوراق اعتمادها إلى وزارة الخارجية البوسنية في 13 فبراير/شباط 2023، توجهت إلى بانيا لوكا بعد ثلاثة أيام، حيث التقت رئيس حكومة جمهورية صرب البوسنة رادوفان فيشكوفيتش. وتناول الاجتماع سبل توسيع التعاون في مجالات الاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات والمشروعات المشتركة، إلى جانب النشاط الثقافي ومشروعات إحياء ذكرى ضحايا الحرب العالمية الثانية. وبذلك بدأت العلاقة تنتقل من اعتمادها التاريخي على وسطاء، مثل آري ليفني، إلى اتصالات مباشرة مع سفير إسرائيلي معتمد رسميا لدى دولة البوسنة والهرسك. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تولى أوهاد نقاش كاينار مهامه كأحدث سفير لإسرائيل يغطي البوسنة والهرسك، بالإضافة إلى عمله سفيرا في ألبانيا وكوسوفو، خلفا لغاليت بيليغ.
"بدأت العلاقة تنتقل من اعتمادها التاريخي على وسطاء، مثل آري ليفني، إلى اتصالات مباشرة مع سفير إسرائيلي معتمد رسميا"
لكن لا بد من التمييز بين علاقة إسرائيل بالبوسنة والهرسك بوصفها دولة، والعلاقات التي أقامتها السفارة الإسرائيلية بصورة منفصلة مع جمهورية صرب البوسنة. فالجمهورية كيان داخل دولة البوسنة والهرسك، غير أن كثافة الاجتماعات التي عقدتها السفيرة السابقة في بانيا لوكا، واستقبالها من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراء الداخلية والاقتصاد، أضفيا على العلاقات مع الكيان الصربي طابعا شبه مؤسسي، وأتاحا لقيادته تقديم أنفسهم باعتبارهم الشريك البوسني الأقرب إلى إسرائيل.
في مساء 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أضيء قصر الجمهورية في بانيا لوكا بألوان العلم الإسرائيلي، وقالت السلطات إن الخطوة تعبير عن التضامن مع إسرائيل، فيما أعلن رئيس جمهورية صرب البوسنة وقتها ميلوراد دوديك وقادة الكيان دعمهم الصريح لها. وفي المقابل، شهدت سراييفو في الشهر نفسه مظاهرة شارك فيها عدة آلاف تضامنا مع الفلسطينيين واحتجاجا على قصف غزة، رفعت خلالها الأعلام الفلسطينية والبوسنية وشعارات تطالب بوقف الحرب. كما وقع سجال علني بين السفيرة بيليغ ورئيسة بلدية سراييفو بنيامينا كاريتش بشأن طبيعة الاحتجاج ومواقف المدينة. أظهر هذا التباين الانقسام الداخلي في البوسنة والهرسك: دعم قوي لإسرائيل من قيادة صرب البوسنة، في مقابل تأييد شعبي وسياسي واسع للفلسطينيين في سراييفو.
اكتسبت العلاقة بين إسرائيل والكيان الصربي زخما واضحا؛ ففي عام 2024 نظّم متحف الفن المعاصر في بانيا لوكا، بالتعاون مع السفارة الإسرائيلية، فعاليات بمناسبة الذكرى السادسة والسبعين لتأسيس إسرائيل، وأُضيء قصر الجمهورية مجددا بألوان العلم الإسرائيلي. وقالت بيليغ إن الاحتفال، الذي كان يُنظم عادة في سراييفو، نُقل إلى بانيا لوكا بعدما تلقت السفارة نصيحة بعدم إقامته في العاصمة البوسنية. وخلال الزيارة سلَّمت بيليغ دوديك رسالة شخصية من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، شكره فيها على مساندة إسرائيل.
