ساعة واحدة
الدب يحارب والتنين يتعلم.. كيف تستعد بكين لحرب تايوان بسلاح الروس؟
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

في خندقٍ موحل يمتد بضعة أمتار، يظهر جنديان روسيان بأسلحتهما السوفيتية الصنع، يطلقان النار نحو الجهة المقابلة ثم يعودان للاحتماء. لا تمر دقائق حتى يتبدل المشهد تماما، فالجندي الأول ملقى على وجهه وقد فارق الحياة، والثاني جالس القرفصاء يرفع عينيه إلى السماء متوسلا. ومن زاوية التصوير نفهم بعد ذلك أن الجندي استسلم لمسيّرة يقودها جندي أوكراني بذراع تحكم ونظارة رؤية مباشرة.
دفع توسّل الجندي الروسي قائدَ المسيّرة إلى العفو عنه وإرشاده إلى حيث يتمركز الجنود الأوكرانيون ليسلّم نفسه لهم. وقد تكرر هذا المشهد مرات كثيرة خلال الأعوام الأربعة الماضية من الحرب الروسية الأوكرانية، ليدل على أن الحروب تتغير بتغير التكنولوجيا المستخدمة فيها، فقد تحولت هذه الحرب من حرب خنادق ووحدات مشاة ميكانيكية تقليدية تذكّر بالحرب العالمية الأولى إلى حرب أقرب إلى أفلام "حرب النجوم" الأميركية الشهيرة، وربما إلى الاثنتين معا في الوقت نفسه.
قبل مدة قصيرة، تحدث رجل الأعمال الأميركي إريك برينس، مؤسس شركة "بلاك ووتر" ومالكها السابق، إلى صحيفة فايننشال تايمز عن تطور تكنولوجيا الحروب عبر الزمن، بدءا من الرصاص، مرورا بالدبابات والطائرات، وكيف غيّر كل تطور تكنولوجي شكل الحروب والصراعات، ثم غيّر العالم نفسه في النهاية.
ويرى برينس أن النقلة التكنولوجية المقبلة ستأتي مع المسيّرات الرخيصة الدقيقة، فرحلته الأخيرة إلى أوكرانيا أطلعته على المستقبل، إذ باتت المسيّرات الأوكرانية، بحسب تعبيره، مسؤولة عن 70% من خسائر الروس على جبهات القتال، وصار الجنود الروس يستسلمون لروبوتات مسلحة، وهو ما كان يُعد ضربا من الخيال العلمي قبل عشر سنوات. ولبرينس مصلحة مباشرة في هذا القطاع، فقد سعى إلى الاستحواذ على شركات مسيّرات أوكرانية، بحسب صحيفة الغارديان، وتولى رئاسة مجلس إدارة شركة "سوارمر" الأوكرانية الناشئة المتخصصة في برمجيات المسيّرات ذاتية التشغيل.
وبينما تطوّر أوكرانيا القفزة التالية في تكنولوجيا الحروب في هذا القرن، يقول برينس إن هناك من يراقب هذا التطور ويريد نقل تلك التكنولوجيا العسكرية، قاصدا الصين، إذ قال: "الحرب الروسية الأوكرانية لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة، فلجيش التحرير الشعبي الصيني جنود هناك، وهم يتعلمون، ودورات المعرفة تتسارع بشدة".
تملك الصين عددا كبيرا من المعاهد التكنولوجية والبحثية الرائدة، لكن جيش التحرير الشعبي الصيني لم يخض حربا واحدة منذ الحرب الصينية الفيتنامية عام 1979، التي دامت قرابة شهر. ولهذا يسود قلق في الأوساط العسكرية الصينية من قدرة الجيش على مواجهة الأسلحة الغربية في صراع على تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، فتسعى بكين بكل السبل الدبلوماسية والاستخبارية إلى الحصول على تلك التكنولوجيا، وإلى تعلّم كيفية مواجهتها والتفوق عليها، حتى لا تُفاجأ في أرض المعركة.
