6 أشهر
عودة "رجال الأسد" إلى دمشق.. نهاية للمحاسبة أم بداية اقتصاد معاد تدويره؟
الخميس، 8 يناير 2026

في لحظة تاريخية فارقة، وتحديدًا في أعقاب الثامن من كانون الأول/ ديسمبر عام 2024، حين طوت سوريا صفحة عقود من حكم عائلة الأسد، لم يكن سقوط النظام مجرد حدث سياسي، بل كان زلزالًا كشف عن شبكات معقدة من المصالح والقمع ظلت تعمل في الظل لسنوات طويلة.
وفي هذا السياق، يأتي التقرير الاستقصائي المعمق الصادر عن “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية” ليرسم خارطة دقيقة لما يمكن تسميته “الهندسة الجنائية” للنظام السوري، متجاوزًا فكرة العقوبات الدولية كأداة للضغط السياسي الصرف، ليحولها إلى وثيقة اتهام ومطارق للعدالة الانتقالية في سوريا الجديدة.
من رواية التبرئة إلى تفكيك رأس المنظومة
إن التقرير، الذي صاغه الباحثان رينود ليندرز وعلي الجاسم، ينطلق من مفارقة اجتماعية سورية لافتة، فبينما كان لسان حال السوريين قديمًا يقول إن “الرئيس جيد والبطانة سيئة” كنوع من الحماية الذاتية، انقلبت الآية اليوم ليصبح الاعتراف الصريح بأن “الرئيس كان رأس الحربة في نظام عصاباتي”، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا يتطلب ملاحقة ليس فقط رأس الهرم، بل تلك “الأذرع” التي مكنته من البقاء طيلة ثلاثة عشر عامًا من الحرب والدمار.
يرى المرصد أن العقوبات الدولية المفروضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا يجب أن تنتقل من خانة “تغيير السلوك” إلى خانة “المحاسبة الجنائية”، لتكون أساسًا لاسترداد الأصول المنهوبة ومنع إفلات المجرمين من العقاب.
وفي استعراضه لـ “شبكة القمع”، يكشف التقرير عن وجوه ظلت تعمل في عتمة المكاتب الأمنية، وعلى رأسهم العميد بسام حسن، الذي يصفه التقرير بأنه كان “المهندس الخفي” لآلة الحرب؛ فمن خلال موقعه كمستشار أمني في القصر الجمهوري، كان حسن حلقة الوصل بين القيادة السياسية ومركز الدراسات والبحوث العلمية (SSRC)، وهو المركز المسؤول عن تطوير الترسانة الكيميائية والبراميل المتفجرة التي فتكت بالمدنيين.
ولم يتوقف دور حسن عند الحدود العسكرية، بل امتد ليشرف على تنسيق ميليشيات “الدفاع الوطني” عبر شبكات عائلية، مما يوضح كيف تداخلت السلطة المطلقة بالفساد المالي والجرائم ضد الإنسانية في بوتقة واحدة.
أثرياء الحرب وإمبراطورية الظل
لا تقتصر المحاسبة التي يدعو إليها التقرير على الجنرالات، بل تمتد لتطال “أثرياء الحرب” الذين شكلوا الشريان المالي للنظام، فبينما شهدت السنوات الأخيرة تهميش رامي مخلوف، برزت إلى السطح “إمبراطورية الظل” التي أدارتها أسماء الأسد عبر ما عُرف بـ “المكتب السري” أو “المجموعة”، وبقيادة يسار إبراهيم، استولت هذه المجموعة على مفاصل حيوية في الاقتصاد السوري، من الاتصالات إلى العقارات، محققًة سيطرة على نحو 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024.
يؤكد التقرير أن هذه النخبة المالية لم تكن مجرد طبقة تجارية، بل كانت “واجهة غسيل” لأموال النظام، متورطة بشكل مباشر في تمويل العمليات العسكرية والالتفاف على العقوبات عبر شركات وهمية عابرة للحدود، وصولًا إلى الانخراط في تجارة “الكبتاغون” التي حولت سوريا إلى “دولة مخدرات” لضمان تدفق العملة الصعبة.
