ساعة واحدة
الرؤية المصرية للتهديدات الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

تواجه مصر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب معادلة أمنية متزايدة التعقيد، لا تقتصر على تهديد الملاحة وإيرادات قناة السويس، وإنما تمتد إلى موقعها ونفوذها في فضاء ظل تاريخيا إحدى الدوائر الرئيسية لأمنها القومي. فمن الشرق، وسع الحوثيون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن وصولا إلى باب المندب، ومن الغرب تواصل إثيوبيا مساعيها للحصول على منفذ بحري، سواء عبر إريتريا أو أرض الصومال، بينما يتزايد الحضور العسكري للقوى الدولية والإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتتناول ورقة تحليلية للباحث بدر حسن شافعي، أستاذ الدراسات الأفريقية وخبير تسوية الصراعات، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات بعنوان "الرؤية المصرية للتهديدات الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب"، كيفية تعاطي القاهرة مع هذه التهديدات المتزامنة، وما إذا كانت التحولات الجارية تتيح لها استعادة جانب من نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، أم تكشف حدود قدرتها على التأثير في منطقة ازدحمت بالفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.
وتنطلق الورقة من أن البحر الأحمر لا يمثل بالنسبة إلى مصر مجرد طريق ملاحي، بل يشكل منفذها البحري الشرقي إلى العالم، ويربط قناة السويس بباب المندب والمحيط الهندي. وتمر عبره، بحسب الورقة، نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات، فضلا عن أهميته في نقل النفط والتجارة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. كما يتمتع بأهمية عسكرية دولية جعلته ممرا استراتيجيا للقوات والأساطيل الأمريكية بين البحر المتوسط والخليج والمحيط الهندي.
وقد ازدادت حساسية هذه الدائرة بالنسبة إلى القاهرة منذ عام 2015 مع الحرب اليمنية وصعود الحوثيين، ثم تصاعدت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتفاقم مع الحرب الأمريكية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ثم وصول الحوثيين إلى باب المندب في سبتمبر/أيلول 2026. وفي الوقت نفسه ظهر على الضفة الأفريقية تحد آخر يتمثل في المسعى الإثيوبي للحصول على منفذ بحري، لتجد القاهرة نفسها أمام ضغوط متزامنة على جانبي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
تشير الورقة إلى أن السياسة المصرية تجاه البحر الأحمر لا يمكن فهمها باعتبارها استجابة آنية للتطورات الأخيرة؛ إذ تستند إلى رؤية تجمع بين اعتبار المنطقة جزءا من الأمن القومي المصري وإدراك أن القاهرة لا تستطيع إدارتها بصورة منفردة.
فالبحر الأحمر تتقاطع فيه مصالح الدول العربية المشاطئة، إلى جانب إريتريا وإسرائيل، كما أن باب المندب نفسه تتحكم في ضفتيه اليمن وجيبوتي وإريتريا. وفوق ذلك، أصبح الممر مجالا لحضور عسكري دولي واسع، وفي مقدمته الوجود الأمريكي، الذي تعزز بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 وإنشاء القوات البحرية المشتركة لمكافحة الإرهاب والقرصنة وتأمين الملاحة.
ودفعت هذه الطبيعة المركبة القاهرة إلى العمل في مسارين متوازيين. الأول إقليمي، من خلال الانضمام إلى مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تأسس في يناير/كانون الثاني 2020، ويضم الدول العربية الست المشاطئة إلى جانب إريتريا والصومال. والثاني دولي، من خلال المشاركة في قوة المهام المشتركة 153 المختصة بتأمين البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، والتي تولت مصر قيادتها في عامي 2022 و2025.
لكن المشاركة المصرية في ترتيبات الأمن البحري لا تعني، بحسب الورقة، استعداد القاهرة للانخراط في الحروب الدائرة حوله. فالسياسة المصرية تقوم على ما تسميه القيادة المصرية "الاتزان الاستراتيجي": إقامة علاقات متوازنة، وتجنب الاستقطاب، ورفض الحلول العسكرية للصراعات كلما أمكن ذلك.
