39 دقائق
من "الذكاء الاصطناعي" إلى "الذكاء الفائق".. ماذا يعني اقتراح ترمب؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
ماذا لو لم يعد اسم "الذكاء الاصطناعي" مناسبا -بحسب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب– لما تفعله هذه التكنولوجيا؟ في الأمم المتحدة، لم يكتف ترمب بالحديث عن صعود الذكاء الاصطناعي، بل اقترح تغيير اسمه في الوثائق الأمريكية إلى اسم أكثر طموحا "الذكاء الفائق".
لكن المفارقة أن المصطلح الذي اختاره ترمب ليس مجرد صياغة أكثر إيجابية للذكاء الاصطناعي. ففي عالم التكنولوجيا، يحمل "الذكاء الفائق" معنى تقنيا مختلفا: نظام ذكاء اصطناعي افتراضي يتجاوز البشر في نطاق واسع من القدرات المعرفية.
خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الثلاثاء، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستشير إلى الذكاء الاصطناعي باسم "الذكاء الفائق" في الوثائق الأمريكية.
ووفق ما نقلته "يو إس إيه توداي"، برر ترمب اختياره بالقول إن استخدام كلمة "اصطناعي" (Artificial) يجعل الذكاء يبدو "زائفا" (Fake)، مضيفا أن هذه التكنولوجيا "ليست زائفة" بل "مذهلة"، مع تحذيره في الوقت نفسه من ضرورة التعامل معها بحذر.
ولم يكن اقتراح الاسم وليد خطاب الأمم المتحدة وحده، فوفقا للصحيفة، كان ترمب قد طرح قبل ذلك خيارات أخرى لتغيير الاسم، من بينها "الذكاء السامي" (Superior Intelligence) و"الذكاء الخارق" (Extreme Intelligence) و"الذكاء العالي" (Supreme Intelligence)، قبل أن يستقر في خطابه على تعبير "الذكاء الفائق" (Superintelligence).
وهكذا، يبدو التغيير بالنسبة إلى ترمب محاولة للتعبير عن نظرته إلى التكنولوجيا: ذكاء حقيقي ومثير للإعجاب، وليس شيئا "اصطناعيا" بالمعنى الذي قد توحي به الكلمة.
لكن بالنسبة إلى المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، تظهر مشكلة أخرى في الاسم.
توضح منصة "كورسيرا" التعليمية، في شرحها لمفهوم "Superintelligence"، أن "الذكاء الفائق" شكل نظري من الذكاء الاصطناعي غير موجود حاليا.
كورسيرا: الذكاء الفائق هو حتى الآن مرحلة افتراضية تصبح فيها الأنظمة أكثر قدرة من البشر في نطاق واسع من المهام والقدرات المعرفية.
فالذكاء الاصطناعي موجود بالفعل ويُستخدم في تطبيقات كثيرة، بينما يشير الذكاء الفائق -حتى الآن- إلى مرحلة افتراضية تصبح فيها الأنظمة أكثر قدرة من البشر في نطاق واسع من المهام والقدرات المعرفية.
وبحسب هذا الاستخدام التقني، يمكن للذكاء الفائق أن يتجاوز القدرات البشرية في السرعة والاستدلال والمعرفة وحل المشكلات.
لذلك، فإن الفرق بين المصطلحين ليس لغويا فقط.
وفي تدوينة له نُشرت عام 2024، كتب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي "من الممكن أن نصل إلى الذكاء الخارق في غضون بضعة آلاف من الأيام، قد يستغرق الأمر وقتا أطول، لكنني واثق من أننا سنحقق ذلك".
وبعد عام، صرّح ألتمان لموقع بوليتيكو بأنه يتوقع تحقيق الذكاء الخارق بحلول نهاية العقد.
وقال ألتمان "أعتقد أنه في غضون عامين آخرين، سيصبح من الممكن جدا للذكاء الاصطناعي أن يحقق -على سبيل المثال- اكتشافات علمية لا يستطيع البشر تحقيقها بمفردهم". وبالنسبة إليه، فقد يبدأ هذا المستوى من القدرات في الوصول إلى ما يمكن أن يُطلَق عليه بحق اسم "الذكاء الخارق".
هنا تكمن المفارقة في اقتراح ترمب.
فحين يقول الرئيس الأمريكي "الذكاء الفائق"، فهو يستخدم المصطلح اسما بديلا للذكاء الاصطناعي الموجود حاليا. أما في الاستخدام التقني، فإن الذكاء الفائق يشير إلى مرحلة مستقبلية محتملة قد يصل إليها الذكاء الاصطناعي، وليس إلى كل ما يُسمى ذكاء اصطناعيا اليوم.
ويكتسب هذا الفارق أهمية أكبر مع انتقال النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي من التطبيقات الحالية إلى الأنظمة الأكثر تقدما.
وفي تقرير حديث لـ"بيزنس إنسايدر" عن تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وصفت الصحيفة سباق شركات التقنية بأنه يتجه نحو نماذج أكثر قدرة، مع انتقال النقاش داخل إدارة ترمب إلى قضايا تتعلق بالأمن القومي والبنية التحتية الحيوية وكيفية التعامل مع ما تسميه الصناعة "Frontier AI"، أي الأنظمة الموجودة عند الحدود المتقدمة للتطور التقني.