علاوة على ذلك، يسلط التقرير الضوء على فئة “البيروقراطيين التكنوقراط” الذين منحوا النظام غطاءً من الشرعية المؤسساتية والقدرة على البقاء اقتصاديًا، ويبرز اسم أديب ميالة، حاكم مصرف سوريا المركزي السابق، كنموذج للمسؤول الذي سخر الأدوات المالية للدولة لخدمة آلة القمع.
هروب النخب إلى الملاذات الآمنة
اللافت في التقرير هو تتبعه لمصائر هؤلاء؛ إذ يكشف أن ميالة، رغم إدراجه على قوائم العقوبات، تمكن من العيش في فرنسا تحت اسم مستعار، مما يطرح تساؤلات حارقة حول جدية الرقابة الدولية وقدرة رموز النظام على التسلل عبر الثغرات القانونية في القارة العجوز.
ومع تحول المشهد الميداني وسقوط دمشق، يرصد التقرير حركة نزوح جماعية للنخبة السورية المعاقبة نحو “الملاذات الآمنة”، وتتصدر موسكو قائمة هذه الوجهات، حيث تحول شارع “كوتوزوفسكي بروسبكت” إلى تجمع لرموز النظام الفارين الذين يسعون لحماية ثرواتهم وإعادة ترتيب أوراقهم، بينما تظل دبي وبيروت محطات ترانزيت مالي وتجاري لهؤلاء “الحيتان” الذين يحاولون التنصل من ماضيهم الدموي عبر صفقات تسوية أو تغيير هوياتهم التجارية.
لكن التحدي الأكبر الذي يطرحه المرصد يكمن في “سوريا الجديدة” ذاتها؛ إذ يحذر التقرير بلهجة شديدة من مخاطر “إعادة تدوير القمامة” السياسية والاقتصادية، ففي ظل الحكومة الانتقالية التي تهيمن عليها “هيئة تحرير الشام”، تبرز مؤشرات مقلقة حول صفقات غامضة مع رجال أعمال كانوا حتى الأمس القريب جزءًا من منظومة الأسد.
لا استقرار بلا عدالة
يضرب التقرير مثالًا بشركة “سيريتل” للاتصالات، حيث يكتنف الغموض عمليات الاستحواذ الجديدة ومدى استمرار ولاءات قديمة تحت مسميات جديدة، منوهًا إلى أن هذا الغياب للشفافية يهدد جوهر العدالة الانتقالية، وأن المحاسبة لا تعني فقط رحيل رأس النظام، بل تفكيك البنية التحتية للفساد التي قد تجد في الفوضى الانتقالية بيئة خصبة للنمو مرة أخرى.
ختامًا، يخلص تقرير “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية” إلى أن الطريق نحو سوريا ديمقراطية ومستقرة يمر لزامًا عبر بوابة “العدالة المالية والأمنية”، مؤكدًا أن العقوبات الفردية يجب أن تظل سيفًا مصلتًا على رقاب من تلطخت أيديهم بالدماء أو نهبوا قوت السوريين.
وأكد أنه لا ينبغي رفعها إلا في إطار عمليات قضائية شفافة تضمن استرداد الحقوق، فالرسالة الموجهة للمجتمع الدولي وللسلطات الجديدة في دمشق واضحة: لا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا محاسبة دقيقة وشاملة لكل من ساهم في بناء وصيانة “شبكة القمع” التي أحرقت سوريا لعقد من الزمان.
Loading ads...
يشار إلى أن رجل الأعمال السوري محمد حمشو، أعلن مؤخرًا توقيع اتفاق شامل مع الحكومة السورية الجديدة، وفق الأطر القانونية والرسمية المعتمدة، مؤكدًا أن الخطوة تأتي في سياق “تنظيم وتثبيت الوضع القانوني” وفتح صفحة جديدة، من دون الدخول في سجالات تتعلق بالمراحل السابقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

