في مايو/أيار 2026 فاز مشروع "كل العيون عليها" في متحف هورنيمان بلندن بجائزة "ميوزيم + هيريتج" (Museums + Heritage) لأفضل برنامج للمشاركة المجتمعية.
شارك في المشروع أكثر من 250 مصريا كمحاولة لتغيير علاقة المتحف بالمجتمعات التي جاءت منها مقتنياته، فبدلا من أن يروي المتحف الغربي قصة المصريين، شاركوا في تحديد الكيفية التي تُروى بها حكاية تراثهم.
لفهم ما حاول المشروع تغييره نحتاج للعودة إلى تاريخ خروج الآثار المصرية إلى متاحف العالم، وإلى الكيفية التي فُصلت بها مصر القديمة في كثير من السرديات المتحفية عن المصريين المعاصرين.
قدمت الكثير من المتاحف حضارة مصر القديمة داخل سردية أوسع عن نشأة الحضارة الغربية، فربطتها باليونان وروما، وبدت صلتها بالحقب القبطية والإسلامية وبالمصريين المعاصرين أقل حضورا.
يتجلى أثر ذلك التصنيف في بنية الكثير من المتاحف الكبرى مثل متحف المتروبوليتان حيث تعرض الآثار المصرية القديمة ومقتنيات الفن الإسلامي ضمن أقسام وطوابق مختلفة.
كما نشأ علم المصريات الحديث في سياق اتساع النفوذ الاستعماري الأوروبي في مصر. واحتفى التأريخ التقليدي للحقل بأسماء علماء غربيين مثل شامبليون وميرييت وماسبيرو، بينما حظيت إسهامات رواد مصريين، مثل رفاعة الطهطاوي وأحمد كمال، بحضور أقل.
في حديث خاص للجزيرة نت مع الباحثة المصرية د. هبة عبد الجواد، كبيرة أمناء الأنثروبولوجيا في متحف وحدائق هورنمان بلندن، نتناول هذه الإشكالية كما تحدثنا عن تجربتها في مشروع " كل العيون عليها".
وفقا لحديثها للجزيرة نت فإن هذه الإشكالية كانت من دوافعها المبكرة لدراسة المصريات: "شغلتني فكرة اختصار الولع بمصر في حضارتها القديمة، وهي رغم عظمتها مجرد طبقة واحدة من طبقات الإسهامات المصرية في مختلف العصور والمجالات."
كما لفت نظرها انعكاس ذلك على نظرة المصريين أنفسهم إلى تاريخهم إذ يقترن الفخر لدى كثيرين بالماضي الفرعوني بدرجة أكبر مما يقترن بالمراحل اللاحقة.
تكشف الأبحاث التي انطلق منها مشروع "آثار مصر المتغربة" أن مئات الحفريات التي أجرتها مؤسسات بريطانية في مصر، من ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى ثمانينيات القرن العشرين، انتهت إلى توزيع نسبة كبيرة من مكتشفاتها على نحو 350 متحفا في 27 دولة.
لكن المشكلة ليست في الولع الغربي الاستثنائي بالحضارة المصرية القديمة، وإنما في فصلها عما جاء بعدها لتبدو حسب تعبير د.هبة عبد الجواد حضارة "يتيمة" منفصلة عن المصريين الذين يعيشون اليوم على الأرض نفسها.
عادة ما يقود الحديث حول آثار الحقبة الاستعمارية إلى النقاش حول إعادة القطع إلى بلدانها الأصلية، وهو ما لا تقلل د. هبة عبد الجواد من أهميته لكنها ترى أن إعادة القطع لا تحسم السؤال المتعلق بمن يملك سلطة تفسيرها.
وتقول "لم يكن هدفي استرداد الآثار المادية، من المهم بالطبع أن يحدث ذلك إذا تم الاتفاق عليه، لكن لو استرددنا الآثار المادية بالسردية الحالية فسوف نسترد شكلا من أشكال الاستعمار المقنع".
بالنسبة لها تتعلق القضية بحق المجتمعات الأصلية في المشاركة في الإدارة واتخاذ القرار، والاعتراف بها طرفا أصيلا في تحديد كيفية التعامل مع تراثها.
وتلفت النظر إلى أهمية دور المصريين المعاصرين في إنتاج المعرفة، حيث لا تزال المؤسسات الغربية تعتمد على المعرفة الأكاديمية الغربية كمرجعية أساسية، بينما تحصل المعرفة المحلية على مساحة أقل.