إذن، ما التقنيات التي تسعى الصين إلى الحصول عليها؟ وكيف يمكنها أن تتكيف مع هذه التطورات المتسارعة؟
في يونيو/حزيران 2024، تحدث الأدميرال صامويل بابارو، قائد القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، عن تصور عسكري يُعرف باسم "هيلسكيب" (Hellscape)، أي "المشهد الجهنمي"، يقوم على إغراق مضيق تايوان بأنظمة غير مأهولة متنوعة، من مسيّرات جوية وزوارق مسيّرة وغواصات غير مأهولة، لصد أي هجوم أو إنزال صيني على شواطئ الجزيرة. وتعمل هذه الأنظمة بالتنسيق فيما بينها، بحيث تصمد أمام التشويش الإلكتروني، فتُغرق القوات الغازية وتعطل معداتها قرابة شهر، وهي مهلة كافية كي تتدارك البحرية الأميركية الموقف.
وبحسب تصور مركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS) لهذه الاستراتيجية، فهي تقوم على أربع طبقات. الطبقة الأولى بعيدة المدى، وتسمى "طبقة ما وراء الأفق الخارجي"، وتُستخدم فيها مسيّرات انتحارية ذاتية التوجيه يصل مداها إلى 300 كيلومتر، وزوارق انتحارية تحمل 180 كيلوغراما من المتفجرات، لإغراق السفن والمعدات الصينية وهي في مرحلة الحشد.
أما الطبقة الثانية، متوسطة المدى، فهي "الطبقة الموحلة"، وتُستخدم فيها ألغام بحرية من طراز "مانتا" (Manta) تزرعها زوارق مسيّرة، إلى جانب صواريخ أرض-جو متسكعة مصممة على طراز الصواريخ الإيرانية، لاستهداف القوات الصينية في منتصف المسافة إلى الجزيرة.
والطبقة الثالثة، قريبة المدى، هي "الطبقة الساحلية"، وتعتمد على مسيّرات الرؤية المباشرة (FPV) وصواريخ "هيلفاير" (Hellfire) من فئة "أطلق وانسَ"، لضرب سفن الإنزال حين تقترب من الساحل.
أما الطبقة الرابعة، "طبقة الشاطئ"، فتعتمد أساسا على المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية لاستهداف قوات المشاة بعد نزولها إلى الشاطئ، إضافة إلى مركبات برية غير مأهولة (UGV) مزودة برشاشات، مثل تلك التي تستخدمها القوات الأوكرانية على جبهات القتال، لصد القوات المتقدمة.
صُممت هذه الاستراتيجية بطبقاتها الأربع استنادا إلى مسرح العمليات الأوكراني، وإلى تقنيات ومعلومات تنقلها القوات الأوكرانية إلى الولايات المتحدة وحلفائها لتصل في النهاية إلى تايوان، فيُستفاد منها وتُطوَّر وتضاف إلى ترسانة الدفاع التايوانية. وأمام هذا التطور وجدت الصين نفسها في معضلة، فقدراتها العسكرية لم تُختبر بعد أمام تقنيات الحرب الحديثة، فلجأت هي الأخرى إلى الجبهة الأوكرانية لتعويض هذا النقص.
ويؤكد ذلك أولكسندر دانيليوك، الباحث المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) والمستشار السابق لوزير الدفاع الأوكراني، إذ يقول: "تدرك الصين أهمية المعرفة الروسية"، ويضيف: "الصينيون يعرفون بالفعل أن طبيعة الحرب آخذة في التغير، وإن أردت أن تكون مستعدا للحرب حقا، فعليك أن تتعلم ممن يملكون خبرة عملية".
وكان دانيليوك قد حلل، مع زميله في المعهد جاك واتلينغ، نحو 800 صفحة من العقود والمراسلات المسرّبة التي نشرتها مجموعة قرصنة تُدعى "القمر الأسود" (Black Moon)، وتوثّق، بحسب تحليلهما، موافقة موسكو على بيع جيش التحرير الشعبي الصيني معدات عسكرية بالغة الأهمية لأي عملية إنزال جوي مستقبلية، بل على تجهيز كتيبة محمولة جوا كاملة وتدريبها، بما يشمل قدرات لتسلل القوات الخاصة، إضافة إلى تدريب قوات صينية على أنظمة المظلات "دالنوليوت" (Dalnolyot) المصممة لإسقاط أحمال تصل إلى 190 كيلوغراما من ارتفاعات شاهقة.
