12 أيام
13 تاجراً "مسموح لهم" إدخال البضائع من إسرائيل إلى غزة... من هم وبأيّ شروط؟ - رصيف22
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

"فلان يرث وفلان لا يرث"؛ قول مأثور يتداوله الفلسطينيون كثيراً هذه الأيام، في دلالة على عدم المساواة والتباين والحرمان في الأرزاق التي يعانون منها في قطاع غزة، حيث يحصل بعضهم على الكثير من المنافع والهبات دون كدّ أو تعب، بينما يكون نصيب الآخرين الشقاء والتعاسة والمعاناة.
وفي ظلّ الحصار والإغلاق المستمرّين اللذين يرزح تحتهما قطاع غزة منذ 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، تحوّل هذا القول إلى واقع فُرض على القطاع.
وفقاً لصحيفة "جيروزاليم بوست"، اعتمدت السلطات العسكرية والأمنية الإسرائيلية قائمةً حصريةً تضمّ 13 شخصاً فقط مُصرَّحاً لهم باستيراد البضائع التجارية إلى غزّة. وبرغم تغيير بعض الأسماء بمرور الوقت، إلا أنّ المبدأ الأساسي ظلّ ثابتاً كما هو.
وتضمّنت القائمة التي وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وفقاً للصحيفة، كلّاً من: "مصطفى عيد، محمد الخزندار، محمد البرقي، رياض داود، محمد الدردساوي، مهند أبو حلوب، سامح عثمان، رائد أبو مرعي، عيادة الريفي، محمد الخضري، بكر أبو حليمة، سهيل أبو حليمة، ومحمود أبو مرعي".
يقول مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة تجارة وصناعة محافظة شمال غزة، علاء الدين مهنا: "لا تتوافر لدى الغرفة قائمة رسمية معتمدة بأسماء الجهات المخوّلة التنسيق لإدخال البضائع، أو معايير معلنة وواضحة لاختيارها".
ويشير في حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ القيود المفروضة على الاستيراد وحصر فرص إدخال بعض البضائع في عدد محدود من التجار، أضعفا المنافسة وتكافؤ الفرص. وتطالب الغرفة باعتماد آلية واضحة تتيح لجميع التجار المؤهلين الاستيراد وفق معايير عادلة ومعلنة.
أمّا الباحث السياسي محمد شاهين، فيقول في حديثه إلى رصيف22، إنّ السلطات الإسرائيلية حصرت الاستيراد التجاري في عدد محدود يتراوح بين عشرة وثلاثة عشر تاجراً أو شركةً بعد فحوصات أمنية صارمة دون نشر قوائم رسمية شفافة، بينما تضطلع شركات أخرى بدور وسيط التنسيق لا دور المستورد المتخصص.
ويضيف أنّ هذه الآلية تفتقر إلى معايير مهنية معلنة وشفافة، وتعتمد بشكل أساسي على التقييم الأمني الذي تجريه الجهات الإسرائيلية المختصة دون مشاركة فلسطينية رسمية أو معايير اقتصادية واضحة، مما أدّى إلى احتكار فعلي وافتقاد المنافسة الحرّة وفق ما تحدّث به عدد من التجار.
هذه الآلية بحسب شاهين، أدّت إلى ارتفاع الأسعار بنسب تتراوح بين 200 و500% مقارنةً بما كان عليه الحال قبل الحرب، مما عمّق الفقر والجوع وسوء التغذية وقلّص القدرة الشرائية للسكان وأرجع التجار الصغار إلى هامش السوق وفاقم الاعتماد على المساعدات وشلّ الدورة الاقتصادية الطبيعية.
بالنسبة للتاجر مؤمن (اسم مستعار إذ فضّل عدم الكشف عن اسمه)، آليات إدخال البضائع إلى قطاع غزة تثير تساؤلات كثيرةً، ولا تزال أشبه بـ"صندوق أسود" في ظلّ غياب الشفافية والإفصاح عن تفاصيلها والجهات المستفيدة منها.
فالمعطيات المتداولة بين المواطنين، بحسب ما يفيد، تشير إلى وجود تفاهمات بين أطراف فاعلة، تشمل إسرائيل وحركة حماس وبعض التجار، بجانب مجموعات تتولّى حماية البضائع ومرافقتها داخل القطاع، مقابل رسوم أو إتاوات تفرضها تلك الجهات.
في هذا السياق، يقول عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، وليد العوض، في حديثه إلى رصيف22، إنّ حصر إسرائيل تنسيق إدخال البضائع إلى قطاع غزة في عدد محدود من التجار يفتح الباب أمام الاحتكار والتلاعب بالأسعار، ويفاقم معاناة المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والفقر والجوع وسوء التغذية.
