4 أشهر
ما بعد "الأسدية": هل يمكن بناء دولة المواطنة في سوريا؟... حوار مع أحمد برقاوي
الإثنين، 12 يناير 2026

دخلت سوريا مرحلة انتقالية شديدة التعقيد عقب سقوط نظام استبدادي دام أكثر من نصف قرن، إذ لا تقتصر التحديات على إعادة إعمار البنية التحتية، بل تمتد إلى ترميم الهوية الوطنية وإعادة بناء العقد الاجتماعي الذي تآكل بفعل عقود من القمع وتفكيك الوعي العام. وحسب محللين، فإن إرث حكم الأسد يتجاوز الاستبداد التقليدي ليشكل بنية سلطوية شاملة دمرت الحياة السياسية وعمقت الانقسامات المجتمعية، ما يضع البلاد اليوم أمام مزيج من الآمال والمخاوف، في ظل توترات متراكمة.
في هذا السياق، ولتسليط الضوء على تحديات إعادة بناء الدولة السورية بما ينسجم مع تطلعات مواطنيها، حاورت فرانس24 الدكتور أحمد برقاوي، عميد بيت الفلسفة بالفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة. فرانس24: يرى كثير من المحللين أن المجتمع السوري يعاني من تفتت سياسي وهوياتي في بنيته، ما أسباب ذلك وهل كان لنظام الأسد دور فيه؟ أحمد برقاوي: "الأسدية"... لقد مضى نصف قرن على استمرار الزمن الأسدي من الأب إلى الابن. لم تكن هذه الفترة من الزمن، لعدة أسباب: أولا: الأقلية الحاكمة – وهي ليست أقلية دينية ولا قومية، بل أقلية حاكمة ذات انتماءات متعددة وعصبية سلطوية. ولأنها تخاف، أكثر ما تخاف، من ظهور أكثرية مناهضة لها بوصفها سلطة أقلوية، فهي ضد المجتمع عموما. فهي، عبر تحطيم السياسة بوصفها ممارسة مجتمعية، ومنع أي شكل من أشكال حرية التنظيم السياسي المستقل أو النقابي، تقضي – عمليا – على الأكثرية السياسية والمدنية. ذلك أن المجتمع بلا تنظيم سياسي ومدني يتحول إلى تجمعات مناطقية. وعبر تحطيم السياسة تخلق حزبا لا سياسيا، بل غطاء رعاعيا إيديولوجيا، وتترك المجتمع باحثا عن الأمان في هويات ضيقة. إن عصبيتها الحاكمة الأقلوية تحتاج إلى خطاب يؤكد انتماءها للأكثرية، فنحصل على ممارسة عملية أقلوية وخطاب ذي سمة أكثرية. ريبورتاج حصري: الاغتصاب... سلاح حرب نظام بشار الأسد لإذلال ضحاياه ثانيا: أقلية حاكمة ذات عصبية طائفية. ينمو وعي الأقلية الحاكمة بذاتها – والمنتمية إلى الأكثرية المحكومة من حيث العرق – استنادا إلى مبدأ امتلاك القوة، والقوة الغاشمة، وإحساسها بضعف الولاء لها، فتكتفي بعصبية ضيقة من الموالين الخلص وشبه الخلص بسبب حصول هذه العصبة – أو العصابة – على امتيازات ولائها. ومع وعي ازدياد الهوة بين الأقلية الحاكمة والأكثرية – الهلامية – المحكومة، تتصرف هذه السلطة – بوصفها أقلية – كما يتصرف الاحتلال الخارجي. فوعيها لا يختلف عن وعي المحتل، وكل القوانين السياسية التي تسنها هي قوانين محتل، وسلوكها سلوك قوى احتلال: قوة عسكرية، وقوة أمنية، وعسس خفي، ونهب خيرات، وخرق عالم القيم المحلي، بل والسكن في أماكن خاصة مشتركة. والقوانين التي تخضع الناس عبرها لا تسري عليها أبدا: قوانين السير، والمسؤولية، والقضاء، والسفر، والاقتصاد… إلخ. ثالثا: وعبر خوف الأقلية الدائم من فقدان سلطتها – لأنها على الرغم من قوتها المادية – فإن شعور الأقلية الخائفة يسري مع الأيام في عروقها، فينحصر شغلها الشاغل في كيفية الحفاظ على ذاتها. فيتحول مفهوم السيادة الوطنية بالنسبة إليها إلى سيادة السلطة، ويتحول الحفاظ على أمن الوطن وأراضيه وثرواته إلى الحفاظ على أمن السلطة، وتتحول مصلحة الإنسان وحريته وكرامته إلى ممارسة أعلى درجات القمع والقوة الغاشمة. وهكذا تموت فكرة السيادة الوطنية وفكرة المواطنة. رابعا: إن الخوف الدائم على سلطتها يجعلها في حالة تهيّب دائم من العامل الخارجي الفاعل عالميا، من حيث قدرته على الإحاطة بها إن شاء. ولأن الخارج الفاعل (أوروبا – أمريكا) ذو مصلحة دائمة بنمط كهذا من السلطات، لأنه يسلب حرية وإرادة الشعب التي هي، بالأصل، ضد العدو الخارجي ومع السيادة الوطنية، فإن السلطة الأقلوية تجد نفسها في حال التبعية المطلقة للخارج، الذي إن اقتنع بقرب انهيارها عمل على ذلك ليجد مكانا له في الجديد.