وبحسب دانيليوك، تحتاج الصين إلى التكنولوجيا والخبرة العملية الروسية، وفي المقابل تمد روسيا يد العون للصين لحساباتها الخاصة، فهي تدفعها نحو غزو تايوان وتساعدها على امتلاك الإمكانات والتكنولوجيا اللازمة لهذه العملية، كي تصبح في النهاية موردا أساسيا للمواد الخام والطاقة، فتنتهي عزلتها.
نقلت مصادر استخبارية غربية لمجلة الإيكونوميست (The Economist) معلومات تفيد بأن جنودا صينيين يتدربون منذ عام 2024 في مجمع عسكري قرب مدينة فولغوغراد الروسية، يستخدمه بانتظام الجيش الثامن الروسي، أحد أبرز التشكيلات التي تقاتل في شرق أوكرانيا. وتلقى الجنود الصينيون هناك دورات تدريبية على يد نظرائهم الروس في استخدام المسيّرات في جبهات القتال المعقدة، وفي التشويش عليها وإسقاطها.
لقد حوّل دخول المسيّرات والروبوتات المسلحة إلى جبهات القتال ميدان الحرب تماما، ولهذا يهتم الجنود الصينيون بالتدرب على المهارات التقليدية في بيئة متبدلة بالكامل، مثل زراعة الألغام المضادة للأفراد والدبابات، ومهاجمة مقرات القيادة، والقتال في الخنادق، وغيرها من المهام التي تتدرب عليها الجيوش عادة، لكن التجربة الأوكرانية غيرتها تماما.
ولا يقتصر اهتمام الصين على البر، فهي تحرص، بحسب المجلة، على التعلم من تجربة البحرية الروسية في صد المسيّرات البحرية الأوكرانية في البحر الأسود، وهي تجربة سيئة في معظمها، وإن تحسنت مؤخرا. وفي السادس من يوليو/تموز الماضي، بدأ البلدان مناورات بحرية مشتركة قبالة الساحل الشرقي للصين، كانت الأولى بينهما التي تتناول استخدام المسيّرات ومواجهتها معا.
تنفي الصين كل هذه الادعاءات، سواء إرسالها جنودا للتدرب في روسيا أو استقبالها جنودا روسا للتدرب في معسكرات جيش التحرير الشعبي، لكن الواضح أنها تسعى إلى اكتساب بعض الخبرات والإمكانات الروسية التي تطورت في أوكرانيا، مثل خبرة التعامل مع منظومة "هايمارس" (HIMARS).
أدخل الجيش الأوكراني منظومة هايمارس الخدمة عام 2022، وهي منظومة صاروخية متنقلة تتكون من حاوية صواريخ مثبتة على شاحنة، تحمل ستة صواريخ موجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، يصل مدى الواحد منها إلى نحو 70 إلى 80 كيلومترا. ويمكن أن تُطلق الصواريخ كلها دفعة واحدة، ثم تتحرك الشاحنة وتختفي قبل رصدها. كما يمكن أن تحمل، بدلا منها، صاروخا واحدا أبعد مدى وأكبر قدرة تفجيرية، مثل "أتاكمز" (ATACMS) الذي يصل مداه إلى 300 كيلومتر.
وقد تعاقدت تايوان على 29 منصة هايمارس في مرحلة أولى، ثم وافقت واشنطن في ديسمبر/كانون الأول 2025 على بيعها 82 منصة إضافية و420 صاروخ "أتاكمز"، ليبلغ مجموع ما ستملكه 111 منصة، بعدما أثبتت المنظومة كفاءتها على الجبهة الأوكرانية. وجُهزت هذه المنصات لاستهداف نقاط تجمع جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) داخل الأراضي الصينية، أي أنها تقع في نطاق الطبقة الأولى من استراتيجية "هيلسكيب"، وسيُعتمد عليها أساسا.