اكتسبت زيارة 2025 أهمية استثنائية، عندما شارك دوديك في المؤتمر الدولي لمكافحة معاداة السامية الذي نظمته وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية في القدس المحتلة. إذ غادر بينما كانت السلطات البوسنية تطلب توقيفه في سياق مواجهته مع مؤسسات الدولة. ولكن حضوره أثار جدلا واسعا، فقد انسحب عدد من الشخصيات اليهودية والأوروبية من المؤتمر احتجاجا على دعوة سياسيين من أقصى اليمين وشخصيات مثيرة للجدل، وكان اسم دوديك بين أسباب الاعتراض.
لم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل نقلت صحف ومواقع إسرائيلية، مثل "جيروزالم بوست" و"تايمز أوف إسرائيل"، أن السلطات الإسرائيلية أبلغت دوديك أن وجوده أصبح مشكلة دبلوماسية على خلفية طلب مذكرة التوقيف. وقد حاول دوديك دفع الجدل المثار باتجاه آخر حينما قال لوكالة "أسوشيتد برس" إن خصومه في سراييفو "يعاقبونه على دعمه إسرائيل".
في 28 يناير/كانون الثاني 2026 أصبحت العلاقة أكثر رسمية، حين استقبل نتنياهو في مكتبه بالقدس القائمة بأعمال رئيس جمهورية صرب البوسنة آنا تريشيتش-بابيتش، والرئيس السابق ميلوراد دوديك، وشكرهما، وفق البيان الإسرائيلي الرسمي، على "الدعم المتواصل منذ سنوات" لإسرائيل، وأعرب الطرفان عن الرغبة في توسيع التعاون. وشملت الزيارة أيضا لقاءات مع الرئيس إسحاق هرتسوغ، ووزير الخارجية جدعون ساعر، وعضو الكنيست زئيف إلكين. كما حصل دوديك في الكنيست على "جائزة جابوتينسكي للحرية".
وأعلنت تريشيتش-بابيتش أن الجانبين ناقشا توقيع مذكرات تعاون محددة، وإمكانية فتح مكتب إسرائيلي في بانيا لوكا، وتنشيط ممثلية جمهورية صرب البوسنة في القدس. وبعد زيارة دوديك هذه، زارت عضوة مجلس الرئاسة البوسنية عن الصرب، جيليكا تسفيانوفيتش، إسرائيل في يونيو/حزيران، حيث التقت نتنياهو وهرتسوغ وجدعون ساعر، وأثارت موجة من الانتقادات لإظهار علم جمهورية صرب البوسنة دون علم دولة البوسنة والهرسك. وفي 8 سبتمبر/أيلول، شارك دوديك في مراسم إحياء ذكرى شمعون بيريز وربط العلاقة بتاريخ "معاناة الصرب واليهود" والدفاع عن الهوية.
تُرجِمَت زيارات دوديك اقتصاديا في 3 سبتمبر/أيلول 2026 بافتتاح مكتب "غرفة تجارة إسرائيل في جمهورية صرب البوسنة" في بانيا لوكا. وأقيمت مراسم الافتتاح في مقر الحكومة بحضور الرئيس سينيشا كاران، ورئيس الحكومة سافو مينيتش، وعضو رئاسة البوسنة والهرسك جيلكا تسفيانوفيتش، وميلوراد دوديك، والسفيرة غاليت بيليغ، ووزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي. وتولى رجل الأعمال الإسرائيلي أمير غروس كابيري رئاسة المكتب الجديد، ووصف مينيتش افتتاحه بأنه بداية فصل اقتصادي جديد، في حين قالت بيليغ إنه يعكس الثقة بمناخ الأعمال ويُوجِّه دعوة إلى المستثمرين الإسرائيليين.
وخلال الافتتاح وقَّعت آنا تريشيتش-بابيتش، بصفتها القائمة بأعمال مدير مكتب التعاون الدولي في جمهورية صرب البوسنة، مذكرة مع كابيري تستهدف توسيع التعاون التجاري والاستثماري والتكنولوجي. وحددت مجالات مرشحة للتعاون، من بينها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة، والزراعة والصناعات الغذائية، والتقنيات الصحية، والسياحة، والبنية التحتية والصناعات التحويلية.