ويضيف: "عبر تحكّمه بالمعابر وحركة البضائع، يخلق الاحتلال بيئةً لنشوء شبكات مصالح واحتكار اقتصادي تتحكم بقوت المواطنين، وتحوّل الغذاء إلى وسيلة للربح والابتزاز والإخضاع".
والمسؤولية الأساسية، وفق ما يؤكد، "تقع على الاحتلال الذي يتحكّم في تنسيق دخول البضائع ويحصرها في عدد من التجار، مما يجعل السلع خاضعةً للاحتكار، الأمر الذي يجعل من هؤلاء أقرب إلى مافيا تجارية تتحكم في الأسعار وتجعل المواطن تحت رحمتهم".
ويستدرك بأنّ ذلك كله لا يعفي الجهات الفلسطينية من واجب التصدّي للتجار والمحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، ومنع استغلال معاناة المواطنين.
يقول شاهين، إنّ من يتحكمون بالتنسيقات نسمّيهم تجاراً حصريين مقبولين من إسرائيل من خلال حصر التصاريح في عدد محدود وفرض قيود صارمة على الأصناف والكميات وربط الاستيراد بمورّدين إسرائيليين محدّدين.
أما رئيس حزب وقائمة مسار جديد، سامر السنجلاوي، فيفيد بأنّ إنشاء نظام اقتصادي مغلق يراكم ثروات هائلةً في أيدي عدد محدود من الأشخاص قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً.
ويوضح في حديثه إلى رصيف22، أنه بدلاً من تمكين القطاع الخاص الفلسطيني الحقيقي، يتم إضعافه، وبدلاً من تشجيع الشفافية، تتم مكافأة الامتيازات الحصرية، وبدلاً من وضع الأسس اللازمة لإعادة إعمار غزة بعد الحرب، يجري خلق طبقة جديدة من المنتفعين الذين قد تصبح مصالحهم مرتبطةً باستمرار الاحتكار واستمرار حالة الفوضى.
بحسب السنجلاوي، يخلق ما سبق بيئةً احتكاريةً تسمح لشبكات وسيطة بالسيطرة على مسار الغذاء والسلع الأساسية وتحويلها إلى أداة ضغط اقتصادية على المواطن المطحون والنازح في غزّة الذي يعاني من أوضاع مأساوية.
والرسوم المفروضة تتفاوت حسب نوع الشحنة، ولا تدخل هذه المبالغ خزينةً رسميةً فلسطينيةً أو إسرائيليةً معلنة، وإنما تدفع عبر وسطاء ومنسقين في سلسلة معقدة خارج الأطر الرسمية مما يزيد من الغموض ويمنع الرقابة والمساءلة عليهم ويضرّ بالاقتصاد الوطني.
هذا الواقع يعكس سياسة هندسة اقتصادية تفرض قيوداً هيكليةً على الحركة التجارية وتستدعي مراجعةً دوليةً لضمان حرية التجارة والحق في الغذاء وفق المبادئ القانونية الدولية المعنية بحماية السكان المدنيين في ظلّ النزاعات.
"أيّ تاجر يرغب في إدخال بضاعته أصبح مضطراً إلى المرور عبر أحد هؤلاء الوسطاء" يقول السنجلاوي، ويؤكد أنّ العمولات التي يتقاضاها هؤلاء تتراوح بين 150 و400 ألف شيكل (أي بين 48 و129 ألف دولار أمريكي تقريباً) عن كلّ شاحنة، وفقاً لنوع البضاعة.
وإذا كانت هذه الأرقام صحيحةً، فإنّ أرباح كل واحد منهم قد تصل إلى نحو مليون شيكل (نحو 323 ألف دولار) يومياً، مقابل احتكار حق التنسيق والاستيراد.
وتتجاوز آثار هذا النظام، وفق السنجلاوي، تحقيق الأرباح الطائلة بكثير. فكل عمولة إضافية يتحملها التاجر تنعكس في النهاية على المواطن الفلسطيني في غزة. وترتفع أسعار المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء والوقود والسلع الأساسية الأخرى، في وقت يعيش فيه سكان القطاع واحدةً من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
عادت إلى صدارة المشهد في غزة قضية التنسيقات وإدخال البضائع إلى القطاع، بعد إعلان صادر عن وحدة التنسيق الحكومي في المناطق (COGAT)، في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، يفيد بأنّ تجار القطاع الخاص في غزة أعلنوا تعليق تنسيق دخول البضائع إلى القطاع حتى إشعار آخر، وذلك في أعقاب ما وصفه بآلية فرض ضرائب قسرية من قبل حماس وتصاعد التهديدات ضد التجار.
من جانب آخر، أفاد رئيس وحدة تنسيق أعمال الحكومة، اللواء يورام هاليفي، بأنّ التجار أبلغوا عن مطالبات من قبل حماس تصل إلى نحو 10،000 شيكل إسرائيلي (ما يعادل 3،260 دولاراً أمريكياً تقريباً)، لكل شاحنة.
