4 أيام
محتوى أكثر من اللازم.. هل بدأ الجمهور يتعب من الذكاء الاصطناعي؟
الخميس، 29 أكتوبر 2026

صورة تعبيرية عن الإرهاق أثناء استخدام الأجهزة الرقمية، ولا توثق حالة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي - غيتي
تربط دراسات حديثة الشعور بكثافة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي بالإرهاق وتراجع الرغبة في مشاهدته، مع دور لجودة المقاطع ووضوح مصدرها وتنوع التوصيات.
إنتاج أسرع ومقاطع أكثر.. لكن ماذا يحدث عندما يعرف المشاهد أن ما يراه مصنوع بالذكاء الاصطناعي؟
في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو يظهر فيه وهو يصارع نمرًا بطريقة استعراضية، قبل أن ينتهي المشهد بتعانقهما، على أنغام أغنية "The Lion Sleeps Tonight".
المقطع الذي أثار انتقادات أُنتج بالذكاء الاصطناعي، وجاء بعد وفاة شاب بريطاني إثر هجوم نمر في متنزه يوركشاير للحياة البرية. وكان ترمب قد نشر أيضًا تسجيلًا للهجوم الحقيقي، ما استدعى من عائلة الضحية دعوة إلى وقف تداول المحتوى الذي قالت إنه يسبب لها ضيقًا شديدًا.
تتجاوز دلالة هذه الواقعة تصرف ترمب، لتسلط الضوء على تحوّل في بيئة التواصل الرقمي، حيث يتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي لجذب الانتباه، فيما تبحث دراسات حديثة علاقة التعرض لهذا المحتوى بالشعور بالإرهاق وتراجع الرغبة في مشاهدته.
في وقت تتسع فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الفيديوهات بسرعة وكلفة أقل، يبرز سؤال لا يتعلق بقدرة هذه الأدوات على صنع المحتوى فحسب، وإنما بمدى استعداد الجمهور لمشاهدته.
صورة لشاشة تعرض مقطعًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي نشره ترمب، يظهر فيه مع نمر - غيتي
المشهد داخل الشاشة غير حقيقي
في دراسة نشرت في 16 أكتوبر في مجلة "PLOS ONE"، بحث زيداي وانغ وتشاو تانغ العلاقة بين الشعور بتزايد المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والإرهاق لدى مستخدمي منصات الفيديو القصير.
اعتمدت الدراسة على استبيان شمل 513 مستخدمًا بالغًا في الصين، سبق لهم مشاهدة مقاطع اعتقدوا أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي. وارتبط الإحساس بكثافة حضورها بتصور انتشار المحتوى منخفض الجودة، وتشابه القوالب السردية، وارتفاع الجهد المطلوب لتمييز المقاطع وفرزها وتقييمها.
ولم تقس الدراسة الجودة الموضوعية للمقاطع أو حصتها الفعلية على المنصات. كما أن ارتباط تشابه القوالب بالإرهاق لم تدعمه اختبارات إعادة المعاينة الإحصائية، بخلاف الانطباع بانتشار المحتوى منخفض الجودة والشعور بعبء التعامل معه.
وارتبط الإرهاق بانخفاض الرضا عن تجربة مشاهدة المقاطع المولدة، وتراجع الرغبة في مواصلة مشاهدتها. ولا يعني ذلك بالضرورة التوقف عن استخدام المنصة أو مشاهدة الفيديوهات القصيرة عمومًا.
تظل النتائج ارتباطات مستخلصة من استبيان في نقطة زمنية واحدة؛ فلا تثبت أن زيادة المحتوى سببت الإرهاق، ولا تتيح تعميم الاستجابة على الجمهور كله.
لم تكن تلك الدراسة الوحيدة التي حاولت فهم العلاقة بين المشاهدين والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي. فقد اختبرت ورقة عمل أتيحت على منصة SSRN في يونيو/ حزيران 2026 تفضيلات المشاهدين، مستعينة ببيانات من يوتيوب وتجربة عبر الإنترنت.
ورصد الباحثون تزايد حضور التعليقات التي تذكر الذكاء الاصطناعي، وتزايد سلبيتها. وبالاستفادة من اختلاف توقيت ظهور أول إشارة إلى الذكاء الاصطناعي ضمن أبرز التعليقات على الفيديو نفسه، قدّروا انخفاض المشاهدات بنحو 10% في المتوسط بعد ظهورها.
ولفحص أثر الإفصاح، أجروا تجربة أبقوا فيها محتوى الفيديو ثابتًا، وغيّروا عشوائيًا طريقة الإشارة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي عند الاختيار وأثناء المشاهدة.
وأظهرت التجربة أن وضع علامة تفيد بأن الفيديو مُنتَج بالذكاء الاصطناعي خفّض احتمال اختياره بنسبة 23%، بينما أدى عرض تعليق ينبه إلى استخدام التقنية أثناء المشاهدة إلى تقليص وقت المشاهدة بنحو 18 ثانية، أي ما يقارب 14%.
خلصت النتائج إلى أن معرفة المشاهد بأن المحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي قد تؤثر في اختياره ومدة مشاهدته. لكن الورقة متاحة بوصفها ورقة عمل، وليست في الصفحة المشار إليها دراسة منشورة في مجلة محكمة.
تشير النتائج إلى أن معرفة المشاهد بالمصدر الاصطناعي قد تؤثر في اختياره ومدة متابعته - https://rri.co.id
لا يتوقف تفاعل الجمهور عند جودة الصورة أو معرفته بأن المقطع مولد بالذكاء الاصطناعي. فثمة أبعاد أخرى، على رأسها الأصالة العاطفية ووضوح مصدر المحتوى.