وبحسب تحليل لمجلة "ذا ديبلومات" (The Diplomat) اطلعت فيه على دراسة عسكرية صينية متخصصة صادرة عن جهة تابعة لهيئة بناء السفن الصينية، فإن الصين جمعت معلومات من الجبهة وحللتها لتقف على أسباب كفاءة المنظومة وفشل الروس في التصدي لها في البداية، فوجدت أن العجز الروسي يرجع إلى الفشل في الربط بين استطلاع الجبهات والضربات الموجهة. وانتهت الدراسة إلى أن إغراق مناطق تمركز القوات بالمسيّرات وتحقيق الهيمنة الجوية يتيحان رسم صورة دقيقة للجبهة وتحديد مواقع وحدات الإطلاق، عبر المراقبة النشطة وجمع المعلومات وتحليلها، ثم التشويش على أنظمة التوجيه أو استهداف المنصات قبل الإطلاق.
وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد أيام من إعلان صفقة الأسلحة الأميركية لتايوان، أجرى الجيش الصيني مناورات "مهمة العدالة 2025" حول الجزيرة، وتدربت قواته خلالها على تكتيكات تحييد منظومة هايمارس، عبر الجمع بين مراقبة الأقمار الصناعية ومسيّرات الاستطلاع لاكتشاف الوحدات الصاروخية في محاكاة كاملة للمنظومة التايوانية، ثم تدميرها قبل أن تتمكن من الإطلاق.
وبحسب تقرير الإيكونوميست، تبدي الصين اهتماما متزايدا بمركز "روبيكون" (Rubicon) للمسيّرات، وهو مركز روسي تابع لوزارة الدفاع يعمل على تصنيع التقنيات غير المأهولة وتشغيلها، كالمسيّرات والروبوتات المسلحة وأنظمة التشويش. وقد أُنشئ المركز عام 2024 ليجمع شبكات لا مركزية من الوحدات والفرق والمتطوعين، يصل عدد منتسبيها إلى 5000 من الجنود والمهندسين والفنيين الذين يشغّلون المسيّرات على الجبهة الأوكرانية، فينسق بينهم ويوفر لهم القطع والرقائق الإلكترونية لمواصلة عملهم، ويدرب فرقا أخرى، ويضع استراتيجية واضحة للعمل.
ومنذ تأسيس مركز روبيكون بدأت ملامح الاستراتيجية الجديدة تظهر، فخلال عام واحد بدأ استهداف مشغلي المسيّرات الأوكرانية وأنظمة الحرب الإلكترونية (EW) وخطوط الإمداد واللوجستيات على عمق يتراوح بين 10 و40 كيلومترا داخل المناطق الأوكرانية. ثم أسهم المركز في تطوير المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، التي ساعدت الروس على استعادة الأجزاء التي توغلت فيها القوات الأوكرانية من مقاطعة كورسك الروسية.
وتستند هذه الاستفادة إلى تعاون أكاديمي قائم بين البلدين، إذ يرتبط معهد موسكو للطيران، أبرز المؤسسات الروسية في تكنولوجيا الطيران والمسيّرات، بشراكات مع جامعات صينية، أبرزها جامعة بيهانغ التي تتصدر أبحاث الطيران والفضاء في الصين وتعمل على إنتاج المسيّرات وتقنيات أسرابها، بحسب تقرير لإذاعة أوروبا الحرة استند إلى بحث لمعهد السياسات الاستراتيجية الأسترالي (ASPI).