خامسا: إن الأقلية الحاكمة، وعبر تذرير الأكثرية بواسطة القمع الدائم الذي لا يتوقف أبدا، وعبر اقتناعها بأنها أفقدت الأكثرية تماسكها الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وحسها بالانتماء إلى الوطن الكلي، وعودة الأكثرية إلى حال القبيلة والطائفة والمنطقة، وإلى الانكفاء الذاتي واللامبالاة بما يعصف بالوطن من أخطار، فإن هذه السلطة الأقلوية، وقد اطمأنت إلى هذا كله، تعتقد بأنها قد أمنت خطر الأكثرية وشرها، وصارت أقلية تحكم أقليات، وليس أقلية تحكم أكثرية. لكن عماء السلطة أنساها أنها، عبر القمع والإفقار والفساد، تعيد إنتاج الأكثرية بوصفها الآن أكثرية وطنية سياسية، عدوها الأساس هو السلطة. فخلقت بهذا المجتمع الشرارة التي تراكم حقدها وقرفها والانتصار إلى كرامتها المهدورة وحسها الوطني المكبوت، لتشتعل في صورة تعجز السلطة عن مواجهتها، وهذا ما كان. السلطة التي عملت على جعل الانحطاط الكلي للمجتمع أساسا لبقائها خلقت بنية معادية للتغير والتجدد، ودمرت الشرط التاريخي لأثر النخبة الإيجابي في تشكيل الوعي الوطني، وقتلت الممكنات المعقولة لعالم جديد، وتراكم بدلا عنها مستنقع آسن. وأصبح خوف الناس على أرواحهم هما أساسيا، فكانت الهجرة، وكان اللجوء، وكان الدمار، وكان الفجور، وكان موت بقايا القيم التي لم يستطع الزفت التاريخي الحاكم أن يقضي عليها في مرحلة تكون المستنقع. وامتلأ المستنقع بالانتماء الطائفي. وحين انفجر المستنقع قذف كل قيحه، وكان أوسخها قيحه الطائفية.
برأيك كيف تم تفكيك الدولة السورية وهل يمكن بناءها بوجه ديمقراطي؟ كانت الأسدية رباعية الغباء: الغباء العقلي، والغباء العاطفي، والغباء الوطني، والغباء الهَبَشي للثروة. قاد الغباء العقلي إلى تحطيم التعايش المشترك للاحتفاظ بالسلطة، وقاد الغباء العاطفي إلى القتل وكل أشكال انتهاك الجسد للمختلف من أجل السلطة، وجعل الغباء الوطني كل خيانة وطنية مباحة من أجل السلطة، وقاد الغباء الهَبَشي للثروة إلى تفجير اللاشعور والشعور المؤسَّسين على الفجع اللامعقول. لقد وفرت الثورة السورية الشروط الضرورية لنهاية البنية الشائخة التي لم تسعفها ميليشيات الوسخ التاريخي الطائفي على البرء من أمراض الشيخوخة المزمنة، وشقت الثورة الطريق إلى زمن تاريخي جديد. فزمن دولة السلطة بدأ يتآكل أمام الممارسة النظرية والعملية لقيام سلطة الدولة. فدولة السلطة الأسدية فقدت: احتكار القوة، وفقدت السيادة، وفقدت القدرة على القيام بوظيفة المؤسسات التي كانت في خدمتها، وفقدت تراكم رأس المال الضروري للاقتصاد، وفقدت الاعتراف الدولي. وكل هذا الفقد راح ينعكس ضعفا في عصبيتها والعصبيات الزائفة.