وتشير في هذا السياق إلى مفردات في العامية المصرية وممارسات وطقوس يومية ترى أن بعضها يحتفظ بصلات ممتدة بالماضي المصري القديم، وهي معرفة متراكمة قد تساعد إلى جانب البحث الأكاديمي على طرح أسئلة مختلفة عن الماضي.
وتستعيد دعوات قديمة إلى تمصير علم المصريات، من بينها دعوات تنسبها إلى طه حسين ومحمد حسين هيكل، انطلاقا من أن الباحث المصري يمتلك معرفة باللغة والثقافة قد تتيح له قراءة جوانب من الماضي لا يدركها الباحث الخارجي بالطريقة نفسها.
خلال السنوات الأخيرة تزايد حضور مفردات مثل المشاركة المجتمعية ونزع الاستعمار في لغة المؤسسات الغربية لكن د. هبة عبد الجواد تبدي تحفظها على هذه اللغة "لدي إشكالية مع فكرة تفكيك الاستعمار فهو ليس مفهوما أصيلا لدينا وليس له مرادف عربي مباشر. ما لدينا هو مفهوم مناهضة الاستعمار لا تفكيكه."
ولا يتعلق تحفظها بالمفردة وحدها، في تصورها لا يكفي وجود باحثين وقيمين من دول الجنوب العالمي في المشاريع المتحفية إذا كان وجودهم مجرد تمثيل رمزي دون مشاركة حقيقية.
كما تلفت النظر إلى اختلاف خبرات أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين عن خبرة من يعيش داخل البلد ولا تزال آثار التجربة الاستعمارية حاضرة في مفردات حياته اليومية، مما يجعل التوازن بين هذه الأصوات ضروريا.
ومن هنا تصف بعض أشكال الخطاب الديكولونيالي بأنها أداء مؤسسي تمثيلي كي لا تواجه الدول ذات التاريخ الاستعماري آثار الاستعمار بشكل جذري . وتختصر الفارق بين التمثيل الشكلي والتغيير الحقيقي بتعبير عامي "من بره هلا هلا، ومن جوه يعلم الله".
في عام 2019، شاركت د. هبة عبد الجواد في تطوير مشروع آثارنا المتغربة، والذي كان امتدادا لأبحاث تتبعت خروج القطع الناتجة عن الحفريات البريطانية في مصر وتوزعها على مئات المتاحف حول العالم.
ومن هذا المسار تطور التعاون مع متحف هورنيمان وصولا إلى مشروع "كل العيون عليها"، الذي أعاد قراءة مقتنيات مصرية قديمة من خلال خبرات نساء مصريات معاصرات. حيث شاركت فيه مصريات من خلفيات مختلفة كما شارك فنانون وكتاب في تطوير النصوص المصرية للمشروع في ورشة ترجمة مجتمعية بالقاهرة، وكان الهدف عدم الاكتفاء بالترجمة المؤسسية أو الأكاديمية، ليصبح المشروع أول عرض ثنائي اللغة في "وورد غاليري" (World Gallery) يضع العامية المصرية والإنجليزية على قدم المساواة.
اختتمنا الحديث بسؤال حول تصور د. هبة عبد الجواد المثالي لو أتيح لها تصميم قاعة مصرية بالكامل من الصفر.
تحلم د. هبة عبد الجواد أن تدعو أشخاصا من مختلف المحافظات والمدن المصرية لسؤالهم عن الشكل المناسب للعرض بحيث يكتب الناس النصوص ويقررون القواعد. وتستحضر تجربة "الفرشة" في الأسواق المفتوحة، كمساحة تسمح للناس بالاقتراب من القطع وإقامة نقاش حقيقي معها.
لا تعني الفكرة، بالطبع، تحويل المتاحف حرفيا إلى أسواق مفتوحة، وإنما إعادة طرح سؤال حول الشكل المتعارف عليه للمتاحف، وهل طريقة تنظيم الأشياء والنظر إليها والتعامل معها محايدة أم أنها نتاج تاريخ وثقافة محددين؟
Loading ads...
من ناحية أخرى فهي تنتقد ما تصفه بثقافة "الأفندية" أو فصل الخبراء والأكاديميين عن بقية المجتمع. وتحلم بحوار تشارك فيه الأصوات من كافة المحافظات والطبقات المختلفة من مصر والشتات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