من جانب آخر، أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تعريف العقيدة العسكرية الصينية. فقد تبنى جيش التحرير الشعبي استراتيجية "الحرب الهجينة" (Hybrid War) على نحو يقارب استراتيجية الجيش الروسي نفسه، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا عام 2022، فتعثر الجيش الروسي في حسمها، بل تكبد خسائر فادحة في المعدات والأفراد تُقدَّر بمئات الآلاف بين قتيل وجريح. ودفع ذلك الجيش الصيني إلى تطوير فهمه لـ"الحرب الهجينة"، فلم تعد في نظره حربا خاطفة (Blitzkrieg) تُخاض بوسائل غير مألوفة دون استعداد لتلقي خسائر كبيرة، وصارت مزيجا من الحرب التقليدية بكل أدواتها وتقنياتها، والوسائل غير المألوفة متعددة الاستخدامات، كالمسيّرات والروبوتات والحروب السيبرانية والفضائية وغيرها، على أن تعمل كل هذه الوسائل تحت مظلة الردع النووي.
لذلك لم تكتفِ الصين بالسعي إلى تكنولوجيا الجبهة الأوكرانية الحديثة، فقد سعت أيضا إلى تطوير ترسانتها العسكرية التقليدية لتضاهي ما تملكه الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى، وفي مقدمة ما سعت إلى تطويره أسطول غواصاتها.
تضم الترسانة الصينية طرازات متنوعة من الغواصات، بعضها روسي الصنع، وبعضها أُنتج محليا خلال العقدين الماضيين. وبحسب تقديرات البنتاغون عام 2025، تملك الصين 6 غواصات من فئة SSBN، وهي غواصات تعمل بالطاقة النووية وتحمل صواريخ باليستية، و6 غواصات هجومية نووية من فئة SSN، وقرابة 48 غواصة تقليدية تعمل بالديزل، ليكون الأسطول الصيني من أكبر أساطيل الغواصات في العالم عددا، بنحو 60 غواصة.
ويرى الخبير في الشؤون العسكرية الصينية لايل غولدستين أن اهتمام الصين ببناء عدد كبير من غواصات الديزل جاء خصيصا لمنع أي خصم من دخول منطقة العمليات قبالة سواحلها أو تقييد حركته فيها، فغواصات الديزل تعمل في النطاق القريب لأنها بطيئة وتضطر دوريا إلى الصعود قرب السطح لشحن بطارياتها، ما يحد من مداها العملياتي، في مقابل الأسطول الأميركي المكون من نحو 70 غواصة نووية يمكنها العمل حول العالم دون عائق.
لكن يبدو أن الاهتمام ببناء هذا النوع من الغواصات قد تراجع، فبحسب التقرير السنوي لموقع نيفال نيوز (Naval News)، انخفضت معدلات بناء الغواصات التقليدية بشكل ملحوظ.
وفي جلسة استماع عقدتها لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية التابعة للكونغرس في مارس/آذار الماضي، قال الأدميرال مايك بروكس، قائد مكتب الاستخبارات البحرية الأميركية، إن لدى الصين برنامجا صناعيا قد يرفع عدد غواصاتها بحلول عام 2035 إلى نحو 80 غواصة، نصفها يعمل بالطاقة النووية، وإنها بحلول عام 2040 قد تصبح قادرة على تحدي الهيمنة الأميركية تحت الماء، لا سيما حول الجزر والموانئ الأميركية القريبة من تايوان. وستتمكن الغواصات الهجومية النووية الصينية من الإبحار بحرية تبلغ بها المحيط الهندي والقطب الشمالي، بتكنولوجيا متقدمة جدا مقارنة بما تملكه الصين اليوم، خصوصا في تصميم المفاعل النووي، وأداء المستشعرات، ودمج الأسلحة، وتقنيات إخفاء الضوضاء.
وكي تصل الصين إلى هذه التقنيات، فهي بحاجة إلى خبرة من يتفوقون عليها في بناء الغواصات، وهي خبرة متوفرة لدى روسيا، التي تقترب قدرات غواصاتها من قدرات الغواصات الأميركية والبريطانية والفرنسية المتقدمة.
تملك روسيا فئة من الغواصات تُعرف باسم "أكولا" (Akula Class – Project 971)، وهي غواصة هجومية نووية (SSN) سوفيتية الأصل دخلت الخدمة في منتصف الثمانينيات، وجعلت أسطول الغواصات السوفيتي ندا لنظيره الأميركي، خصوصا في قدرته على التخفي وإخفاء الضوضاء في أعماق المحيطات، ما منحها هامشا واسعا في المناورة وتنفيذ العمليات الهجومية.