وهكذا مثَّل المكتب محاولة لنقل العلاقة من الرمزية السياسية والتاريخية إلى الاستثمار والتجارة الفعليين. وكانت آخر زيارة لدوديك إلى إسرائيل في سبتمبر/ أيلول الماضي، حيث قال إن نتنياهو أكد إمكان الاعتماد على إسرائيل شريكا، ووعد بالعمل على إطار للتعاون، مشيرا إلى أن فريق خبراء إسرائيليين سيأتي للمساعدة في برنامج زراعي يشمل الري والإنتاج والتسويق.
برزت في السنوات الأخيرة على الساحة البوسنية شخصية إسرائيلية هي أمير غروس كابيري. وقد لفت الاسم الأنظار عام 2020 حينما وقَّعت شركة "ألومينيي إندستريز" التابعة لمجموعته "إمي تي أبراهام"، عقدا لاستئجار وتشغيل أجزاء من مصانع ومعدات شركة "ألومينيوم موستار" القديمة، التي توقفت عن الإنتاج عام 2019 تحت وطأة ديون تجاوزت 400 مليون مارك بوسني (230 مليون دولار). أعاد كابيري تشغيل المسبك ووسّع الإنتاج والتوظيف من دون شراء الشركة القديمة أو تحمّل ديونها. ومنحته السيطرة التشغيلية على أحد أهم المرافق الصناعية في البلاد نفوذا اقتصاديا كبيرا داخل موستار.
وسَّع كابيري حضوره المحلي عبر كرة القدم أيضا، إذ أصبح نائبا لرئيس نادي "زرينسكي موستار"، وتحوَّلت مجموعته إلى أحد أبرز رُعاته ومموليه في مرحلة حقق فيها بطولات محلية ووصل إلى دور المجموعات في دوري المؤتمر الأوروبي، كما أنشأ مركزا للفنون في موستار ونظَّم معارض وفعاليات.
أتاح الجمع بين الصناعة والرياضة والثقافة لكابيري بناء شبكة علاقات واسعة مع سلطات موستار، ومسؤولي اتحاد البوسنة والهرسك، وشخصيات دينية وتجارية، بحيث تجاوز دوره صفة المستثمر الأجنبي التقليدي وأصبح فاعلا حاضرا في الحياة العامة للمدينة. وقد عمل كابيري على تقديم نفسه بوصفه حلقة وصل اقتصادية وعام حسابكة مع إسرائيل. فقد شارك عام 2022 في تأسيس "غرفة تجارة دولة إسرائيل في البوسنة والهرسك" وترأسها بنفسه، ثم وقَّعت الغرفة اتفاقات مع مؤسسات اقتصادية بوسنية، ونظَّمت فعاليات بمشاركة دبلوماسيين ومسؤولين إسرائيليين ومحليين. وكان له دور أساسي أيضا في افتتاح مكتب غرفة التجارة الإسرائيلية في بانيا لوكا، فأصبح كابيري وسيطا بارزا بين مسؤولين إسرائيليين وقيادات صرب البوسنة، إضافة إلى علاقاته السابقة في موستار.
يرى قادة جمهورية صرب البوسنة في إسرائيل بوابة للدخول إلى البيت الأبيض، ومحاولة لإظهار أن بانيا لوكا لديها شركاء من الدول المهمة لواشنطن. ظهر ذلك جليا العام الماضي عندما رفعت واشنطن عقوباتها عن دوديك و47 شخصا وشركة مرتبطة به، بعدما كانت قد فرضتها في السابق لاتهامه بتقويض اتفاق "دايتون".