لا تحتاج الأهداف الاستراتيجية لإعادة بناء سوريا إلى جهد من التفكير العميق، فحسب العقل أن يتأمل العوالم المدمَّرة ليطرح البديل البنّاء عن المدمَّر. دمرت الأسدية، تدميرا كاملا أو شبه كامل، وعلى مدى نصف قرن ونيف، العوالم الآتية: دمرت عالم المدينة والمدنية والقرية وبناها الثقافية الإيجابية. دمرت عالم العيش المشترك، وأسست للوعي الطائفي. دمرت عالم الحق والقانون الحامي للحق ووظيفة الجيش والأمن الوطنيين. دمرت عالم التعليم من التعليم الابتدائي إلى التعليم الجامعي. دمرت عالم المؤسسة والوعي المؤسساتي. دمرت عالم النخبة بجميع صوره. دمرت عالم الدولة والسياسة والهوية الوطنية والمجتمع المدني. دمرت العقدين الوطني والاجتماعي وشروط إنتاج السلطة. دمرت شروط الشعور بالكرامة الإنسانية – كرامة الفرد والجماعة. دمرت الأساس الاجتماعي والسياسي للمجتمع الحر وأشاعت ثقافة الخوف. ودمرت جميع القيم المرتبطة بالعوالم السابقة. ريبورتاج حصري: نساء سوريات يكسرن الصمت حول وقائع اغتصابهن في سجون الأسد إن بناء كل هذه العوالم المدمَّرة رهن بقيام الدولة وسلطة الدولة، أي الانتقال من دولة السلطة إلى سلطة الدولة، من الزمن الكمي المتكرر إلى زمن كيفي يؤسس للقطيعة التاريخية. وتقوم الاستراتيجية لأية حكومة مقبلة على بناء هذه العوالم المدمَّرة من جديد. إن حجم هذا التدمير وإعادة بناء المدمَّر ليس سهلا لا كيفا ولا كما، لكن شرطه الأول قيام الدولة وإنتاج سلطات الدولة المستقلة بديلا عن دولة السلطة الواحدة. إن انتقال سوريا من دولة السلطة إلى الدولة الديمقراطية وسلطة الدولة لا يتم ولن يتم بالصراع المسلح بين أكثرية مدنية وفلاحية وبدوية سنية تؤيد السلطة الجديدة من جهة، وأقليات فلاحية لا تعترف بالسلطة الجديدة من جهة ثانية، بل بذهنية مدينية تؤمن بالحوار السياسي بين نخب كل مكونات المجتمع السوري المستندة إلى قيم الاعتراف بالحق والمساواة والمواطنة. ولعمري، فإن تكوين النخب السورية المتحررة من الانتماءات الضيقة كتلة تاريخية تدافع عن المستقبل وبناء الدولة الديمقراطية سيكون له أثر إيجابي ومحمود في تحقيق هذا الهدف.