ولهذا تميز الورقة بين الحضور العسكري البحري والتدخل العسكري البري. فالقاهرة تريد امتلاك القدرة على حماية خطوط الملاحة والمصالح البحرية، لكنها تتحاشى الدخول في حروب استنزاف مفتوحة. وقد ظهر ذلك في اليمن منذ 2015، كما ظهر في تعاملها مع أزمة سد النهضة.
وتعود حساسية التدخل في اليمن تحديدا إلى التجربة المصرية في الحرب الأهلية اليمنية بين عامي 1962 و1970، والتي تقول الورقة إن مصر فقدت خلالها أكثر من 26 ألف جندي. ولذلك، عندما بدأت "عاصفة الحزم" عام 2015، شاركت القاهرة بصورة محدودة، مستخدمة قطعا بحرية لتأمين الملاحة من دون إرسال قوات برية إلى الأراضي اليمنية.
وفي إطار تعزيز القدرة البحرية نفسها، طورت مصر أسطولها الجنوبي، وأنشأت قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر، بما يمنحها قدرة أكبر على التحرك وحماية خطوط الملاحة.
اختبرت حرب غزة السياسة المصرية مرة أخرى. فمع تشكيل الولايات المتحدة عملية "حارس الازدهار" في ديسمبر/كانون الأول 2023 لمواجهة الهجمات الحوثية على السفن، امتنعت مصر عن الانضمام إليها، رغم أنها عضو في القوات البحرية المشتركة التي تعمل في المنطقة.
وتفسر الورقة ذلك بعدة اعتبارات؛ في مقدمتها أن القاهرة لم تنظر إلى الأزمة في البحر الأحمر باعتبارها أزمة ملاحة منفصلة عن حرب غزة. فمن وجهة النظر المصرية التي تعرضها الورقة، كانت الهجمات الحوثية مرتبطة بالحرب الإسرائيلية والحصار المفروض على القطاع، ومن ثم فإن التعامل العسكري مع الحوثيين لا يعالج أصل المشكلة. كما لم ترغب القاهرة في الظهور باعتبارها تشارك في تحالف يهدف عمليا إلى تخفيف الضغط عن إسرائيل بينما تستمر الحرب في غزة.
وكان لهذا الموقف ثمن اقتصادي باهظ؛ فقد أدت المخاطر في البحر الأحمر إلى تحويل شركات وسفن مساراتها إلى رأس الرجاء الصالح، وتراجعت إيرادات قناة السويس، بحسب الأرقام التي تنقلها الورقة، من نحو عشرة مليارات دولار في 2023 إلى أربعة مليارات في 2024، أي بانخفاض يقارب 60%.
لكن الحوثيين ليسوا التحدي الوحيد. فعلى الضفة الأفريقية تضع الورقة إثيوبيا في الجانب الآخر من المعادلة المصرية، في ظل محاولات أديس أبابا الحصول على منفذ بحري بعد عقود من تحولها إلى دولة حبيسة إثر استقلال إريتريا.
واكتسب الملف حساسية أكبر مطلع 2024، عندما سعت إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بطول عشرين كيلومترا في أرض الصومال، يشمل ميناء بربرة وإمكانية إقامة قاعدة عسكرية. وتقرأ الورقة الموقف المصري من هذه الخطوة في سياق تنافس أوسع مع إثيوبيا؛ فبعد الخلاف على مياه النيل وسد النهضة، امتدت المنافسة إلى البحر الأحمر وخليج عدن. ومن هنا جاء تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه الرئيس الصومالي، بأن مصر لن تسمح بتهديد الصومال، وأن الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال مرفوض.