في دراسة عن استجابة المستخدمين الشباب للفيديوهات القصيرة المولدة بالذكاء الاصطناعي، بحثت دونغ هوي لان وتي كيم أوانه فو كيف يدرك أفراد من الجيل Z هذا المحتوى ويستجيبون له. واعتمدت الدراسة على مقابلات معمقة استعاد خلالها المشاركون أمثلة صادفوها في استخدامهم اليومي، بدل عرض مجموعة موحدة من الفيديوهات عليهم.
وأظهرت المقابلات أن جاذبية الصورة أو حداثة التقنية لا تكفيان وحدهما لتفسير تقبل المحتوى؛ إذ اهتم المشاركون أيضًا بأصالة المشاعر، وتماسك القصة، وتصميم الصوت، ووضوح الجهة التي أنتجته.
وأبدى بعضهم إعجابًا بالإمكانات الإبداعية للذكاء الاصطناعي، مع شعور بالانزعاج أو الشك عندما بدت المقاطع شديدة الشبه بالمحتوى البشري، لكنها خالية من إحساس طبيعي أو غامضة المصدر.
توضح هذه الشهادات تنوع الاستجابات، من الإعجاب إلى التحفظ، من دون أن تقيس نسبة انتشارها بين شباب هذا الجيل عمومًا.
واجهة الشخصية الافتراضية "دييلا" على بوابة الخدمات الحكومية الألبانية، في تيرانا يوم 12 سبتمبر 2025 - غيتي
صورة أرشيفية توضح حضور الشخصيات الاصطناعية خارج الترفيه
تطرح هذه التقييمات سؤالًا آخر:
هل يمكن أن يمتد الإرهاق من المحتوى إلى التفكير في مغادرة المنصة التي تعرضه؟
حاولت دراسة نشرت في 14 أبريل/ نيسان 2026 تناول هذه النقطة، باستبيان شمل 495 مستخدمًا لتيك توك في فيتنام.
ووجدت أن الشعور بفائض المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي ارتبط بالإرهاق وعدم الرضا، وأن الإرهاق ارتبط بزيادة نية التوقف عن الاستخدام أو تقليله، في حين لم يظهر عدم الرضا وحده ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بهذه النية.
كما ارتبط كل من الشعور بفائض المحتوى والانطباع بافتقاره إلى الأصالة بنية التوقف عن الاستخدام بصورة مباشرة.
ومن أبرز النتائج أيضًا أن الاعتياد على استخدام المنصة كان العامل الأقوى المرتبط بانخفاض نية المغادرة، إذ كان المستخدمون الذين اعتادوا التصفح بانتظام أقل ميلًا إلى التفكير في التوقف عن الاستخدام، حتى مع وجود عوامل قد تجعل تجربتهم أقل إرضاءً.
ثمة سؤال آخر لا يمكن تجاهله بهذا الصدد:
هل يعود الشعور بفرط المحتوى وضعف الجودة إلى طريقة إنتاجه، أم إلى الطريقة التي ترتب بها المنصات المقاطع وتقترحها؟
تتناول دراسة "التوصيات الخوارزمية المتصورة وإرهاق المعلومات لدى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي"، التي أتيحت في مجلة "Scientific Reports" في 3 أكتوبر 2026، هذه العلاقة باستبيان شمل 425 مستخدمًا بالغًا.
وميّزت الدراسة بين مفهومين: فائض المعلومات، أي شعور المستخدم بأن حجم المحتوى ومتطلبات متابعته يتجاوزان قدرته على التركيز والمعالجة؛ وتضييق نطاق المعلومات، أي شعوره بأن التوصيات تحصره في موضوعات ومصادر متشابهة، وتحد من تنوع ما يراه وفرص اكتشافه موضوعات جديدة.
وأظهرت النتائج أن مطابقة المحتوى لاهتمامات المستخدم لا تكفي وحدها لضمان تجربة مريحة. فقد يجد المستخدم نفسه أمام تدفق متواصل من المحتوى الذي يناسب تفضيلاته، لكنه يشعر بالإرهاق إذا كانت المعلومات كثيرة أو محدودة التنوع.
ومن النتائج اللافتة أن دقة التوصيات التي تقوم بها الخوارزميات ارتبطت بزيادة الشعور بفائض المعلومات وتضييق نطاقها، لكنها لم ترتبط مباشرة بالإرهاق. ويعني ذلك أن الإرهاق لا يرتبط بالضرورة بكون المحتوى مصنوعًا بالذكاء الاصطناعي. فقد يتعب المستخدم من كثرة المعلومات أو من تكرار ما تقترحه الخوارزميات عليه، حتى عندما يكون المحتوى من إنتاج البشر.
وتضيف هذه النتائج زاوية أخرى إلى النقاش وهي أن التحدي قد لا يكمن في كمية المحتوى الاصطناعي وحدها، بل في بيئة التوصية والخوارزميات التي تحدد ما يظهر للمستخدم ومقدار ما يراه ومدى تنوعه.
إذا كان من مكسب ملموس لأدوات الذكاء الاصطناعي، فهو أنها تتيح إنتاج مقاطع أكثر في وقت أقصر. لكن استمرار التفاعل يظل مرتبطًا بما يراه المستخدم ذا قيمة، وبمدى تنوع ما يعرض عليه، وقدرته على الوثوق بما يشاهده.
Loading ads...
لا تكفي هذه الدراسات للقول إن الجمهور كله بدأ يتعب من الذكاء الاصطناعي. لكنها تقدم مؤشرات إلى إرهاق لدى بعض المستخدمين، وتحفظ تجاه المحتوى حين يُكشف مصدره الاصطناعي. وفي بيئة تتزايد فيها كمية المحتوى، يصبح التحدي تقديم ما يستحق أن يتوقف الجمهور لمشاهدته.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