في ظل هيمنة العصبيات الطائفية والإثنية، هل يمكن اعتبار إعادة بناء الدولة السورية الديمقراطية مشروعا قابلا للتحقيق في المرحلة الانتقالية؟ تعيش المجتمعات في كل المراحل الانتقالية من بنية إلى بنية، ومن زمن تاريخي قديم إلى زمن تاريخي جديد، حالة من عدم الاستقرار والصراعات بين القوى المختلفة حول المصير، فضلا عن الصراعات حول السلطة. ريبورتاج حصري: داخل جحيم "فرع فلسطين"... رمز جرائم عائلة الأسد وتعيش سوريا في هذه المرحلة الانتقالية، بعد زوال الأسدية، جملة من التناقضات: عصبية البنية القديمة وبقايا قواها المسلحة، عصبية طوائف تطرح مصيرها خارج الدولة المركزية، كالعصبية الدرزية، وعصبية الإثنية الكردية، فضلا عن قوى سياسية تطرح المشروع الديمقراطي الفدرالي. لكن عصبية السلطة الجديدة هي عصبية الأكثرية العربية السنية. وهذا الأمر يحتاج إلى زمن للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، من دولة السلطة إلى سلطة الدولة، وفكرة التوقع في المرحلة الانتقالية فكرة محفوفة بالأخطاء. بعد عقود من القمع والكبت في سوريا، كيف يمكن للمجتمع إعادة بناء قيمه الوطنية والأخلاقية؟ هناك مشكلة في غاية التعقيد ومن الصعب تبسيطها، وهي تَجاوز تحطيم القيم الذي تم عبر عقود من الزمن الأسدي، والذي أضعف الانتماء الوطني والأخلاقي، لأن تجاوز القيم المحطمة وما ولدته من ذهنيات عنفية تنفي الآخر يحتاج إلى زمن طويل. وهناك خطر آخر هو انفجار المكبوت الشعوري. والمكبوت الشعوري هو المواقف والآراء وزوايا الرؤية والحب والحقد والكره والمصالح التي يكبتها الفرد أو الجماعات خوفا من إظهارها، أو رغبة في الوصول إلى غاية ما يكون الإظهار عقبة أمام تحقيقها، أو حياء وخجلا من التعبير عنها. ويُستعاض عن هذا المكبوت بالظهور الكاذب السابق عن تصميم وإرادة.
Loading ads...
وصل القمع في النظام الدكتاتوري الذي بنته الجماعة الحاكمة في دمشق حدا غير معقول في تاريخ البشرية. فآلاف الشباب من الاتجاهات اليسارية والقومية والدينية والمجتمعات المدنية دخلوا السجون لعقد أو لعقدين وأكثر، فضلا عن مئات الذين قضوا تعذيبا: الحزب الشيوعي – رياض الترك، رابطة العمل الشيوعي، حزب العمال الثوري، حزب البعث العراقي، حزب البعث الديمقراطي، الاتحاد الاشتراكي – جمال الأتاسي، حركة الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، لجان الأحياء المدنية، منتدى رياض سيف، منتدى جمال الأتاسي، ربيع دمشق. لقد خلق هذا الوضع لدى الأغلبية خوفا أدى إلى كبت العداء والكره للنظام، وراح الكبت يكبر حتى تحول إلى حقد مكبوت، فكان انفجار الثورة انفجار المكبوت والظهور بلا خوف. كان لظهور هذا النوع من المكبوت وقع الدهشة على عيون أجهزة القمع التي اعتقدت أن الخوف قد أمات نزعة التمرد والتأفف العلني. وبالمقابل، كان بعض الذين كبتوا انتماءاتهم لهذا النظام خجلا من الجمهور والحياة، في وضع الخوف من الثورة، فلم يعودوا قادرين على إخفاء المكبوت الإرادي، فأظهروا حقدهم على الثورة عبر خطاب فيه شكل انحراف الحلم عند فرويد. وكانت حجتهم الوقوف ضد الأصولية والحفاظ على الوطن من مؤامرة داخلية وخارجية. وهؤلاء جمهور من المشتغلين بالعمل الذهني الذين عبّروا عن انحطاطهم الأخلاقي المزدوج: مرة بالإخفاء، ومرة في الظهور؛ مرة بمكبوتهم، ومرة بإظهار مكبوتهم. شهادات صادمة في وثائقي فرانس 24.. "الناجون من جحيم السجون السورية" إن الثورة، بتحرير الناس من مكبوتهم الشعوري، تعيد المجتمع إلى حاله الطبيعي في التعبير العلني عن الوجود الحقيقي، حتى لو ظل بعض البشر يعيشون المكبوت الشعوري. وخطر المكبوت الشعوري يتحول إلى حقد كبير جدا، لأن الحقد إذا ما تحول إلى سلوك ثأري عصف بالهيئة الاجتماعية والروابط المعشرية. فبعد 13 عاما من حرب ضروس ومقتل مئات الآلاف من المنتمين إلى القرية السورية بكل قيمها وتقاليدها الثأرية، فإن إزالة الذهنية الثأرية من الماضي الأليم أمر في غالية الصعوبة ويحتاج إلى مرحلة من التعايش يخلق حياة مؤسِسة للنسيان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




