في عيادات الصحة النفسية، بدأ يتكرر مشهد جديد من إرهاق الأخبار السلبية لم يكن شائعًا قبل سنوات قليلة وهو رؤية أشخاص لم يعيشوا الحروب بشكل مباشر، ولم يتعرضوا لكوارث شخصية، لكنهم يذكرون أعراضًا متشابهة: إرهاق دائم، وصعوبة في النوم، وشعور بالعجز، وانشغال ذهني مستمر بما يَحدث في العالم، مع قلق وخوف وترقّب وحذر عام. هذا النمط المتكرر دفعني للتساؤل: هل أصبحنا نحمل فوق قدرتنا الطبيعية على التحمّل؟ وربما الأهم من ذلك، هل صُمم دماغ الإنسان وجهازه العصبي أساسًا ليستقبل هذا الكم الهائل من المآسي خلال يوم واحد؟ في السنوات الأخيرة، تزايد ما يمكن تسميته بحالة إرهاق الأخبار السلبية حين لا يقتصر التأثير النفسي على مَن يعيش الأحداث بشكل مباشر، بل يمتد ليشمل أشخاصًا يتابعونها عبر الشاشات بشكل يومي ومستمر.
إرهاق الاخبار السلبية هو حالة من الاستنزاف النفسي والعاطفي الناتج عن التعرّض المتكرر للمحتوى المقلق أو الصادم. من خلال عملنا في المجال النفسي، لم تعد المشكلة في وجود الأخبار السلبية بحد ذاتها، بل في أن الجهاز العصبي لم يعد يحصل على فرصة حقيقية للتعافي منها. وأصبح يعيش حالة دائمة من الانغماس في الأحداث العالمية، وكأنه في حالة استنفار مستمرة نتيجة التدفّق المتكرر للمحتوى المقلق في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالإنسان عبر التاريخ كان يعيش الحدث، ثم يبتعد عنه ويأخذ فرصته للشفاء منه. أما اليوم، فهو يعيش الحدث ويعيد مشاهدته ويقرأ تحليلاته وما يَنتج عنه من توقعات ومخاوف قادمة، والتي في كثير من الأحيان لا تستند إلى معلومات دقيقة، بل قد تتأثر بالآراء الشخصية أو بالمحتوى الموجّه الذي يزيد من مشاعر الخوف وعدم اليقين. كما أصبح يتلقى إشعارات الخبر الواحد من جهات متعددة وعلى مدار الساعة مسببًا إرهاق الأخبار السلبية .
"لم تعد الصدمات تزورنا على فترات، بل أصبحت تقيم معنا داخل هواتفنا وترافقنا أينما ذهبنا"
الدماغ البشري لم يتطور بالسرعة نفسها التي تطورت بها التكنولوجيا، ولا يزال يعمل بآليات عصبية قديمة صُممت أساسًا لاكتشاف الخطر وحماية الإنسان من التهديدات المباشرة. ولهذا، عندما نتعرّض بشكل متكرر لمشاهدة صور أو مقاطع للحروب والكوارث أو الأحداث الصادمة، فإن الدماغ لا يتعامل معها كـ “معلومة محايِدة”، بل قد يفسرها كإشارات خطر محتملة، مما يؤدي إلى تنشيط استجابات التوتر في الجسم وكأن التهديد قريب ومباشر. ومن خلال عملي في المجال النفسي والتعامل مع الاشخاص المهتمين بمتابعة الاخبار، ألاحظ أن هذا التفاعل لا يظهَر فقط على شكل انفعال لَحظي، بل قد يتحوّل إلى حالة مستمرة من الاستثارة العصبية التي تظهَر في أعراض مثل:
والأهم من ذلك أن الدماغ لا يستجيب فقط لوجود الخبر، بل لطريقة تكراره وتدفّقه. فاليوم الخبر الواحد قد يصل من مصادر متعددة، وبصياغات مختلفة، وتحليلات متلاحقة، ما يجعل الجهاز العصبي في حالة “تشغيل مستمر” دون مساحة كافية للتهدئة أو المعالجة. ومع مرور الوقت، لا يعود الدماغ يميز بين الخطر المباشر والخطر المُشاهَد، بل يدخل في نمط من الاستعداد الدائم، وكأنه يحاول التكيف مع عالم لا يتوقف عن إرسال إشارات إنذار تشير إلى إرهاق الأخبار السلبية .