وفي مواجهة هذا التحرك، اتجهت القاهرة إلى تعزيز شبكة علاقاتها مع دول القرن الأفريقي، خصوصا الصومال وإريتريا وجيبوتي.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024 أنشأت آلية للتعاون الثلاثي مع الصومال وإريتريا، ثم رفعت علاقتها بالصومال إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ووقعت اتفاقيات للتدريب العسكري والدعم اللوجستي، وأعلنت المشاركة في قوات حفظ السلام بالصومال. كما زار السيسي أسمرة في أكتوبر/تشرين الأول 2024 في أول زيارة لرئيس مصري إلى إريتريا، وعقدت قمة ثلاثية مصرية-إريترية-صومالية، بينما أعادت القاهرة سفيرها إلى أسمرة واستأنفت برامج التدريب المخصصة للكوادر الإريترية.
وعززت مصر كذلك علاقاتها بجيبوتي، التي تمر عبرها النسبة الأكبر من التجارة الخارجية الإثيوبية، من خلال مشروعات للطاقة والنقل والمصارف والتعاون الفني والاقتصادي، إلى جانب التنسيق السياسي. وترى الورقة أن هذه التحركات نجحت حتى الآن في تحجيم المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ بحري، وإن كانت لا تعني انتهاء الطموح الإثيوبي.
ومن هنا تكتسب الدعوة المصرية إلى قصر مسؤولية أمن البحر الأحمر على الدول المشاطئة معنى مزدوجا: فهي تتصل برفض عسكرة البحر وتدويله من ناحية، وتحمل من ناحية أخرى رسالة إلى إثيوبيا، الدولة غير المشاطئة التي تسعى إلى الوصول إليه.
أعادت السيطرة الحوثية على ميناء المخا وباب المندب في سبتمبر/أيلول 2026 التهديد الحوثي إلى مقدمة الحسابات المصرية.
وتشير الورقة إلى أن الخسائر المصرية لم تعد محصورة في التراجع السابق لإيرادات قناة السويس؛ فقد أعلن وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في 10 سبتمبر/أيلول 2026، أن خسائر القناة خلال الفترة الأخيرة قاربت 11 مليار دولار نتيجة اضطراب الملاحة. كما يمتد الخطر إلى خط أنابيب "سوميد"، الذي ينقل النفط الخليجي والسعودي من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بما يجعل استقرار باب المندب مرتبطا بدور مصر في نقل الطاقة بين الخليج وأوروبا.
ورغم حجم هذه المصالح والخسائر، تلخص الورقة الموقف المصري في أربعة عناصر: رفض التصعيد الحوثي والاعتداء على السفن السعودية، ورفض التدخل العسكري المصري أو الإقليمي والدولي، والتأكيد على حرية الملاحة، وربط التهدئة في باب المندب بتسوية الصراعات الإقليمية والملف اليمني.
وأكد السيسي، في 3 سبتمبر/أيلول 2026، أن البحر الأحمر يمثل جزءا من الأمن القومي المصري، وأن مسؤولية أمنه يجب أن تظل للدول المشاطئة، مع التشديد على حرية الملاحة ورفض دفع المنطقة إلى مزيد من "العسكرة والتدويل".
وتشير الورقة إلى جانب آخر في إدارة القاهرة لعلاقتها بالحوثيين؛ فمصر تعترف رسميا بالحكومة اليمنية ولا تعترف بسلطة الحوثيين، لكن جهات أمنية مصرية تتولى، بحسب ما تورده الورقة، التواصل مع طرفي الصراع بما يحمي السفن المصرية والملاحة وقناة السويس.
وتذكر أن رئيس هيئة قناة السويس رفض طلبا حوثيا لإقامة اتصالات مباشرة ورسمية لتنظيم الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، بينما أحيل الأمر إلى جهات أمنية للتعامل معه بعيدا عن المؤسسات الرسمية، بما يسمح بمعالجة المخاطر من دون منح الحوثيين اعترافا بسلطة على المضيق.