تستطيع الغواصة بلوغ أعماق تقارب 600 متر، وتتجاوز سرعتها 30 عقدة، وتعمل اليوم جنبا إلى جنب مع أحدث طرازات الغواصات الروسية على الإطلاق، "فئة ياسن".
وكان الأدميرال صامويل بابارو قد توقع، في منتدى هاليفاكس للأمن الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أن تزود روسيا الصين بتقنيات للغواصات قد تنهي التفوق الأميركي تحت الماء. وفي شهادته أمام لجنة الكونغرس، قال بروكس إن الجيل الجديد من الغواصات الصينية، أي الطراز 095 الهجومي النووي والطراز 096 الحامل للصواريخ الباليستية، يُنتظر أن يدخل الخدمة بين أواخر العقد الحالي وثلاثينيات هذا القرن، مع تطور كبير في تقنيات إخفاء الضوضاء، وهو مجال لا تزال روسيا تتقدم فيه على الصين.
ويعتقد محللون غربيون، بحسب الإيكونوميست، أن التعاون بين البلدين يمتد إلى تصميم الطوربيدات والحرب المضادة للغواصات، وهو مجال تملك فيه روسيا بيانات جمعتها على مدى عقود عن البصمات الصوتية للغواصات الأميركية.
حصلت صحيفة نيويورك تايمز على وثيقة مسربة من جهاز الأمن الفدرالي الروسي (FSB)، سربتها مجموعة قرصنة تُدعى "آريس ليكس" (Ares Leaks). وتتألف الوثيقة من ثماني صفحات بلا تاريخ محدد، فأرسلتها الصحيفة إلى ست وكالات استخبارات غربية للتأكد من صحتها، فأكدت جميعها أنها أصلية وأنها كُتبت بين عامي 2023 و2024.
وتكشف الوثيقة جانبا خفيا من العلاقة بين روسيا والصين بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. ففي العلن، بينما فُرضت على روسيا مئات العقوبات وعُزلت بنوكها عن نظام التحويلات المالية العالمي "سويفت" (SWIFT)، وفرت لها الصين سوقا بديلة لبيع مواردها من الطاقة والمواد الخام، وشجعت الشركات الصينية على العمل والاستثمار فيها، بل زودتها بالتكنولوجيا والرقائق الإلكترونية التي تحتاجها لتطوير أسلحتها، عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية للالتفاف على العقوبات.
لكن الوثيقة تقدم صورة مختلفة، إذ تُظهر الصين مصدر تهديد، فأجهزة الاستخبارات الصينية تعمل على تجنيد ضباط ومهندسين وفنيين روس، للحصول على تقنيات حديثة استخدمتها روسيا في الحرب الأوكرانية، إضافة إلى قدرات عسكرية تقليدية لا ترغب موسكو في مشاركتها مع بكين خشية أن تهدد تفوقها العسكري.
ومن هذه التقنيات العسكرية مركبة "الإكرانوبلان" (Ekranoplan)، إذ يوضح التقرير أن الاستخبارات الصينية تسعى إلى تجنيد علماء روس متخصصين في أنظمة التحكم وديناميكا الهواء وغيرها من التخصصات الهندسية المرتبطة بهذا القطاع، وتعطي الأولوية لكل العاملين في مصانع الطائرات ومعاهد البحوث المرتبطين بمشروع الإكرانوبلان، خصوصا الغاضبين من إلغائه، ومن يشعرون بعدم الرضا أو يواجهون ضائقة مالية. فما الإكرانوبلان؟ ولماذا يهم الصين؟
تبنى الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي، خلال الحرب الباردة، مشروعا طموحا لبناء مركبة هجينة تعمل إلى جانب الأسطول البحري، وتنقل الجنود والمعدات بسرعة بعيدا عن أعين الرادار. وقاد المشروع المهندس روستيسلاف ألكسييف، الذي صمم عام 1972 نموذج النقل "أورليونوك" القادر على حمل الجنود وآلياتهم.