هذا السؤال نسمعه كثيرًا. الإجابة ليست ضعفًا في الإرادة كما يعتقد البعض، لأن القلق بطبيعته يدفع الإنسان إلى البحث عن معلومات إضافية بهدف تقليل الغموض والشعور بعدم اليقين، حتى لو كانت هذه المعلومات نفسها تزيد من التوتر. الدماغ يعتقد أن الخبر التالي سيمنحه الشعور بالأمان. لكن ما يَحدث غالبًا هو العكس . كل خبر جديد يزيد من حالة التأهب، وهنا يدخل الشخص في دائرة متكررة:
قلق فمتابعة أخبار , فقلق أعلى يَنتج عنه متابعة أكثر وأكثر حتى يصل لمرحلة إرهاق الأخبار السلبية . من وجهة نظري المهنية، كثير من الأشخاص يخلطون بين “الوعي” و”الاستنزاف النفسي”، حين يشعرون بأن التوقف عن متابعة الأخبار يعني فقدان السيطرة، بينما في الواقع قد يكون الإفراط في المتابعة هو ما يضعف التوازن النفسي.
في السنوات الأخيرة، لم يعد الإرهاق النفسي مرتبطًا فقط بالتجارب الشخصية المباشرة، بل بدأ يظهَر بشكل أوسع وأكثر تعقيدًا مع التعرّض المستمر للأحداث العالمية عبر الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. هذا ما يجعل بعض الباحثين يطرحون تساؤلات حول مفهوم قريب من الصدمة الجماعية غير المباشرة، حين يتعرّض الإنسان لمَشاهِد وأحداث صادمة بشكل متكرر دون أن يعيشها فعليًا، لكن تأثيرها يتراكم عبر التكرار والانتشار السريع. ومن خلال عملي في المجال النفسي، ألاحظ أن طريقة عَرض الأخبار اليوم لا تؤثر فقط على المحتوى، بل على الإيقاع الذي يصلنا به المحتوى نفسه. فالإنسان لا يتلقى خبرًا واحدًا وينتهي الأمر، بل ينتقل بسرعة مِن خَبر إلى آخر، ومن منصة إلى أخرى، وكأنه في حالة “تَنقّل مستمر” بين مَشاهِد مختلفة دون توقف. وهنا يمكن تشبيه هذا النمط بما يشبه الدمى المتحركة على مسرح سريع الإيقاع.
قد تؤدي الأخبار ذات الطابع الصادم أو المقلق إلى ظهور أعراض ضغط نفسي أو ما يُعرف بالصدمة الثانوية لدى بعض الحالات، خاصة عند التعرّض المكثف والمستمر لها، لكن غالبًا لا تكون صدمة نفسية مباشرة، بل هي حالة من الضغط النفسي التراكمي أو ما يشبه الصدمة الثانوية الناتجة عن التعرّض غير المباشر للأحداث، والتي قد تؤثر على الأفراد أو بشكل جماعي، نتيجة التعرّض المتكرر لنفس نوع المحتوى الإخباري السلبي.
مَشاهد تتغير بسرعة، شخصيات وأحداث تظهَر وتختفي، بينما الجهاز العصبي يحاول فقط اللحاق بكل هذا التدفّق دون أن يحصل على فرصة للهدوء ومعالجة ما يراه فعليًا. هذا النوع من التعرّض السريع والمتكرر يجعل الدماغ في حالة استثارة مستمرة، وكأنه لا يملك مساحة كافية للتوقف أو إعادة التوازن الداخلي.
وفي إحدى الحالات التي تعاملتُ معها في السياق العلاجي، كانت هناك سيدة لا تعاني من تجربة صادمة مباشرة، إنما بدأت تظهَر لديها مجموعة من الأعراض النفسية التدريجية المرتبطة بما يمكن وصفه بنوع من الصدمة الثانوية الناتجة عن التعرّض المستمر للأخبار. في البداية، كانت الأعراض أقرب إلى تغيرات في الانفعال، حين ظهَرت لديها سرعة في الاستجابة العاطفية، مع نوبات من الغضب والانفعال تجاه الآخرين بشكل غير معتاد بالنسبة لها. ومع استمرار التعرّض المكثف للأخبار، بدأت هذه الاستجابات تأخذ طابعًا أعمق، حين ظهَرت أعراض تجنّب، وقلق مستمر، وتوتر عام، إضافة إلى صعوبة في النوم وأحيانًا أحلام مزعجة مرتبطة بمحتوى ما تتعرض له من أخبار. الأهم في الحالة انه خلال تقييمها تبين أنه لم يكن هنالك وجود لحدث صادم مباشر، بل كانت المشكلة في الطريقة التي تم بها استهلاك الأخبار؛ إذ كانت هذه السيدة تتعرّض بشكل متكرر لمحتوى يحمل طابعًا تهديديًا، مما خلَق لديها تصورًا داخليًا غير واعٍ بأن العالم غير آمن، وأن أي محاولة للتصرف أو التفاعل قد تقود إلى نتائج سلبية.