وزعم هاليفي، أنّ حماس هدّدت التجار الذين يرفضون الدفع، وطالبتهم ببيع نحو 30% من البضائع نقداً للسيطرة على العائدات، مضيفاً أنّ هذه الممارسة تُخالف الشروط المنظمة للتجار المرخصين الذين يُلزمون بإجراء المعاملات عبر التحويلات المصرفية.
من جهته، نفى المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، مزاعم هاليفي، واتهم إسرائيل بترويج ادعاءات لتبرير استمرار القيود على دخول البضائع، متهماً إياها بشنّ "حملة تضليل" ومؤكداً عدم فرض أي ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية.
وأفاد المكتب بأنّ المبلغ الذي تحدث عنه هاليفي، يرتبط بـ"مبادرة مجتمعية اختيارية" تُخصص أموالها لدعم الأيتام والأرامل والأطفال والطلبة المحتاجين، بالإضافة إلى مشاريع الإيواء والصرف الصحي والإغاثة، موضحاً أنّ الإجراءات المتعلقة بالتعاملات النقدية بنسبة 30% جاءت لمعالجة النقص الحاد في السيولة وانتشار الأوراق النقدية المهترئة وتسهيل عمليات البيع والشراء، وبمبادرة من الغرفة التجارية وبالتوافق معها، وليست قراراً حكومياً أحادياً.
يطالب العوض، بتشكيل إطار وطني اقتصادي ورقابي، بمشاركة الغرف التجارية ومؤسسات حماية المستهلك، لمراقبة الأسعار وكشف الاحتكار وضمان عدالة توزيع السلع. كما يطالب الفصائل والعشائر والوجهاء بموقف موحد لحماية المواطنين، ورفض توفير أي غطاء سياسي أو اجتماعي للمحتكرين، ودعم المبادرات الشعبية والتعاونية.
ويضيف أنّ هذا الجشع والارتفاع الجنوني للأسعار في ظل حالة البطالة المتفشية وانعدام الدخل يجعلان من معركة لقمة الخبز ركيزةً أساسيةً من ركائز البقاء في مواجهة مخططات التهجير، لذلك فإنّ حماية لقمة عيش المواطن الفلسطيني تمثّل جزءاً أساسياً من معركة الصمود والبقاء على الأرض، ولا يجوز أن يتحول الجوع إلى تجارة، أو يصبح قوت الناس امتيازاً يمنحه تمنحه إسرائيل لمن تشاء.
أما التاجر مؤمن (اسم مستعار)، فيأسف لأنّ "الكل يسمع والكل يتحدث عندما تسمع أنّ سعر بعض السلع في غزة يصل عشرة أضعاف سعرها في الضفة الغربية، حتى الفواكه والخضروات المزروعة في غزة تباع بالطريقة نفسها".
ويروي أنه تجادل مع أحد التجار على سعر الجوافة والفلفل المزروعين في غزة، فقال له الأخير إنّ شتلات الفلفل تضاعف سعرها عشرات المرات وكذلك المبيدات وغيرها مما تحتاجه الزارعة. وحين سأله عن الجوافة تلعثم ولم يجِب.
بالنسبة له، لا حلّ للمشكلة إلا برفع الحصار، فهناك ضبابية حول هذا الموضوع، والحقيقة غائبة، وللأسف لا يوجد بين التجار أو حكومة حماس أو الجيش أو أي طرف آخر، من يصدق.
بالنسبة لرئيس جمعية رجال الأعمال في غزة، علي الحايك، اقتصاد غزة قادر على استعادة جزء مهم من قدرته، ولكن سرعة التعافي وحجمه يعتمدان على مدى توافر مقومات الإنتاج وفتح المجال أمام حركة التجارة.
ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "المطلوب ليس فقط أن تعود الشركات إلى ما كانت عليه، بل أن تتوفّر لها الظروف التي تمكّنها من الاستمرار والنمو والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر قدرةً على مواجهة الأزمات".
أما مهنا، فيطالب الجهات المعنية والمؤسسات الدولية بالضغط من أجل فتح المعابر التجارية بصورة كاملة ومنتظمة، وتسهيل إدخال البضائع والمواد الخام ومستلزمات التعافي وإعادة الإعمار، وضمان حرية الاستيراد والتصدير.
Loading ads...
وفي ظلّ غياب المعلومات الموثقة والرقابة الواضحة، يبقى المواطن الفلسطيني، ولا سيّما الفئات الفقيرة، المتضرّر الأكبر من تضخم تكاليف البضائع وارتفاع أسعارها، وسط أزمة إنسانية ومعيشية متفاقمة في غزة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