ثم طوّر السوفيت طرازا هجوميا عُرف باسم "لون" (Project 903)، حمل على ظهره ست منصات لصواريخ "موسكيت" المضادة للسفن، وبلغت سرعته نحو 500 كيلومتر في الساعة، ودخل الخدمة في البحرية السوفيتية عام 1987، قبل أن يتوقف المشروع مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.
ويشتهر الإكرانوبلان بلقب "وحش بحر قزوين"، وهو مركبة هجينة بين الطائرة والسفينة، تعمل بمبدأ في الديناميكا الهوائية يُعرف بـ"التأثير السطحي"، وهو ما يمكّن مركبة بوزن 380 طنا، مثل "لون"، من الطيران على ارتفاع بضعة أمتار فوق سطح الماء، فيصعب رصدها.
وإذا نجحت الصين في الحصول على نموذج أولي من الإكرانوبلان، وعلى عدد من الخبراء الروس لتطويره، فقد تتمكن من تقديم مركبة قادرة على التحليق فوق بحر الصين دون أن تُكتشف، تنقل الجنود والمعدات إلى الجزر الاصطناعية التي تبنيها في بحر الصين الجنوبي، بل تساعد في غزو تايوان نفسها إذا اندلعت الحرب.
ويرى جاستن برونك، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن لدى الصين رغبة في تمويل واختبار حلول تكنولوجية عديدة لمشكلات عسكرية متنوعة، قد ينجح بعضها على نحو غير متوقع، مهما بدت هذه الحلول غريبة، مثل هذه المركبة الروسية.
تقاربت العلاقات الصينية الروسية بسرعة منذ اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، ووُجه إلى الصين بسبب هذا التقارب نوعان من الاتهامات، تعاملت معهما بطريقتين مختلفتين تماما.
يتمحور الاتهام الأول حول تقديم الصين دعما عسكريا وتكنولوجيا لروسيا ساعدها في حربها على أوكرانيا. فبحسب رئيس جهاز الاستخبارات الأوكرانية، جاء 80% من المكونات الإلكترونية المستخدمة في المسيّرات الروسية من الصين، وبحسب تقييم أميركي نُشر عام 2024، جاء نحو 90% من واردات روسيا من الإلكترونيات الدقيقة من مصادر صينية، واستخدمها الجيش الروسي في تصنيع الصواريخ والدبابات والطائرات، بعدما عجزت روسيا عن استيرادها بسبب العقوبات التجارية المفروضة عليها.
وتتعامل الصين مع هذه الاتهامات بطريقة ثابتة، فهي ترفضها كلها وتعدها كاذبة. ففي جلسة لمجلس الأمن في يوليو/تموز 2025، قال نائب المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة غينغ شوانغ إن "هذه الروايات كاذبة وتشهيرية وغير مقبولة". وترفق بكين النفي عادة بخطاب أخلاقي رسمي تدعو فيه إلى تعزيز محادثات السلام ووقف إطلاق النار، وتعده موقفا دوليا ثابتا من الأزمة الأوكرانية.
أما الاتهام الثاني فيتعلق بنقل الصين التكنولوجيا والخبرات العملية من روسيا ومن جبهة القتال في أوكرانيا، وهنا تلتزم الصمت وتتجاهل، أو تكتفي بنفي مقتضب. فحين سُئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غوو جياكون عن أدلة تفيد باستعداد الصين لإرسال 600 جندي إلى روسيا للتدرب على مواجهة الأسلحة الغربية وتكتيكاتها والتفوق عليها، جاء رده: "ليس لدي أي معلومات أشاركها".