مسؤولون أمريكيون: الحكومة بدأت تنظر إلى بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة ليس فقط باعتبارها منتجات تكنولوجية، بل أيضا بوصفها مصدرا محتملا لمخاطر أمنية
ويعرض التقرير نقاشا داخل الإدارة الأمريكية بين السماح بالتطور السريع للتكنولوجيا والتعامل مع المخاطر المحتملة التي قد ترافق أنظمة أكثر قدرة.
وتنقل بيزنس إنسايدر عن مسؤولين ومشاركين في تلك النقاشات أن الحكومة بدأت تنظر إلى بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة ليس فقط باعتبارها منتجات تكنولوجية، بل أيضا بوصفها مصدرا محتملا لمخاطر أمنية.
هنا تظهر كلمة "Superintelligence" مرة أخرى، ولكن في سياق مختلف تماما عن إعادة التسمية.
فقد نشرت بيزنس إنسايدر تقريرا عن الجدل المتعلق بإمكانية استخدام ما يُسمى "مفتاح إيقاف" للسيطرة على أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة القدرة، ونقلت عن عالم الحاسوب جيفري هينتون تشكيكه في أن يكون هذا الحل كافيا على المدى الطويل.
وبحسب التصور الذي عرضه هينتون، قد يتمكن نظام يفوق البشر في الذكاء من التأثير في الأشخاص المسؤولين عن إيقافه.
هينتون: قد يتمكن نظام يفوق البشر في الذكاء من التأثير في الأشخاص المسؤولين عن إيقافه
كما نقل التقرير عن باحثين في سلامة الذكاء الاصطناعي أن إيقاف النظام قد يكون مجرد طبقة واحدة ضمن منظومة أوسع للحماية، وأن فاعلية هذا الإجراء قد تعتمد على مدى ارتباط النظام بالبنية التحتية وقدرته على النسخ أو الانتشار أو الوصول إلى أنظمة أخرى.
وهذا يوضح لماذا يحمل مصطلح "الذكاء الفائق" دلالة أكبر بكثير من مجرد وصف دعائي.
يمكن، وفقا لهذا الجدل، قراءة اقتراح ترمب من زاويتين.
الأولى لغوية وسياسية: التخلص من كلمة "Artificial" لأنها، بحسب تفسيره، توحي بأن الذكاء غير حقيقي، واستبدال تعبير يراه أكثر إيجابية بها.
والثانية تقنية: كلمة "Superintelligence" مستخدمة أصلا في النقاش العلمي والتكنولوجي للإشارة إلى ذكاء اصطناعي يتجاوز القدرات البشرية، وهو مستوى لم يتحقق بعد.
ومن هذه الزاوية، فإن اقتراح تغيير الاسم لا يغيّر التكنولوجيا نفسها، لكنه يغيّر الإطار اللغوي الذي تُقدَّم من خلاله.
فالقول "ذكاء اصطناعي" يصف تقنية موجودة، متفاوتة القدرات، وتُستخدم اليوم في عدد كبير من التطبيقات.
أما القول "ذكاء فائق"، فيستحضر مباشرة السؤال عن المرحلة التالية: هل يمكن للآلات أن تتجاوز الإنسان، ليس في مهمة واحدة، وإنما في مجموعة واسعة من القدرات التي ارتبطت تاريخيا بالعقل البشري؟
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى خلافا على المصطلحات، لكن اختيار كلمة واحدة يكشف اختلافا أوسع في طريقة النظر إلى التكنولوجيا.
ترمب يتحدث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة حقيقية ومذهلة ينبغي للولايات المتحدة أن تتعامل معها بحذر.
وفي المقابل، يستخدم الباحثون والشركات مصطلح "الذكاء الفائق" في نقاش مختلف يتعلق بمرحلة مستقبلية محتملة، وبالقدرات التي قد تظهر إذا تجاوزت الأنظمة الذكاء البشري على نطاق واسع.
ولهذا، فإن السؤال الذي يتركه اقتراح ترمب ليس فقط: هل سيُسمى الذكاء الاصطناعي "الذكاء الفائق" في الوثائق الأمريكية؟
السؤال الأهم هو: ماذا سيحدث عندما يصبح اسم مرحلة مستقبلية محتملة هو الاسم المستخدم لوصف التكنولوجيا الموجودة أمامنا اليوم؟
في تلك الحالة، لا تعود المسألة مجرد تغيير في القاموس، بل تصبح أيضا طريقة لتحديد سقف التوقعات من التكنولوجيا، وطريقة لوصف المرحلة التي يعتقد البعض أن سباق الذكاء الاصطناعي يتجه إليها.
Loading ads...
وفي عالم تتطور فيه قدرات النماذج بسرعة، قد تكون المعركة على الاسم أقل أهمية من السؤال الذي يقف خلفه: هل نحن أمام ذكاء اصطناعي يتطور، أم أمام الطريق إلى نوع مختلف تماما من الذكاء؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