"يرى قادة جمهورية صرب البوسنة في إسرائيل بوابة للدخول إلى البيت الأبيض"
وقبل رفع العقوبات، كانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قد كشفت في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عن حملة وظَّفها دوديك للضغط على الإدارة الأمريكية، تشمل رودولف جولياني، المحامي الشخصي للرئيس ترمب خلال ولايته الأولى، والمحامي الأمريكي الإسرائيلي مارك زيل، ومايكل فلين، الفريق المتقاعد الذي عمل مستشارا للأمن القومي في البيت الأبيض في فترة رئاسة ترمب الأولى، إلى جانب الحاكم السابق لولاية إيلينوي، رود بلاغويفيتش، المتهم بالفساد الذي عفا عنه ترمب في فبراير/ شباط 2025، قبل أن يُوقِّع عقدا مع حكومة صرب البوسنة في الشهر التالي مقابل مبلغ لم يُكشَف عنه.
تسعى جمهورية صرب البوسنة إلى جذب الاستثمارات والخبرات الإسرائيلية في الزراعة والري وإدارة المياه والطاقة والصحة والتكنولوجيا والأمن السيبراني وتدريب الشرطة والاستجابة للطوارئ. وفي سبتمبر/أيلول 2026 تحدث دوديك عن مشروعات مشتركة قد تصل قيمتها إلى ملياري دولار، وعن الاستعانة بخبراء إسرائيليين لتطوير الزراعة.
أما إسرائيل، فتستفيد من جمهورية صرب البوسنة كحليف سياسي يُعلن دعمه لها بوضوح، ولا سيَّما في ظل ازدياد الانتقادات والعزلة الدولية التي واجهتها بعد حرب غزة. ومع أن بانيا لوكا لا تستطيع التصويت دوليا بصورة مستقلة، فإنها تستطيع، عبر العضو الصربي في رئاسة البوسنة والهرسك وآلية التوافق داخل الرئاسة، تعطيل أو تعقيد تبني البلاد موقفا موحدا من القضية الفلسطينية. وتوفر بانيا لوكا أيضا منصة للنشاط الاقتصادي والثقافي الإسرائيلي في غرب البلقان، وتخدم العلاقة كذلك رغبة إسرائيل في تعزيز نفوذها بين الصرب،، وموازنة حضور تركيا وعلاقاتها الوثيقة بسراييفو.
"توفر بانيا لوكا منصة للنشاط الاقتصادي والثقافي الإسرائيلي في غرب البلقان"
لم تتطور العلاقة بين إسرائيل وجمهورية صرب البوسنة ضمن مسار دبلوماسي تقليدي، بل تشكلت من مزيج الاتصالات الشخصية والمصالح السياسية والاقتصادية. ولا تزال مرحلة الحرب البوسنية محاطة بأسئلة لم تُحسم بسبب استمرار سرية الوثائق الإسرائيلية. وتقدم المصادر المنشورة شهادات وقرائن عن صفقات واتصالات وعروض عسكرية، لكنها لا تسمح حتى الآن بتحديد حجم الإمدادات أو المسؤولين عنها أو مدى تنفيذها. أما بعد الحرب، فقد انتقلت العلاقة تدريجيا من الاعتماد على وسطاء مثل آري ليفني، إلى اتصالات علنية مع مسؤولين وسفراء إسرائيليين، ثم إلى مكاتب تجارية ومذكرات تعاون ووعود بمشروعات في الزراعة والتكنولوجيا والأمن.
Loading ads...
لكن مهما بلغت قوة هذا التقارب، فإنه لا يُغيِّر الوضع الدستوري لجمهورية صرب البوسنة بوصفها أحد الكيانين المُكوِّنيْن للبوسنة والهرسك، ولا يمنحها اعترافا دوليا مستقلا أو صلاحية إقامة سياسة خارجية منفصلة عن الدولة. وإذا تجاهلت إسرائيل هذه الحدود، أو سمحت باستخدام علاقتها مع بانيا لوكا لمنح شرعية لمشروعات انفصالية، فقد تتحول إلى عامل إضافي في الصراع الداخلي بشأن وحدة البوسنة والهرسك وهويتها ومستقبلها السياسي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