هذا النوع من التعرّض المستمر يمكن أن يعزز ما يشبه “الاستجابة الدفاعية المفرطة”، حين يبدأ الشخص إما بالانفعال الزائد أو بالتجنب، وكأن الجهاز النفسي يحاول حماية نفسه من ضغط معلوماتي مستمر لا يملك القدرة على معالجته بالكامل.
كما أن تعدد المصادر وتنوع الروايات لنفس الحدث قد يَخلق نوعًا من الارتباك الداخلي، ويزيد من الشعور بعدم الاستقرار النفسي، خاصة عندما تصلنا نفس القصة بصيغ مختلفة وتحليلات متناقضة. وفي هذا السياق، يمكن فهم كيف تتشكل الصور الذهنية للخطر مع الوقت، وكيف يمكن لرموز بسيطة أن تحمل شحنة خوف متراكمة، كما في بعض الأمثلة الثقافية التي ارتبط فيها “الذئب” بالخطر، حتى أصبح مجرد ذكره يفعّل استجابة حذر تلقائية رغم اختلاف الواقع عن الصورة النمطية.
الهدف ليس تجاهل الأخبار. بل تنظيم علاقتنا بها. أنصح غالبًا بهذه الخطوات:
لأن الجهاز العصبي يرسل إشاراته مبكرًا. أحيانًا يكون الصداع، أو الإرهاق، أو صعوبة التركيز رسالة تقول: لقد امتلأت أكثر من اللازم.
الأخبار السلبية تؤثر على النفسية لأنها تُفعّل نظام الاستجابة للتوتر في الدماغ، وكأنها تهديد مباشر؛ إذ إن التعرض المتكرر لمحتوى صادم يدخل الجسم في حالة استعداد مستمرة، مما يؤدي إلى القلق، والتوتر، وصعوبة التركيز.
قد تزيد من مستويات القلق لدى بعض الأشخاص، خصوصًا عند المتابعة المستمرة للأحداث الصادمة.
السوشيال ميديا تزيد من التوتر النفسي عندما يتم استخدامها بشكل مكثف وغير منظّم، لأنها تقدّم محتوى سريع ومتكرر ومليء بالمثيرات العاطفية.
التوتر العادي يكون مرتبطًا بمواقف حياتية مباشرة، مثل ضغوط العمل أو العلاقات الشخصية، وغالبًا يكون مصدره واضحًا. أما إرهاق الأخبار السلبية فهو استنزاف نفسي ناتج عن التعرّض المستمر لأخبار وأحداث سلبية لا يعيشها الشخص بنفسه، لكنه يتأثر بها عبر وسائل الإعلام، مما قد يؤدي إلى القلق والإجهاد الذهني المستمر.
لا يحتاج الأمر إلى الانقطاع التام، بل إلى تنظيم وقت المتابعة ووضع حدود صحية لاستهلاك المحتوى.
ربما لم يعد السؤال اليوم: كم نَعرف عن العالم؟ بل: كم يستطيع جهازنا العصبي أن يتحمّل من العالم؟ فالوعي الحقيقي لا يقاس بعدد الأخبار التي نتابعها، بل بقدرتنا على حماية صحتنا النفسية بينما نبقى متصلين بإنسانيتنا. يمكن فهم ما يُعرف بحالة إرهاق الأخبار السلبية على أنه نتيجة مباشرة للتغير الكبير في طريقة استهلاكنا للمعلومة، وليس فقط بسبب كثافة الأحداث نفسها. تشير العديد من الدراسات في علم النفس العصبي والإعلام الرقمي إلى أن التعرّض المستمر للمحتوى المثير للقلق يرتبط بزيادة مستويات التوتر العام، وانخفاض القدرة على التنظيم الانفعالي، وارتفاع الشعور بالإرهاق الذهني، خاصة عند غياب الفواصل النفسية بين التعرّض والمعالَجة. ومن خلال عملي في المجال النفسي، استنتجت ما يلي:
Loading ads...
في النهاية، التوازن هنا لا يعني تجاهل ما يَحدث، بل يعني أن نختار كيف ومتى نَعرّض أنفسنا له، بحيث نبقى قادرين على الفهم والمشاركة دون أن نفقد قدرتنا على التماسك النفسي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