وتقوم الحسابات المصرية، وفق الورقة، على أن الحوثيين قد يستخدمون سيطرتهم على باب المندب للضغط على سفن خصومهم، لكن من غير المرجح أن يغلقوا المضيق بالكامل؛ لأن خطوة كهذه قد تجمع ضدهم قوى دولية تتعارض مصالحها في ملفات أخرى لكنها تتفق على استمرار الملاحة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأوروبا والصين. وتستند الورقة أيضا إلى إعلان الحوثيين أن سيطرتهم على الجغرافيا البحرية لن تؤثر في الملاحة الدولية باستثناء السعودية.
ولهذا ظل الموقف المصري رافضا للانخراط العسكري، وهو ما أعاد السيسي تأكيده خلال استقباله ولي العهد السعودي في القاهرة في 15 سبتمبر/أيلول 2026، عندما شدد على دعم التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
تنتهي الورقة إلى سؤال يتجاوز الحوثيين وإثيوبيا معا: هل تستطيع مصر تحويل الأزمات الراهنة إلى فرصة لاستعادة نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟
ولا تتحدث الورقة عن عودة إلى "هيمنة مصرية" على البحر الأحمر، وإنما تستخدم تعبير "إعادة التموضع" لوصف التحركات التي تسعى من خلالها القاهرة إلى تثبيت نفسها لاعبا رئيسيا في ترتيبات المنطقة.
ويظهر هذا التوجه في التعاون العسكري والدفاعي مع الصومال، وإرسال المساعدات والقوات المصرية إلى مقديشيو، وتعزيز العلاقات مع إريتريا وجيبوتي، إلى جانب مطالبة القاهرة بإحياء مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر، وتمسكها بقصر ترتيبات حوكمة البحر على الدول المشاطئة.
لكن هذه العودة تواجه قيودا عديدة. فاستمرار الحرب الأمريكية-الإيرانية يبقي الإقليم في حالة اضطراب، وسيطرة الحوثيين على باب المندب تضع الملاحة وقناة السويس تحت ضغط مستمر، فيما يشهد القرن الأفريقي تنافسا بين الولايات المتحدة والصين وتركيا وإثيوبيا ودول الخليج وغيرها من القوى. كما أن مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر لم يتحول بعد إلى هيكل سياسي وأمني قادر على إدارة الأزمات المتلاحقة.
ويضاف إلى ذلك أن مبدأ "الاتزان الاستراتيجي" نفسه يحمل للقاهرة فرصا وقيودا في آن واحد؛ فتجنب الحروب يحمي الجيش والاقتصاد من استنزاف طويل، لكنه يحد في الوقت نفسه من استخدام القوة المباشرة لفرض النفوذ في منطقة شديدة التنافس.
ولهذا تطرح الورقة الوساطة في اليمن باعتبارها أحد المسارات التي يمكن أن تسمح لمصر بالحفاظ على علاقاتها ومصالحها من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية.
وبذلك تقدم الورقة الرؤية المصرية للبحر الأحمر باعتبارها محاولة للجمع بين حماية الملاحة، وتجنب الحرب، ومنع القوى غير المشاطئة من فرض نفسها على ترتيبات البحر، وبناء شبكة نفوذ مصرية في القرن الأفريقي.
وفي قلب هذه الرؤية تقف مصر أمام تحديين مختلفين على ضفتي باب المندب: الحوثيون يسيطرون على مواقع استراتيجية في الضفة الآسيوية، وإثيوبيا تبحث عن موطئ قدم على الضفة الأفريقية. وبين التهديدين تحاول القاهرة إعادة التموضع في البحر الأحمر، ليس عبر الدخول في حرب جديدة، وإنما من خلال القوة البحرية والتحالفات الإقليمية والعلاقات الأمنية والدبلوماسية، مع التمسك بأن أمن البحر يجب أن يبقى، قبل كل شيء، في أيدي الدول المطلة عليه.
Loading ads...
للاطلاع على الورقة التحليلية كاملة (اضغط هنا)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

كيف ستسير إيران رحلاتها إلى الخارج؟
منذ 10 دقائق
0