وكذلك الحال مع تحقيق وكالة رويترز، الذي اطلعت فيه على وثائق تفيد بأن الجيش الصيني درّب سرا نحو 200 عسكري روسي في منشآت عسكرية في بكين ونانجينغ أواخر عام 2025، وأن بعضهم عاد إلى الجبهة في أوكرانيا وشارك في عمليات قتالية بالمسيّرات في القرم وزابوريجيا. ويرى مسؤولو الاستخبارات الذين تحدثوا إلى الوكالة أن التبادل يسير في الاتجاهين، فروسيا تقدم خبرة القتال، والصين تقدم صناعة مسيّرات متينة وأساليب تدريب متقدمة كأجهزة محاكاة الطيران. ولم ترد وزارة الدفاع الصينية على أسئلة رويترز، واكتفت الخارجية الصينية بالتأكيد على موقف بكين "الموضوعي والمحايد" من الصراع.
ولم يبق الاتهام في حدود التسريبات، ففي 16 يونيو/حزيران الماضي اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الصين بتدريب جنود روس للحرب على أوكرانيا.
وفي هذا النوع الثاني من الاتهامات، المتعلق بتبادل الخبرات والتدريب والتكنولوجيا، تتبع الصين شكلا من الصمت المحسوب أو التجاهل، فهي لا تنفي ما تعده حقا سياديا لها، سواء في تدريب جيشها أو في استعادة تايوان، التي تعدها جزءا أصيلا من أراضيها وفق مبدأ "الصين الواحدة".
وفي مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، صار هذا التعلّم أقرب إلى العلن من أي وقت مضى. فقد شارك أكثر من 47 ألف عسكري في مناورات "تسنتر 2026" (الوسط 2026) في ميدان تشيباركول للتدريب بمقاطعة تشيليابينسك جنوب جبال الأورال، بمشاركة قوات من بيلاروسيا وقرغيزستان وطاجيكستان، إلى جانب قوات من الصين ومنغوليا وباكستان. وقالت موسكو إن المناورات بُنيت على دروس الحرب في أوكرانيا، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها نشرت فيها أكثر من 500 مسيّرة وأكثر من 50 منظومة روبوتية، وحضر الرئيس فلاديمير بوتين مرحلتها الأخيرة في الثاني من الشهر.
وبحسب تقرير نُشر في أكتوبر/تشرين الأول الجاري، درّبت روسيا القوات الصينية على استخدام المسيّرات النفاثة التي تقصف بها أوكرانيا. فقد ذكرت وسائل إعلام صينية أن المعدات المعروضة شملت مسيّرتي "غيران-4" و"غيران-5″، وهما نسختان مطورتان من مسيّرة "شاهد" الإيرانية التصميم، تستخدمهما روسيا في ضرب الجسور وشبكة الكهرباء ومراكز البيانات في كييف. وتتجاوز سرعة النسختين النفاثتين 480 كيلومترا في الساعة، فيصعب إسقاطهما أكثر بكثير من نسخ "شاهد" المروحية التي تطلقها روسيا على أوكرانيا منذ عام 2022. ودارت التدريبات حول أسراب مسيّرات تزوّد القوات البرية بمعلومات الأهداف، بينما تضرب المسيّرات والمروحيات والمركبات الروبوتية مواقع أمامية افتراضية، وظل الجنود المشاركون كلهم متمركزين تحت الأرض تجنبا لضربات المسيّرات.
أما صحيفة جيش التحرير الشعبي اليومية فقالت إن المناورات ساعدت على "تحسين قدرات العمل المشترك"، وأتاحت للجيش الصيني اختبار امتداده اللوجستي وتنسيق أسلحته المشتركة في أرض لا يعرفها. وتشبه هذه الصيغة الهادئة ما تفعله بكين مع كل الاتهامات السابقة، فهي لا تنكر التدريب، ولا تقول ما تعلمته منه.
Loading ads...
لكن ما يتعلمه الجيش الصيني في الأورال وُلد على جبهة برية تتقدم فيها القوات بالأمتار. والحرب على تايوان، إن وقعت، تبدأ بعبور مضيق بحري تنتظر فيه الصين نسخة تايوانية وأميركية من الجبهة الأوكرانية نفسها، بمسيّراتها وألغامها البحرية. ولهذا يبقى السؤال الذي يشغل بكين هو أي الدرسين ستتعلمه أسرع، درس المهاجم الروسي أم درس المدافع الأوكراني.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




